هل المكتبات العامة في إيران مضيفة لعامة الناس؟

إيران والعالمالكتب والنشر1404 (2025/26)

من ضرورة نظرة واقعية إلى أداء المكتبات العامة حتى ضرورة إعادة ترتيب وظائفها

تعد المكتبات أحد أهم المراكز الثقافية والاجتماعية في كل بلد، ولها دور مهم في تشكل التفكير الدينامي والإبداعي وولادته، وفي التنشئة الاجتماعية للأفراد وتنمية المجتمعات. ومن بين المكتبات، للمكتبات العامة دور ووظيفة خاصة في المجتمع والخدمة العامة. ووفقا لـ«وثيقة الرؤية لهيئة المكتبات العامة في أفق 1404 هـ.ش (2025/26)» فإن المكتبات العامة مؤسسة ثقافية بهوية إسلامية-إيرانية، نافذة ومؤثرة في المجتمع، ذات وظائف في التوعية والإعلام التعليمي والإرشادي. وينبغي أن تكون هذه المؤسسة ممهدة للارتقاء بالمطالعة المفيدة، ذات موارد بشرية ملتزمة ومتخصصة ومدربة، وأن تنجح، مع حفظ المرتبة الأولى للبلاد في المنطقة، في إيصال البلاد إلى مصاف خمسة عشر بلدا رائدا في العالم من حيث نصيب الفرد من المساحة والعضوية والموارد والإعارة المكتبية.

والسؤال الآن أنه بعد مرور 22 عاما على تأسيس المكتبات العامة ونشاطها في البلاد، إلى أي حد أدت هذه المؤسسة مهامها ورسالتها. وفي هذا الاتجاه تسعى هذه المذكرة، بنهج قائم على البيانات وإحصاء عدد المكتبات العامة في البلاد وتوزعها الجغرافي وعدد أعضاء المكتبات العامة ونفقات هيئة المكتبات العامة وعدد كتب المكتبات العامة وغيرها، إلى إجابة متينة عن هذا السؤال. ومعظم بيانات هذه المذكرة مستمدة من منتجي «لوحة بيانات هيئة المكتبات العامة في البلاد» و«لوحة بيانات منظومة إدارة المكتبات العامة» لمجموعة نمافر لتنقيب البيانات وبحوث السياسات. وقد أتاحت هاتان اللوحتان، باستخراج بيانات «موقع هيئة المكتبات العامة في البلاد» و«المنظومة المتكاملة لإدارة المكتبات العامة» ومعالجتها وتصويرها، إمكانية الفحص التفاعلي للبيانات.

عدد المكتبات العامة في إيران

يمكن عد وجود البنية التحتية (المكتبة) شرطا مسبقا لأي حديث ونقاش عن ثقافة المطالعة والقراءة في المجتمع. لأنه قبل التثقيف لاستخدام المكتبة أكثر ينبغي أولا النظر هل توجد بنية تحتية لهذه الثقافة أم لا. ومن أهم البنى التحتية عدد المكتبات. وهو أمر حظي باهتمام مجلس أمناء المكتبات العامة في «وثيقة الرؤية لهيئة المكتبات العامة في أفق إيران 1404 هـ.ش (2025/26)» تحت عنوان «نصيب الفرد من المساحة».

ووفقا للإحصاءات المعلنة من هيئة المكتبات العامة في البلاد، يوجد حتى نهاية بهمن (يناير–فبراير) 1403 هـ.ش (2024/25) عدد 3,861 مكتبة عامة في البلاد، منها 3,004 مكتبة (77.8 في المائة) مكتبات حضرية و857 مكتبة (22.2 في المائة) مكتبات ريفية.

كذلك يبين تفحص عدد المكتبات المشمولة بهيئة المكتبات العامة بحسب نوع المكتبة أن 2,815 مكتبة تابعة للهيئة و833 مكتبة تشاركية و37 مكتبة مستقلة و176 قاعة مطالعة قد شكلت في مجموعها 3,861 مكتبة عامة.

أي محافظة تملك أكبر عدد من المكتبات العامة؟

يبين تفحص توزع المكتبات العامة في البلاد بحسب المحافظة أن محافظة طهران بـ341 مكتبة عامة تملك أكبر عدد من المكتبات في البلاد. وتحتل محافظات أصفهان وفارس وخراسان الرضوية أيضا بـ289 و270 و239 مكتبة عامة على التوالي المراتب التالية. هذا في حين أنه على الجانب المقابل تملك محافظات قم بـ45 مكتبة عامة وإيلام بـ58 مكتبة عامة ولرستان بـ61 مكتبة عامة على التوالي أقل عدد من المكتبات بين محافظات البلاد.

طهران؛ أفقر محافظة في البلاد من حيث المكتبة العامة!

يبين فحص عدد مكتبات كل محافظة نسبة إلى السكان (لكل 100 ألف نسمة) مؤشر إتاحة كل محافظة للمكتبات العامة. ووفقا للنتائج، يبلغ مؤشر إتاحة المكتبات العامة في البلاد 4.62 مكتبة لكل 100 ألف نسمة. وتملك محافظة سمنان بـ11.4 مكتبة أكبر إتاحة للمكتبات العامة. كذلك تحتل محافظتا خراسان الجنوبية ويزد بـ10.9 مكتبة و10.2 مكتبة عامة لكل 100 ألف نسمة على التوالي المرتبتين التاليتين. هذا في حين أنه إذا حسبنا عدد المكتبات نسبة إلى السكان؛ فإن طهران بـ2.7 مكتبة عامة لكل 100 ألف نسمة هي أفقر محافظة في البلاد من حيث عدد المكتبات العامة.

وفي محافظات مثل طهران وأصفهان وفارس وخراسان الرضوية التي تكون الحاجة إلى المكتبة فيها كبيرة يكون مدى إتاحتها منخفضا. كذلك فإن المحافظات التي ينخفض فيها نصيب الفرد من المكتبات محافظات مكتظة بالسكان، وهذا يعني أن شريحة كبيرة من سكان إيران تواجه تحديا في الوصول إلى المكتبات.

كم عضوا للمكتبات العامة؟

أوصلت هيئة المكتبات العامة عدد أعضائها حتى نهاية ارديبهشت (أبريل–مايو) عام 1404 هـ.ش (2025/26) إلى 2,217,183 شخصا. ووفقا للإحصاءات المعلنة من الهيئة، شكل 438,154 عضوا من هذا العدد أعضاء الأطفال. كذلك أضيف في ارديبهشت 1404 هـ.ش (2025/26) الذي صادف أيام معرض طهران الدولي للكتاب 79,127 عضوا جديدا إلى أعضاء المكتبات العامة.

3 في المائة فقط من سكان البلاد أعضاء في المكتبات العامة!

كما ذكر في بداية المذكرة يمكن عد وجود البنية التحتية (المكتبة) شرطا مسبقا لأي حديث ونقاش عن ثقافة المطالعة والقراءة في المجتمع، لكن هل للمكتبات العامة والمباني معنى ووظيفة من دون حضور الأفراد والأعضاء؟ الإجابة بلا تردد سلبية. فالمكتبات العامة ذات معنى بأعضائها؛ لأنه كلما ازداد عدد الأعضاء ازدادت أيضا المراجعة وإعارة الكتاب والأنشطة الثقافية. والآن وقت مناسب لطرح السؤال والهدف الرئيس لهذه المذكرة؛ هل المكتبات العامة مضيفة لعامة الناس حقا؟ وأفضل إجابة بلسان الإحصاءات والبيانات. والحقيقة أنه في السنوات الماضية وفي أفضل الأحوال لم يكن سوى نحو 3 في المائة من سكان إيران أعضاء في المكتبات العامة. هذا في حين أن أكثر من 50 في المائة من الناس في البلدان الرائدة والمتقدمة أعضاء في المكتبات العامة. كذلك كانت «وثيقة نهضة المطالعة المفيدة» الصادرة عام 1389 هـ.ش (2010/11) قد استهدفت عضوية 35 في المائة من سكان إيران في مدى 15 سنة، وهو أمر لم يتيسر ولم يمكن وهو بعيد كثيرا عن وقائع اليوم. ونظرا إلى أن ميزانية المكتبات العامة كلها تمول من الميزانية العامة، فإن عدد أعضائها ومستخدميها ونطاقهم معيار مناسب للحكم على أدائها. ولذلك ينتظر أن تستفيد شريحة أوسع من سكان إيران من خدمات هذه المؤسسة العامة.

أقل من مجلد كتاب واحد؛ حصة كل إيراني من كتب المكتبات العامة

حتى نهاية ارديبهشت (أبريل–مايو) 1404 هـ.ش (2025/26) بلغ مجموع كتب المكتبات العامة في البلاد 44,538,850 مجلد كتاب. وبتعبير آخر، فإن مؤشر «نصيب الفرد من كتب المكتبات العامة» في البلاد أقل من واحد. هذا في حين أنه بناء على «وثيقة نهضة المطالعة المفيدة» الصادرة عام 1389 هـ.ش (2010/11) كان هذا المؤشر لعام 1404 هـ.ش (2025/26) (بعد 15 سنة) قد استهدف الرقم 4. وبناء على آخر إحصاء معلن لسكان البلاد من مركز الإحصاء الإيراني، يمكن طرح القول إنه وفقا لأهداف «وثيقة نهضة المطالعة المفيدة» ينقص نحو 311 مليون نسخة كتاب في المكتبات العامة. وتزيد مقارنة مؤشر «نصيب الفرد من كتب المكتبات العامة» في البلاد بسائر البلدان إظهار الوضع الحرج لهذا الموضوع. فمؤشر نصيب الفرد من الكتب في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وفرنسا وكندا بين 2 و3. وتشير نظرة إلى بلدان المنطقة أيضا مثل جورجيا وأذربيجان إلى وجود 5 كتب لكل شخص في هذه البلدان. ويبدو أن نقص نصيب الفرد من الكتب في المكتبات العامة في البلاد وتخلفه ليسا قابلين للتعويض بسهولة ويتطلبان برنامجا ودعما ميزانياتيا ملحوظا.

ميزانية المكتبات العامة؛ بقدر دفع رواتب العاملين ولا شيء غير ذلك!

وفقا لـ«قائمة نفقات هيئة المكتبات العامة في البلاد في عام 1402 هـ.ش (2023/24)» التي أعلنتها هذه الهيئة؛ صرف أكثر من 92 في المائة من نفقات المكتبات العامة أي ما يعادل 1,348 مليار تومان على دفع رواتب الموارد البشرية ومزاياها. هذا في حين أنه في عام 1402 هـ.ش (2023/24) خصص 56 مليار تومان فقط لشراء الكتاب، وبلغت حصة سائر نفقات الهيئة أيضا 49 مليار تومان. وتبين هذه الإحصاءات جيدا أن تعزيز موارد المكتبات العامة في البلاد بهيكلها التنظيمي وقوتها البشرية وميزانيتها الحالية غير ممكن عمليا. هذا في حين أن نظرة إلى وضع المكتبات العامة في البلدان المجاورة وأدائها مثل المكتبات العامة في الإمارات العربية المتحدة تبين أنه في حالة واحدة فقط وبالتزامن مع إقامة معرض الشارقة الدولي للكتاب خصص مبلغ 4.5 مليون درهم، ما يعادل 85 مليار تومان، ميزانية للمكتبات العامة والحكومية في الشارقة لشراء الكتاب.

ضرورة إعادة الترتيب الوظيفي للمكتبات العامة

يبين فحص وضع المكتبات العامة في البلاد وأدائها من حيث مكونات مثل البنية التحتية والأعضاء والموارد والهيكل وغيرها أن المكتبات العامة بعيدة مسافة ملحوظة عن الظروف المناسبة، واستنادا إلى الإحصاءات والبيانات المطروحة تمر بوضع حرج. هذا في حين أن المكتبات العامة في بلدان أخرى، فضلا عن الدور والوظيفة المألوفة والتقليدية التي لها، تقبل وتنفذ وظائف متنوعة ومفيدة مواكبة لوضع المجتمع وحاجاته ومتسقة معها. فعلى سبيل المثال تحولت المكتبات العامة في أستراليا إلى محل للخدمة العامة بشكل واسع. بحيث تقيم 1,412 مكتبة عامة في أستراليا أكثر من 1.4 مليون برنامج ثقافي-اجتماعي مثل ورش تعليم اللغة وجلسات الاستشارة المالية وتعليم الحرف اليدوية وعرض الأفلام والأفلام الوثائقية وغيرها، واستطاعت أن تستضيف ربع سكان أستراليا في هذه البرامج. كذلك اتسعت دائرة خدمات المكتبات العامة في إسكتلندا إلى حد لا يمكن تصوره؛ فقد تحولت المكتبات العامة في إسكتلندا إلى محل لدعم الصحة العامة وتقديم خدمات مثل دعم الأمهات الحوامل وتوزيع الفيتامينات الضرورية واستشارة السرطان والتوزيع المجاني للأدوات المرتبطة والضرورية للمسنين وإيجاد فرص تعليمية ومهارية مثل التوجيه والاستشارة المهنية وورش محو الأمية الإعلامية والرقمية وغيرها.

كلمة أخيرة

نظرا إلى أن للمكتبات العامة دورا ووظيفة خاصة في المجتمع والخدمة العامة، تناولت هذه المذكرة فحص وضع المكتبات العامة في البلاد وأدائها من حيث مكونات مثل البنية التحتية والأعضاء والموارد والهيكل وغيرها. وتبين الإحصاءات والبيانات المرتبطة بأداء المكتبات العامة في جميع المكونات المذكورة أن المكتبات العامة بعيدة مسافة ملحوظة عن الظروف المناسبة وفي وضع حرج.

وبناء على النتائج، يبدو أنه يلزم في المقام الأول أن يكون لصانعي السياسات ومتخذي القرار والقائمين على هذا المجال نظرة واقعية إلى أداء المكتبات العامة وأن يحرروا أنفسهم من قيد أهداف وثائق أكثر من عقد مضى ومهامها وإلزاماتها. ثم يقدموا، بإحصاء القيود والتحديات القائمة ومراعاتها، على إعادة ترتيب تنظيمي ووظيفي.

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا