تشتهر بريطانيا في أنحاء العالم بصناعاتها الإبداعية النابضة؛ فقد حولت الأفلام الرائجة والعروض التلفزيونية والموسيقى الذائعة وألعاب الفيديو وغيرها بريطانيا إلى أحد أبرز الفاعلين في الصناعات الإبداعية في العالم. والصناعات الإبداعية، بإنتاج سنوي يزيد على 100 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات وأكثر من 2 مليون وظيفة، أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي في بريطانيا. وفي هذه الظروف كشفت حكومة بريطانيا عن استراتيجية جديدة طموحة لبلوغ نمو أكبر في الصناعات الإبداعية في العقد المقبل باسم «رؤية بريطانيا 2030 في الصناعات الإبداعية».
نمو الصناعات الإبداعية المرتفع مقارنة بسائر الصناعات
شهدت الصناعات الإبداعية البريطانية في السنوات الأخيرة نموا نسبته 32 في المائة، ونمت بين عامي 2010 و2019 بأكثر من 1.5 ضعف معدل نمو اقتصاد بريطانيا البالغ 20 في المائة. وقد تجاوز هذا القطاع، بفضل إجراءات دعم حكومية مثل دعم 1.57 مليار جنيه إسترليني من صندوق إنعاش الثقافة، عاصفة جائحة كوفيد-19. ومع عودة الأنشطة في معظم المجالات الإبداعية إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، تهيأت الآن الظروف لتحقق طاقة النمو الكاملة لهذه الصناعات في المستقبل، وقد عدت رؤية 2030 للصناعات الإبداعية في بريطانيا استراتيجية للإجابة عن هذا الأمر.
الاقتصاد الإبداعي البريطاني حسب الوظائف
بلغ عدد الأفراد المشتغلين في القطاعات المختلفة للاقتصاد الإبداعي البريطاني 3.5 مليون نسمة، يشمل 1.19 مليون وظيفة غير إبداعية في الصناعات الإبداعية، و1.02 مليون وظيفة إبداعية في الصناعات الإبداعية، و1.02 مليون وظيفة إبداعية في الصناعات غير الإبداعية. وتعمل الصناعات الإبداعية بوصفها بؤرة للجهود الإبداعية؛ ففي هذه الصناعات يوجد مزيج من الوظائف الإبداعية وغير الإبداعية على نحو منسجم يخلق بيئة فريدة ويدفع النمو الاقتصادي. ونتيجة لذلك يؤكد تفكيك تشغيل الاقتصاد الإبداعي الانسجام بين الأدوار الإبداعية وغير الإبداعية. وتعرض الطبيعة التشاركية لقوة العمل، إلى جانب الكثرة والتخصص، دينامية الوظائف الإبداعية.
القيمة المضافة الإجمالية للصناعات الإبداعية
يبين النظر إلى حصة القيمة المضافة الإجمالية للصناعات الإبداعية أن تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات وخدمات الحاسوب بـ6.44 مليون جنيه إسترليني خصصت لنفسها أكبر حصة. وهو أمر يدل على أهمية مهارات التكنولوجيا الرقمية في الصناعات الإبداعية. وكانت مجموعة السينما والتلفزيون والإذاعة والتصوير بـ4.17 مليون جنيه إسترليني ثاني أكبر قطاع إبداعي، ولها آثار ثقافية واقتصادية وتشغيلية ملحوظة. ويأتي الإعلان والتسويق بـ19.7 مليون جنيه إسترليني، والموسيقى والأداء والفنون البصرية بـ8.3 مليون جنيه إسترليني، وصناعة النشر بـ11.4 مليون جنيه إسترليني في المراتب التالية.
إقبال البريطانيين على برامج الصناعات الإبداعية
يبين فحص مدى مشاركة البالغين في أنشطة إبداعية مختلفة عام 2022 أن نحو 33 في المائة من البالغين في هذه الفترة شاهدوا فيلما في السينما. ومارس 25 في المائة ألعاب فيديو، وحضر 50 في المائة منهم عام 2022 فعالية فنية. كما شارك 67 في المائة من البالغين في فعالية موسيقى حية. وكما يتضح فإن الموسيقى الحية والفعاليات الفنية سجلت أعلى معدل مشاركة بين البالغين في الأنشطة الإبداعية. بحيث شارك واحد من كل ثلاثة بالغين في فعالية موسيقية. ورغم أن الفيلم ولعبة الفيديو سجلا معدل مشاركة أقل، فإن الإقبال عليهما ما يزال بارزا وملحوظا.

توجيه السياسات المالية نحو الأهداف ذات الأولوية
تشير مقارنة التزامات الإنفاق لعامي 2021 و2023 إلى نظرة استراتيجية إلى مجالات ذات أولوية مثل الابتكار والوصول إلى الموارد المالية والصادرات والمهارات وغيرها. وفي هذا الإطار يؤكد استثمار 57.6 مليون جنيه إسترليني في برنامج البحث والتطوير لتكامل تقنيات الشاشات على الابتكار. وتشمل الاستثمارات الأخرى 10.9 مليون جنيه إسترليني لبرامج النمو، و5 ملايين جنيه إسترليني لصندوق الألعاب البريطاني، و5 ملايين جنيه إسترليني لقاعات الموسيقى الشعبية، و3.2 مليون جنيه إسترليني لمضاعفة ميزانية خطة نمو صادرات الموسيقى (دعم الفنانين الناشئين).الأهداف الاستراتيجية لرؤية بريطانيا 2030 في الصناعات الإبداعية
وقد شرح تقرير رؤية بريطانيا 2030 في الصناعات الإبداعية أهدافا وإجراءات صممت حول ثلاثة أهداف استراتيجية لمعالجة متطلبات خاصة وفي الوقت نفسه لإحداث تحول أوسع.الهدف الأول: نمو سوق الصناعات الإبداعية
إضافة 50 مليار جنيه إسترليني إلى سوق الصناعات الإبداعية وتحويله إلى نقطة قوة بارزة في اقتصاد بريطانيا هو الهدف الأول. ويشمل هذا الهدف تعزيز الابتكار بتوجيه أكثر من 250 مليون جنيه إسترليني إلى شراكات ومشاريع ومرافق جديدة للبحث والتطوير في أنحاء البلاد. فضلا عن ذلك يتحسن الوصول إلى الموارد المالية للنمو عبر ارتباط أفضل بالأموال العامة وبرامج مثل صناديق الاستثمار الإقليمية (1.6 مليار جنيه إسترليني) وتطوير الرقابة على الصناعة.الهدف الثاني: دعم 1 مليون وظيفة أخرى في أنحاء بريطانيا
بالنظر إلى أنه يتوقع أن يتحرك هذا القطاع نحو أدوار أعلى مهارة، يركز هنا على نمو المواهب والمهارات في جميع الأعمار. وتشمل الاستراتيجيات تحسين برامج التعليم الإبداعي في المدارس والمؤسسات في أنحاء البلاد. وتتضمن هذه الاستراتيجيات مبادرات لإثراء التعليم الأولي عبر دعم أكثر من 1800 مقرر جامعي في التخصصات الإبداعية. ومع ذلك أكد أيضا على التزامات لإيجاد بنى تحتية أوسع، مثل تنفيذ مشروع النطاق العريض البالغ 5 مليارات جنيه إسترليني. فضلا عن ذلك قدمت توصيات لمعالجة فجوات البيانات والقياس، وهذه التوصيات تساعد على التنمية المستهدفة.الهدف الثالث: تعظيم أثر الصناعات الإبداعية
الهدف الثالث تعظيم المزايا الثقافية والاجتماعية والبيئية للإبداع، ويغطي مجالات مثل الصحة والرفاه ودعم الاستدامة البيئية وتعزيز السمعة العالمية والقوة الناعمة لبريطانيا. وفي هذا القسم لقيت الإجراءات اللازمة، ومنها تمويل المشاريع الإبداعية المحلية وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة وعرض تفوق الصناعات الإبداعية البريطانية على المستوى الدولي، اهتماما.
التزامات التمويل: من الميزانية العامة إلى القطاع الخاص
وتؤكد الالتزامات المالية الملحوظة تسريع النمو عبر الاستثمار لا عبر السياسات وحدها. وتشمل صورة الميزانية العامة إجراءات منسقة مثل تخصيص 250 مليون جنيه إسترليني لإيجاد شبكات من المرافق والوظائف والمواهب في المنطقة، وتحديد 170 مليون جنيه إسترليني للمهارات والتدريبات التقنية من المدارس الابتدائية إلى التعليم العالي، وتخصيص أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني للمساعدة على الصادرات والوصول إلى السوق والبرامج التجارية والترويج. وفي القطاع الخاص أيضا تجري التزامات مثل تمويل إقليمي بـ1.6 مليار جنيه إسترليني من بنك التجارة البريطاني للاستثمارات الإبداعية، وتوقع 700 مليون جنيه إسترليني من استثمار إقليمي جديد لبي بي سي حتى عام 2027، و63 مليون جنيه إسترليني من استثمار مشترك للصناعة في شبكة استوديوهات المختبرات الغامرة.
الالتزام برفع التمييز والحفاظ على البيئة
توجد في برنامج رؤية 2030 التزامات لتعزيز التنوع والشمول في قوة العمل الإبداعية. إذ لا تشغل حاليا سوى 12 في المائة من المواقع الوظيفية في صناعات الموسيقى والسينما والتلفزيون والنشر مجموعات الأقليات العرقية، ولا ينتمي إلا دور واحد من كل خمسة أدوار في المتاحف والمعارض إلى الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد رسم البرنامج الحاضر مبادرات استراتيجية للصناعة وللحكومة على حد سواء؛ حتى تتحقق أجور عادلة وساعات عمل منطقية وإلغاء الممارسات التمييزية. والهدف من هذا العمل تقديم شبكات دعم محسنة تعالج جوانب مثل التطور المهني والاستقرار المالي والرفاه الذهني. ومن جهة الاستدامة البيئية أيضا تبين التحليلات أن الاهتمام بالاستدامة البيئية في بناء قاعات السينما يمكن أن يخفض انبعاثات الكربون بمقدار ملحوظ يبلغ 6500 طن في السنة، وهو رقم يعادل 9700 رحلة ذهاب وإياب إلى نيويورك.
كيف سيكون وجه بريطانيا بتحقق رؤية 2030؟
يمكن القول بوجه عام إن بريطانيا تسعى في برنامج رؤية 2030 للصناعات الإبداعية إلى 5 أهداف: بلوغ 165 مليار جنيه إسترليني من الإنتاج الاقتصادي سنويا عبر الصناعات الإبداعية، وتشغيل 2.7 مليون نسمة في وظائف إبداعية، وإيجاد أكثر من 1000 شركة إبداعية بإيرادات سنوية تزيد على 100 مليون جنيه إسترليني، وبلوغ صادرات 60 مليار جنيه إسترليني من المنتجات والخدمات الإبداعية، وتثبيت شهرة بريطانيا بوصفها مركزا إبداعيا عالميا.
خاتمة
وسند بريطانيا لهذه الطموحات في برنامج رؤية 2030 إدراك أن الطلب على المحتوى والسلع والخدمات الإبداعية على المنصات والتقنيات الرقمية في ازدياد. كما تقترح رؤية 2030 أن تحدث اللوائح في مجالات مثل السلامة على الإنترنت وأطر حق المؤلف وسياسات المنافسة؛ حتى يدعم الابتكار في كيفية صنع الأعمال الإبداعية وتوزيعها ودفع تكاليفها.وفي بلدنا أيضا يعد صنع السياسات والتمويل الصحيح والمستهدف في مجال الصناعات الإبداعية أمرا ضروريا. إذ كما رأينا، لهذا المجال قدرة عالية في توليد فرص العمل وفي إنتاج الثروة على حد سواء. لكن هل سوقنا المستهدف واسع أيضا مثل سوق الإنجليز؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة. لكن بالنظر إلى بيئة المنطقة والجيران، وحضور الأقوام الإيرانية في بلدان مختلفة (المجال الحضاري لإيران الكبرى)، ونظرة شيعة العالم الخاصة إلى إيران، يمكن التفاؤل بفاعلية الاستثمار في هذا المجال.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية