صناعة السياحة العالمية متشابكة بشدة مع العوامل البيئية الخارجية، مما يجعلها شديدة الهشاشة أمام الأزمات الناجمة عن الكوارث الطبيعية والنزاعات الجيوسياسية وحالات الطوارئ في الصحة العامة. ولهذه الأزمات آثار ملحوظة في سلوك المسافرين واستقرار أنظمة السياحة. ولذلك تحول فهم ديناميات أثر الأزمة وإدارتها في السياحة، ولا سيما بالنظر إلى جائحة كوفيد-19، إلى موضوع ضروري.
وتعمل السياحة بوصفها نظاما مفتوحا يتفاعل على نحو دينامي مع الأبعاد الاجتماعية-الثقافية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية. وتوجد هذه التفاعلات بنية شبكية هشة أمام الصدمات الخارجية. فعلى سبيل المثال، عطلت الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 صناعة السياحة العالمية بإيجاد الخوف وتقليل التنقلات الدولية. وعلى النحو نفسه أبرزت الأزمة المالية العالمية عام 2008 الهشاشات الاقتصادية لقطاع السياحة.
ويمكن تقسيم الأزمات التي تؤثر في السياحة إلى فئتين داخلية وخارجية. والأزمات الداخلية تتعلق بداخل المنظمات ويمكن في الغالب منعها بالتخطيط والإدارة الوقائية. وفي المقابل تنشأ الأزمات الخارجية، مثل الجوائح، من عوامل بيئية خارجية وهي خارج السيطرة المباشرة لأصحاب المصلحة في السياحة. ولهذه الأزمات الخارجية، ولا سيما الجوائح العالمية، آثار واسعة في عرض السياحة وطلبها.
الأزمات الصحية والسياحة
وتوجد الأزمات الصحية مثل الأوبئة والجوائح تحديا فريدا لقطاع السياحة، لأنها تستطيع تعطيل التنقل بسرعة. وجائحة سارس عام 2003 مثال محوري على هذه الدينامية. فقد أصاب هذا المرض، الذي بدأ في الصين، أكثر من 8,000 شخص على المستوى العالمي وأدى إلى انخفاض حاد في وفود السياح إلى المناطق المتضررة. وكانت آثاره الاقتصادية ملحوظة، بحيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي المرتبط بالسياحة في الصين 25%، وفي فيتنام 15%، وفي هونغ كونغ وسنغافورة أكثر من 40%.
وتفاقم الطبيعة المتشابكة للسياحة الحديثة المخاطر الناجمة عن الجوائح. ويسهل ازدياد التنقل العالمي الانتشار السريع للأمراض المعدية، كما عبر المسافرون الدوليون في جائحة سارس الفيروس عبر الحدود. ويواجه السياح في الوجهات الأقل نموا في الغالب أنظمة صحية غير كافية تزيد هشاشتهم أمام المخاطر الطبية. ورغم المعلومات الوقائية المتاحة يمتنع كثير من المسافرين عن اتخاذ الإجراءات اللازمة، مما يبرز تحديات إدارة المخاطر الصحية.
كوفيد-19 وأثره الفريد
وأوجدت جائحة كوفيد-19 تحديا غير مسبوق للسياحة العالمية. وعلى خلاف الجوائح السابقة مثل سارس أو ميرس، تفاقم حجم كوفيد-19 ونطاقه بسبب العولمة والدور الحيوي للسياح الصينيين في اقتصاد السياحة الدولية. وفي عام 2018 شكل السياح الصينيون 21% من نفقات السياحة العالمية وكان لهم دور مهم في الازدهار الاقتصادي لهذا القطاع.
وأدى الانتشار السريع لكوفيد-19 إلى قيود سفر واسعة وإغلاق الحدود والحجر الصحي مما أوقف عمليا التنقل الدولي. وشعر بآثار هذه الجائحة في جميع أبعاد السياحة وترتب عليها انخفاض حاد في وفود السياح والإيرادات والعمالة. فضلا عن ذلك غيرت الأزمة إدراك المسافرين للمخاطر وزيد التأكيد على السلامة والصحة والمرونة في تخطيط السفر.

إدارة الأزمة في السياحة
وقد أكد ازدياد تواتر الأزمات وشدتها أهمية الإدارة الفعالة للأزمة في السياحة. وفي حين كانت منظمات السياحة تركز سابقا على الاستراتيجيات الإعلانية وتنمية السوق، كشفت جائحة كوفيد-19 الحاجة إلى تقييم المخاطر والتخطيط الاحتمالي القوي. وقد صارت إجراءات مثل التأمين على السفر وسياسات الحجز المرنة والاتصالات الشفافة عند الأزمة حيوية للحفاظ على ثقة المسافرين.
وقد كشف الحجم الفريد لجائحة كوفيد-19 فجوات في نهج إدارة الأزمة التقليدية. فعلى سبيل المثال، صار التأمين على السفر، الذي كان يعد سابقا خيارا اختياريا، ضروريا لكثير من المسافرين. ونالت سياسات الاسترداد والإلغاء أيضا مزيدا من الاهتمام، بحيث يطلب المسافرون مرونة أكبر للتكيف مع الظروف المتغيرة. وتظهر هذه التطورات أن قطاع السياحة يجب أن يعتمد استراتيجيات أكثر رشاقة واستجابة لإدارة الأزمات المقبلة.
وتظهر الدراسات أن صناعة السياحة شديدة الهشاشة أمام الأزمات الخارجية ولا سيما الجوائح. وتعطل الأزمات الصحية هذه الصناعة بتغيير سلوك المسافرين وتقليل التنقل وخفض النشاط الاقتصادي. وقد فاقمت جائحة كوفيد-19، بأثرها العالمي غير المسبوق، هذه التحديات وأبرزت الحاجة إلى استراتيجيات أشمل لإدارة الأزمة. وتساعد هذه الدراسة على فهم هذه الديناميات بتحليل رد فعل المسافرين في المراحل الأولى من جائحة كوفيد-19، وتقدم رؤى عن العواقب قصيرة الأمد وطويلة الأمد لصناعة السياحة.
وكان لجائحة كوفيد-19 آثار عميقة وفورية في السفر والسياحة العالمية، فعطلت برامج السفر وغيرت مشاعر المسافرين وأوجدت تحديات مالية وتشغيلية ملحوظة. وكان من العواقب الملحوظة لهذه الأزمة الإلغاء الواسع وتأجيل برامج السفر بسبب الانتشار السريع للفيروس وفرض قيود السفر في أنحاء العالم. وواجه المسافرون قدرا كبيرا من عدم اليقين والإحباط، ولا سيما بشأن سياسات الاسترداد وصعوبات تغيير مواعيد الحجوزات. وعبر كثير من الأشخاص عن عدم رضاهم على المنصات الإلكترونية وعدوا ردود شركات الطيران ووكالات السفر غير كافية.
وبرزت المخاوف المالية بوصفها مسألة أساسية، وتكبد كثير من المسافرين خسائر ملحوظة بسبب الحجوزات غير القابلة للاسترداد. وأدى هذا الأمر إلى ازدياد الميل إلى التأمين على السفر، إذ سعى الأفراد إلى حماية مالية أمام حالات عدم اليقين الناجمة عن الجائحة. وصارت المرونة في الاسترداد والاتصالات الشفافة من مقدمي الخدمات عوامل مهمة في قرارات المسافرين، إذ كانوا يحاولون اتخاذ قرارات صحيحة في ظروف تتغير بسرعة.
وأدت المخاوف الصحية والسلامة أيضا دورا محوريا في تغيير سلوك المسافرين. ولوحظ بوضوح ازدياد الوعي بأساليب النظافة، وأكد كثير من المسافرين أهمية الإجراءات الوقائية مثل استخدام الكمامة والمعقمات والالتزام بالتباعد الاجتماعي خلال الرحلات الجوية والإقامة في الفنادق. وأثرت هذه الهواجس تأثيرا ملحوظا في مشاعر المسافرين، بحيث حل القلق والتردد محل الحماس والتوقع الأوليين. وأظهر تحليل النقاشات الإلكترونية أن المشاعر السلبية ازدادت بدرجة كبيرة، وعبر كثير من الأشخاص عن عدم رضاهم عن كيفية إدارة الأزمة من صناعة السياحة.
واختلف أثر كوفيد-19 في السياحة في مناطق العالم المختلفة. فقد طرح المسافرون الآسيويون، وهم أول مجموعة اختبرت هذه الأزمة، مخاوفهم أبكر من الأوروبيين والأمريكيين. ومع انتشار الجائحة على المستوى العالمي رد المسافرون الأوروبيون على ازدياد حالات الإصابة والقيود التي فرضتها الحكومات، في حين تركز المسافرون الأمريكيون في البداية على احتمال حظر السفر ثم انتقلوا إلى المخاوف الصحية والمالية.
وبدأت صناعة السياحة، ردا على هذه التحديات، التكيف مع الظروف الجديدة وحاولت، بتنفيذ سياسات حجز مرنة والتأكيد على بروتوكولات صحية معززة، استعادة ثقة المسافرين. وأدركت أعمال السياحة أهمية الإدارة الاستباقية للأزمة وصوغ استراتيجيات أكثر مقاومة لمواجهة اضطرابات مماثلة في المستقبل.
وبوجه عام أبرزت النتائج هشاشة صناعة السياحة أمام الأزمات العالمية، وتؤكد ضرورة السياسات المرنة وتحسين استراتيجيات الاتصال ومزيد من التركيز على الإجراءات الصحية والسلامة لضمان تعاف مستدام.

الآثار الخاصة لـCOVID-19 في صناعة السياحة في بلدان مختلفة
واختلف الرد العالمي على جائحة COVID-19 اختلافا ملحوظا بين البلدان، وعكس فروق بنى الصحة العامة التحتية والحوكمة والأولويات الاقتصادية. وفرضت بلدان تعتمد بشدة على السياحة، مثل إيطاليا وإسبانيا وتايلند، قيود سفر صارمة وقدمت في الوقت نفسه حزم دعم مالي للأعمال والعمال المتضررين. فعلى سبيل المثال بادرت تايلند إلى طرح إجراءات تحفيز لتشجيع السياحة الداخلية، في حين ركزت إسبانيا على إيجاد بروتوكولات صحية لإعادة فتح قطاع السياحة لديها بأمان.
واعتمدت بعض البلدان حلولا مبتكرة للحفاظ على صناعات السياحة لديها خلال الجائحة. وشاعت تجارب السياحة الافتراضية وأتاحت للمسافرين المحتملين اكتشاف الوجهات رقميا. فضلا عن ذلك استخدمت بعض الوجهات هذه الفترة للاستثمار في أساليب السياحة المستدامة لإيجاد صناعة أكثر مقاومة بعد الجائحة.
وألحقت جائحة COVID-19 أضرارا شديدة بقطاع السياحة في بلدان كثيرة. واعتمد مقدار هذه الآثار على اعتماد كل بلد على السياحة بوصفها مصدر دخل، وقدرتها على السيطرة على انتشار الفيروس ومقاومة اقتصادها الداخلي. وفيما يلي آثار هذه الأزمة في بلدان محورية ومناطق مختلفة:
1. سياحة إيطاليا: بلد متضرر بشدة
وشهدت إيطاليا، بوصفها إحدى القوى الكبرى في السياحة العالمية ومضيفة مدن شهيرة مثل روما والبندقية وفلورنسا، أحد أشد الانخفاضات في السياحة. وبوصفها أحد البلدان التي تضررت بشدة في الأشهر الأولى من الجائحة، واجهت إيطاليا انخفاضا بنسبة 60 في المائة في حضور السياح عام 2020 مقارنة بعام 2019. وتلقى اقتصاد هذا البلد المعتمد على السياحة ضربة شديدة فاقمت التفاوتات الإقليمية الأزمة أيضا.
إحصاءات محورية:
- كان يتوقع أن تجذب إيطاليا 28.5 مليون سائح أقل في عام 2020 بسبب الجائحة.
- وكانت منطقة فينيتو، بوصفها وجهة سياحية مهمة، تتوقع انخفاضا بنحو 4.61 مليون من السياح الوافدين، في حين واجهت لومبارديا انخفاضا قدره 3.87 مليون شخص.
صناعة الفندقة ونفقات السلع الفاخرة:
- انخفض معدل إشغال الفنادق في المدن الكبرى بإيطاليا، ومنها روما، في ذروة الجائحة إلى 6 في المائة.
- وانخفضت نفقات التجزئة من السياح الدوليين، ولا سيما السياح الصينيين والكوريين واليابانيين، في أسواق السلع الفاخرة والملابس انخفاضا حادا.
وقد أبرزت هذه المشكلات الاقتصادية اعتماد إيطاليا الشديد على السياحة الدولية، وأظهرت أن هذا القطاع هش أمام تحديات التعافي طويل الأمد.
2. سياحة إسبانيا: سقوط غير مسبوق
وواجهت إسبانيا، ثاني أكثر بلدان العالم زيارة في عام 2019 بـ83 مليون وافد، خسائر مدمرة في قطاع السياحة لديها. وكان الضرر الاقتصادي شديدا ولا سيما في مناطق محبوبة مثل كاتالونيا وفالنسيا وجزر البليار.
خسائر تقديرية:
- كانت صناعة السياحة في إسبانيا تواجه احتمال انخفاض في الإيرادات يعادل 55 مليار يورو في عام 2020.
- وكانت كاتالونيا وحدها تتوقع انخفاضا قدره 11 مليار يورو في رقم أعمال السياحة.
انخفاض حجوزات الفنادق:
- انخفضت حجوزات الفنادق حتى فبراير 2020 في مدريد 24 في المائة وفي برشلونة 20 في المائة.
- وألغيت أحداث كبرى مثل مهرجان لاس فالاس في فالنسيا، وترتب على ذلك خسائر مالية إضافية.
وجعل موقع إسبانيا بوصفها قطبا سياحيا أوروبيا هذا البلد شديد الهشاشة أمام عواقب الجائحة، بحيث شعرت بآثار هذه الأزمة في مجمل قطاعات الفندقة وصناعة الفعاليات.

3. سياحة الصين: مركز الجائحة
وواجهت الصين، بوصفها مركز جائحة COVID-19، عواقب ملحوظة في قطاع السياحة لديها. وكان هذا البلد أحد الفاعلين الرئيسيين في السياحة العالمية، وأنفق السياح الصينيون في عام 2018 نحو 227 مليار دولار في السفر الخارجي. ومع ذلك غيرت الجائحة الظروف تغييرا حادا.
آثار محورية:
- انخفض معدل إشغال الفنادق في الصين حتى نهاية يناير 2020 إلى 89 في المائة.
- وشهدت أسعار الأسهم المرتبطة بالسياحة انخفاضا حادا بسبب فرض الحجر الصحي في مدن مثل ووهان.
عوامل نفسية:
- أوجد انتشار الفيروس شعورا بانعدام الأمن بين السياح المحتملين، داخل البلاد وخارجها. وقد خشي كثير من المسافرين من وقوع موجة جديدة من العدوى، الأمر الذي خفض الطلب على السياحة في المستقبل القريب.
ورغم هذه التحديات، فإن التعافي السريع للصين في سائر القطاعات وتدخلات الحكومة القوية أعدا هذا البلد لعودة تدريجية في السياحة الداخلية.
4. سياحة الولايات المتحدة: تراجع شال
واجهت الولايات المتحدة، بوصفها ثالث أكثر بلدان العالم استقبالا للزوار في عام 2019 بـ80 مليون وافد، أزمة متعددة الأبعاد في قطاعها السياحي. وقد أثرت الجائحة بشدة في شركات الطيران والفنادق والصناعات المرتبطة بها.
صناعة شركات الطيران:
- تلقت شركات الطيران 25 مليار دولار من المساعدات المالية و25 مليار دولار من القروض الإضافية وإعفاءات ضريبية من الحكومة لتفادي الإفلاس.
قطاع الفندقة:
- انخفض إيراد الغرفة المتاحة في فنادق الولايات المتحدة حتى الأسبوع المنتهي في 7 مارس 2020 بنسبة 11.6 في المائة.
- وطلبت سلاسل الفنادق الكبرى مساعدة مالية من الحكومة، وطالب هذا القطاع بـ150 مليار دولار من الدعم لموظفيه وعملياته.
الخسائر المالية:
- واجه قطاع الفندقة وحده منذ منتصف فبراير 2020 خسارة قدرها 1.5 مليار دولار.
وجعلت الطبيعة المترابطة لصناعة السياحة في الولايات المتحدة، التي تشمل النقل الجوي وأماكن الإقامة والفعاليات، هذا البلد شديد التعرض للآثار المتسلسلة للجائحة.
5. أفريقيا جنوب الصحراء:
واجهت أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعمل شخص واحد من كل 20 عاملا في السياحة، أزمة عميقة. وقد خلف أثر الجائحة في السفر الدولي عواقب وخيمة على سبل العيش والاستقرار الاقتصادي في أنحاء المنطقة.
الخسائر المتوقعة:
- قدر الاتحاد الأفريقي أن قطاع السياحة والسفر سيخسر أكثر من 50 مليار دولار.
- وكان ما لا يقل عن 2 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة معرضة للخطر.
الوجهات الهشة:
- وكانت بلدان مثل سيشل والرأس الأخضر وموريشيوس وغامبيا تتوقع انخفاضا بنسبة 7 في المائة أو أكثر في الناتج المحلي الإجمالي المعتمد على السياحة.
- وقد أبرزت هذه الخسائر هشاشة المناطق النامية ذات التنوع الاقتصادي المحدود والاعتماد الشديد على إيرادات السياحة.
6. قطاع السياحة في الجزائر: أثر محدود
في الجزائر، حيث لا تشكل السياحة سوى جزء صغير من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، كان أثر الجائحة محدودا نسبيا. غير أن قطاعات من الصناعة مثل شركات الطيران ووكالات السفر الخاصة واجهت تحديات.
إحصاءات السياحة:
- لم تستقطب الجزائر في عام 2017 سوى 2,451 سائحا دوليا، بما يظهر الدور المحدود لهذا القطاع في الاقتصاد الوطني.
صناعات شركات الطيران والفنادق:
- واجهت شركة الطيران الوطنية Air Algérie بسبب تعليق الرحلات خسارة تجاوزت 320 مليون دولار.
- وتكبدت وكالات السفر الخاصة والفنادق تراجعا في الإيرادات زاد الضغط على القوة الشرائية للموظفين وعلى الإيرادات الضريبية للحكومة.

نظرة عالمية عامة
عانت البلدان ذات الاعتماد العالي على السياحة، مثل إيطاليا وإسبانيا وتايلند، آثارا غير متناسبة مقارنة ببلدان ذات قطاعات سياحية أضعف مثل الجزائر. وقد أبرزت الجائحة هشاشة الاقتصادات المعتمدة على السفر الدولي، وأكدت أهمية التنويع وتطبيق ممارسات السياحة المستدامة.
وتظهر دراسات الحالة هذه الأساليب المتنوعة التي عطل بها وباء COVID-19 صناعة السياحة، من الانخفاض الحاد في وفود السياح وذهاب الإيرادات إلى فقدان الوظائف وإغلاق الأعمال.
وللمستقبل، سيتطلب تعافي صناعة السياحة العالمية جهودا منسقة واستراتيجيات مبتكرة وآليات دعم قوية لإدارة التحديات طويلة الأمد التي أحدثتها الجائحة.
السياحة في إيران: الوضع قبل COVID-19
قبل الجائحة، كانت إيران تعرف باطراد وجهة سياحية. وكانت المواقع الثقافية والتاريخية في البلاد، ومنها برسيبوليس وميدان نقش جهان في أصفهان ومدينة يزد التاريخية، تجذب السياح الدوليين. وكان للسياحة الدينية، ولا سيما في مدن مثل مشهد وقم، دور حيوي أيضا في جذب ملايين الزوار سنويا.
وإلى جانب السياحة الدولية، كانت الرحلات الداخلية أيضا جزءا مهما من هذه الصناعة. وكان الإيرانيون يسافرون على نطاق واسع في أيام النوروز وسائر العطل الوطنية، فيولدون منافع اقتصادية لمناطق مختلفة. وكانت الحكومة قد حددت السياحة قطاعا استراتيجيا لتنويع الاقتصاد، واستثمرت في تنمية البنية التحتية والحملات الإعلانية.
غير أن هذا القطاع كان يواجه تحديات حتى قبل الجائحة. فقد قيدت العقوبات الاقتصادية الوصول إلى الأسواق الدولية، وثنت التوترات الإقليمية بعض السياح المحتملين عن السفر إلى إيران. وفاقمت الجائحة هذه التحديات وأضافت شكوكا جديدة إلى صناعة هشة من الأصل.
القسم الأول: تحليل أثر كوفيد-19 في صناعة السياحة في إيران وتقييمه
في عام 2020، سلكت صناعة السياحة في العالم الراهن مسار تحليل وتفكيك واجه فيه أصحاب المصلحة في السياحة ووضع ميزانيات البرامج المقترحة، استنادا إلى سلوك المسافرين في أنحاء العالم من دون أن يتوقعوا ذلك، في الأشهر الثلاثة الأولى من العام ركودا عالميا أحدثه أثر الجائحة. وأفضت هذه الأزمة إلى انتشار كورونا، فأوجدت ضرورات حالت دون حركة الناس وتخطيط الرحلات، وإنذارات قائمة على عدم السفر وإغلاق سلسلة خدمات السياحة برمتها بما فيها الإقامة والطعام والشراب والترفيه والتسلية والنقل السفري في أنحاء العالم.
ويتوقع أن تخفض أزمة كورونا النمو الاقتصادي العالمي من متوسط 3 في المائة إلى 2.5 في المائة. وفي الواقع، هذا هو المقدار الذي وصفه صندوق النقد الدولي بأنه يعادل سيادة ركود عالمي. وتفيد مصادر متعددة في أوروبا أنه رغم وجود الحوافز الاقتصادية ما زالت المعاملات في الأسواق المالية تتراجع.

في إيران، أدى تزامن أزمة تفشي كورونا مع عطلات رأس السنة وعيد النوروز بوصفها الفترة الرئيسية للسفر الداخلي والخارجي إلى مواجهة جميع الناشطين في صناعة السياحة مخاطرة غير مسبوقة. وفي الوضع الناشئ، بلغت هذه الصناعة التي كانت من محركات النمو والتشغيل (الصادر والوافد المحلي،) في زمن النمو والتشغيل، حد الإغلاق التام، وتصير وضعية هذه الصناعة عمليا في حكم الصادرات غير المرئية.
وفي هذا الوضع، لحقت أضرار كبيرة بسلاسل النشاط والوحدات المرتبطة بها ومنها الإقامة والطعام والغذاء ومجمعات الترفيه والتسلية والنقل وسائر الوسطاء في المراحل اللاحقة والسابقة، وكف العاملون فيها عن العمل.
ورغم أنه بسبب غياب نظام إحصائي متماسك في صناعة السياحة في البلاد لا يمكن تقديم تقدير دقيق لمقدار آثار فيروس كورونا في هذه الصناعة، فإنه استنادا إلى الشواهد القائمة وأقوال المعنيين استضافت إيران في عام 1398 هـ.ش (2019/20) نحو 8 ملايين سائح أجنبي جذبوا غالبا من البلدان المجاورة. وقد أدى ذلك إلى نمو ملحوظ لسياحة البلاد من حيث مقدار استقطاب السائح الأجنبي، بحيث حلت إيران بين البلدان الثلاثة الأولى في العالم من حيث أرخص الوجهات السياحية في العالم.
غير أن استمرار الوضع القائم والآثار السلبية الناجمة عن هذه الأزمة يمكن أن يخلفا آثارا متزايدة في سلسلة خدمات صناعة السياحة برمتها. وإذا لم تقدم البلدان المتقدمة وصفة لاتخاذ سياسات توسعية في هذه الأزمة، فإن هذا الوضع يمكن أن يدفع المجتمع نحو مزيد من الفقر ويؤدي إلى عدم استقرار الاقتصاد.
وفي إيران، تضررت صناعة النقل الجوي أيضا بشدة من تفشي فيروس كورونا. وواجهت هذه الصناعة، فضلا عن انخفاض الطلب على السفر الجوي، تحديات واسعة مثل إغلاق الحدود الجوية والبرية من جانب البلدان المجاورة ومنها العراق وتركيا وأفغانستان. وأدى ذلك إلى خسائر ضخمة لشركات الطيران في البلاد قدرت بأكثر من 3 آلاف مليار تومان.
وأدى تفشي فيروس كورونا إلى بقاء نحو 90 في المائة من أسطول النقل الجوي في البلاد على الأرض بسبب غياب الطلب، ويقدر أن العودة إلى الأوضاع العادية تحتاج إلى نحو 2 إلى 3 سنوات. وتقع شركات الطيران في البلاد حاليا في وضع «حرج»، وإذا لم تقدم إليها حزم دعم من الحكومة فستضطر إلى تسريح مزيد من قواها العاملة. كذلك ترك كثير من الناس، خوفا من الإصابة بهذا المرض، استخدام أسطول النقل العام البري والجوي وفضلوا التنقل بالسيارة الخاصة.
وفي قطاع المكاتب الخدمية والسياحية أيضا أبلغت خسائر كبيرة ناجمة عن إلغاء الرحلات الجوية وإلغاء الجولات. وبحسب نتائج البحث، تشمل الخسائر اللاحقة بالمكاتب الخدمية والسياحية البنود التالية:
- الرحلات الداخلية: 490 مليار ريال
- الرحلات الخارجية: 2 ألف و160 مليار ريال
أثر كوفيد-19 في صناعة الفندقة في إيران
صناعة الفندقة التي كان مقدرا لها يوما أن تكون أساس تنمية السياحة وميسرا للوصول من دون النفط لحقت بها أضرار كبيرة بتفشي فيروس كورونا. وقد فقدت هذه الصناعة بسبب انخفاض السفر الداخلي وكذلك انخفاض معدل إشغال الفنادق ومراكز الإقامة نحو 70 في المائة من قوتها البشرية. وبلغت سائر المراكز والمنشآت السياحية أيضا أدنى مستوى لنشاطها تقريبا.
وقد قدر رئيس جمعية أصحاب الفنادق في إيران الخسارة اللاحقة بصناعة الفندقة من بدء تفشي فيروس كورونا حتى نهايته بأكثر من 6 آلاف مليار تومان.

التداعيات الاقتصادية
خلفت الجائحة تداعيات اقتصادية شديدة على صناعة السياحة في إيران. وأدت قيود السفر والحجر إلى انخفاض بارز في وفود السياح المحليين والدوليين. وواجه قطاع الضيافة، ومنها الفنادق والمطاعم ومشغلو الجولات، تراجعا ملحوظا في الإيرادات. وبحسب تقديرات صناعية، انخفض معدل إشغال الفنادق بشدة واضطر كثير من الأعمال الصغيرة إلى الإغلاق الدائم. وأدى ذلك إلى بطالة واسعة بين العمال المرتبطين بالسياحة وفاقم الأزمة الاقتصادية.
الآثار الاجتماعية والثقافية
وإلى ما يتجاوز الخسائر الاقتصادية، عطلت الجائحة أيضا الديناميات الاجتماعية والثقافية للسياحة. فألغيت الفعاليات والمهرجانات التقليدية التي كانت معالم مهمة أو أقيمت بصورة افتراضية. وتضررت السياحة الدينية، بوصفها أحد المكونات الرئيسية لقطاع السياحة في إيران، بشكل خاص إذ أغلقت الأماكن المقدسة أو عملت وفق بروتوكولات صحية صارمة. وقد غيرت هذه التحولات كيفية تجربة الناس للأنشطة الثقافية والدينية ومشاركتهم فيها.
فضلا عن ذلك، أدى إغلاق المواقع الثقافية والمتاحف ومعارض الفن إلى قطع صلة الناس بتراثهم الثقافي المشترك. وهذه الأماكن التي كانت تعمل غالبا منصة للحوارات بين الثقافات وبناء المجتمع لم تعد متاحة، فأوجدت شعورا بالعزلة الثقافية. وكان انخفاض التفاعل بين السياح والمجتمعات المحلية أيضا يعني ضياع فرص التبادل الثقافي التي تعد جزءا مهما من السياحة.
وحاولت التكيفات الافتراضية ملء هذا الفراغ. فبدأت متاحف إيران ومراكزها الثقافية تقديم جولات ومعارض عبر الإنترنت أتاحت للناس اكتشاف تراث البلاد من بيوتهم. ورغم أن هذا كان حلا إبداعيا، فإنه لم يكن ليستطيع أن يحل تماما محل التجربة الغامرة الحضورية. فضلا عن ذلك، حد غياب بنية تحتية رقمية قوية في بعض المناطق من الوصول إلى هذه الإجراءات الافتراضية ومن أثرها.
وواجه الفنانون والحرفيون المحليون الذين كانوا يعتمدون بشدة على السياحة لبيع منتجاتهم صعوبات شديدة. فقد عطلت الجائحة الأسواق التقليدية والأسواق الشعبية التي تعد مراكز ثقافية واقتصادية حيوية في إيران. ولم يؤثر انخفاض مبيعات الحرف اليدوية في معيشة الأفراد فحسب، بل شكل تهديدا لحفظ المهارات والممارسات الثقافية التقليدية.
وغيرت الجائحة أيضا أنماط الاستهلاك الثقافي. فمع محدودية الوصول إلى الأنشطة الثقافية اتجه الناس إلى المنصات الرقمية للترفيه والتعليم. وقد أبرز هذا التحول إمكان دمج الأدوات الرقمية في السياحة الثقافية، وأكد في الوقت نفسه الحاجة إلى الاستثمار في التكنولوجيا لتحسين الوصول والتفاعل.
الآثار البيئية
ومن الطريف أن الجائحة كانت لها آثار بيئية إيجابية أيضا. فقد أدى انخفاض أنشطة السياحة إلى تراجع التلوث وتخفيف الضغط على المناطق السياحية المزدحمة. وعرفت المعالم الطبيعية التي كانت تحت الضغط بسبب كثرة الزوار فترة من التعافي. غير أن تحدي الحفاظ على هذه المكاسب إلى جانب إحياء السياحة ما زال قائما ويتطلب تطبيق ممارسات مستدامة.
خلاصة
لقد أظهرت جائحة كوفيد-19، بآثارها الواسعة والمتعددة الأوجه، بوضوح هشاشة صناعة السياحة العالمية ولا سيما إيران. فقد أفضت هذه الأزمة إلى انخفاض حاد في الإيرادات وتوقف تدفقات السفر وتغير سلوك المسافرين، وأظهرت أن السياحة، بوصفها نظاما شديد الترابط، تحتاج إلى تخطيط شامل ومرن لمواجهة الأزمات المقبلة. وإلى جانب التداعيات الاقتصادية، تأثرت الجوانب الاجتماعية والثقافية للسياحة بشدة أيضا، وقيد إغلاق الأماكن الدينية والثقافية التفاعلات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، أكدت التغيرات التي طرأت على أسلوب الحياة وسلوك المسافرين أهمية تنمية السياحة الرقمية والمستدامة.
وبناء على الخبرات المستخلصة من جائحة كوفيد-19، يحتاج قطاع السياحة إلى اتخاذ استراتيجيات للتحصين وتعزيز البنية التحتية الرقمية وتطبيق بروتوكولات صحية مرنة وسياسات داعمة فاعلة. وقد هيأت هذه الأزمة فرصة لإعادة التفكير في أساليب إدارة الأزمات والإفادة من التقنيات الحديثة من أجل صناعة سياحة أكثر صمودا واستدامة.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية