شرح الفجوة بين العرض والطلب في منظومة كست بوكس (Castbox) الفارسية
في زحام المترو وضجيجه، أثناء المشي في الشارع، عند القيادة أو حتى ونحن في البيت، يكفي الاتصال بالإنترنت لنستمع إلى قصة أو كتاب أو حوار ثنائي أو محتوى تعليمي. والبودكاست وسيلة إعلام قل من توقع بعد عهد سيطرة التلفزيون ووسائل الإعلام المرئية أن يحيي مرة أخرى تراث التواصل الشفهي في العصر الرقمي؛ تراث يمكن عده إحياء للعصر الذهبي للراديو. واليوم يتخذ البودكاست، بحسب الظروف الجغرافية والسياسية لكل بلد أو منطقة، شكلا ومضمونا مختلفين، وهذه الفروق جذورها في البنى التحتية الثقافية والوضع السياسي والاقتصادي للمجتمع وكذلك أفكاره ومثله. ولهذا يمكن أن يمنح فهم ذائقة جمهور البودكاست الفارسي علامات ثمينة لفهم الوضع الفكري للمجتمع.
وقد بدأ البودكاست الفارسي عمله في كست بوكس منذ عام 2005، غير أن موجة نموه وشعبيته الرئيسة تشكلت من عام 2019 وبالتزامن مع تفشي كورونا؛ حين صار البودكاست أحد سبل سد الفراغ التواصلي في زمن الجائحة والحجر. وأنشئ أكبر عدد من القنوات الفارسية في كست بوكس عامي 2021 بـ3440 قناة و2023 بـ4158 قناة. وأسلوب استهلاك البودكاست يختلف عن سائر الوسائط والمنصات على الإنترنت؛ ويظهر هذا الفرق في مقدار استهلاك المحتوى الصوتي نسبة إلى المرئي وفي تنوع الأذواق والموضوعات الرائجة في كل وسيلة. فمثلا، أكبر حصة من المستمعين (33 في المائة) والمتابعين (25 في المائة) للقنوات الفارسية في كست بوكس مخصصة لموضوع الكتب والفلسفة والتاريخ والسير والسرديات غير القصصية. وبعد ذلك يأتي «تعليم التنمية الفردية» بـ22 في المائة من الزيارات و21 في المائة من المتابعين في المرتبة الثانية، وقد جذبت موضوعات الصحة وعلم النفس أيضا 14 في المائة من الزيارات و12 في المائة من المتابعين. واستحوذت قنوات الرواية والسرديات القصصية أيضا على 19 في المائة من المتابعين و11 في المائة من المستمعين.
وإلى ما يتجاوز هذه الإحصاءات الوصفية، فإن النقطة الجديرة بالتأمل في البيانات وجود فجوة ذات دلالة بين حصة القنوات وعدد جمهورها ومتابعيها. ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف أساسا في فئتين من الموضوعات:
1- موضوعات يكون المحتوى المنتج ومنتجوه أقل من الزيارات والمتابعين: وأوضحها موضوع «الكتاب (الفلسفة والتاريخ والسير) والسرديات غير القصصية» الذي تقل فيه حصة القنوات المنتجة (8 في المائة) والحلقات ذات الصلة (9 في المائة) كثيرا عن حصة جمهورها؛ بحيث يهتم ثلث الزيارات كلها (33 في المائة) وربع المتابعين بهذا المجال. وتعبر هذه الفجوة عن اختلاف نمط استهلاك جمهور البودكاست عن وسائل الإعلام البصرية، ويبدو أيضا أن الاهتمام المتزايد بالكتب التاريخية والسير متجذر إلى حد ما في الالتفات إلى المسار التاريخي للمجتمع. وفي الوقت نفسه، يبين هذا الوضع أن هذه المجالات ما تزال تملك طاقة عالية لجذب جمهور جديد وأن احتمال نجاح البودكاست الجديد في هذا الميدان أكبر من موضوعات مثل العلم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد أو علم الاجتماع. والفئة الثانية هي موضوع الصحة وعلم النفس الذي وإن كان لا يشمل سوى 7 في المائة من القنوات والحلقات، فقد استحوذ على 14 في المائة من مجموع المستمعين و12 في المائة من المتابعين؛ وهذا أيضا يدل على الطاقة العالية لهذا المجال للنمو وجذب جمهور جديد. وأخيرا، جذب نوع «الحوار مع ضيف» رغم أنه لا يشغل سوى نصف في المائة من المحتوى المنتج وواحد في المائة من القنوات، اثنين في المائة من الجمهور؛ وتدل هذه النسبة البالغة أربعة أضعاف على الحاجة إلى إنتاج مزيد من المحتوى في هذا المجال وإمكان نجاحه العالي، وإن بقيت حصته الكلية من سوق البودكاست محدودة.
2- المحتوى المنتج ومنتجوه أكثر من الزيارات والمتابعين: وعلى الجانب الآخر، توجد موضوعات استحوذت على حصة عالية من القنوات والحلقات المنتجة، لكن جمهورها قليل مقارنة بهذا الإنتاج المرتفع. فمثلا، مجالات مثل الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع، رغم أن 14 في المائة من القنوات و13 في المائة من الحلقات الفارسية في كست بوكس مخصصة لها، لم تجذب سوى ثلاثة في المائة من الزيارات وأربعة في المائة من المتابعين؛ ويبين هذا الوضع أنه رغم اهتمام منتجي المحتوى بهذه المجالات، لم يحققوا نجاحا يذكر في جذب الجمهور وأن احتمال نجاح القنوات الجديدة في هذا الميدان منخفض. ويلاحظ وضع مماثل في مجال الدين والمذهب؛ بحيث إن 9 في المائة من مجموع الحلقات و4 في المائة من القنوات مخصصة لهذا الموضوع، لكن حصة المتابعين والزيارات في هذا المجال نحو واحد في المائة. وتعبر هذه الإحصاءات عن نشاط عال للمنتجين في مجال الدين والمذهب، لكن إقبال الجمهور على هذه المحتويات ضئيل. وفي مجال الفن والموسيقى والشعر، وإن كان عدد القنوات مساويا تقريبا لمقدار المتابعين والزيارات، فإن عدد الحلقات المنتجة أعلى بدرجة ملحوظة مما يدل على نشاط كبير للمنتجين في هذا المجال وبالتزامن محدودية جذب جمهور متناسب مع حجم الإنتاج. وفي ميدان العلم والتكنولوجيا أيضا عدد القنوات كبير، لكن يلاحظ بين عدد الحلقات المنتجة وحصة الزيارات والمتابعين نوع من التوافق يمكن أن يكون علامة على تشبع الجمهور في هذا المجال. وسائر المجالات مثل الأسرة والطفل والترفيه والسينما تواجه وضعا مماثلا ويفوق مقدار إنتاج المحتوى وعدد القنوات مقدار الزيارات والمتابعين. وفي النهاية، موضوعات مثل التعليم والتنمية الفردية والرياضة والسفر والهجرة وحتى الرواية والسرديات القصصية، لها في المؤشرات الأربعة المذكورة (أي عدد القنوات والحلقات والمتابعين والزيارات) توازن وتعادل نسبي.
وبشكل عام، للبودكاست الفارسي تشابهات ملحوظة مع الوسائط البصرية وشبكات التواصل الاجتماعي، لكن تمايزاته الخاصة وذوق الجمهور وذائقته أيضا مختلفان عن سائر المنصات. ويساعد هذا التقرير صناع السياسات الثقافيين في تحليلهم واتخاذ قرارهم على إدراك أهمية المنصة لمعرفة الجمهور وذائقتهم واتخاذ قراراتهم مع أخذ هذه الاعتبارات في الحسبان.
الإنفوغرافيك الأصلي (بالفارسية)
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية