عندما لم يكن في حياتي شيء
لا شيء سوى تيك تاك ساعة الحائط، أدركت
يجب، يجب، يجب
أن أحب بجنون
شخصا ليس كأحد...
شاعرة هذه القطعة الجميلة فروغ فرخزاد. قطعة أظهرت فيها فروغ نبوغها. فهي متناغمة مع تكرار صوت عقرب الساعة تقول لنفسها باستمرار يجب، يجب، يجب أن تعشق. وفي زمن فروغ حين لم يكن في حياة أحد شيء، لم يكن يبقى سوى صوت ساعة الحائط. أي حين لم يكن لدى الشخص صبر حتى على التلفزيون والراديو كان على الأرجح يجلس ويحدق في الجدار ومن فرط الصمت يتناغم مع صوت عقرب الساعة. أما اليوم فإذا لم يكن لدى أحد صبر على شيء، فالأرجح أنه ما زال لديه صبر على تمرير المنشورات صعودا وهبوطا في وسائل التواصل الاجتماعي. بل إنه يفر من الضجر والملل المؤذي فيلجأ بسرعة إلى تيك توك لكن ليس تيك تاك الساعة. بل يتجه إلى حلقة لا نهاية لها من الفيديوهات القصيرة. وفي الغالب لا يتحمل الفيديوهات إلا ثوانيها الأولى، فإذا جذبته أكملها حتى النهاية ثم يتجه من جديد إلى الفيديوهات التالية. ويبقى في هذه الحلقة حتى يتعب أو حتى يؤذيه شعور ضياع الوقت أكثر مما ينبغي.
التحول إلى نمط تيك توك
إن الانغماس الإدماني الذي لا نهاية له في فيديوهات تيك توك قد بلغ من الحدة أن بعضهم سعى إلى مواجهته. فقد يصادف أشخاص يمررون الفيديوهات بجنون منشورا يظهر موقفا بصريا جذابا جدا. مثل لحظة تقريب ثلج من قطعة حديد مصهور. وحين تقترب قطعة الثلج تماما من الحديد المصهور وينتظر المستخدم تماما ليرى رد فعل الثلج على الحديد المصهور ينقطع الفيديو فجأة وتنطبع على الشاشة أسئلة من قبيل: «كم ساعة جلست على الهاتف؟ ما رقم هذا الفيديو؟ أصلا أتتذكر ماذا شاهدت في الفيديوهات السابقة؟» عندئذ ينهار جبل من تأنيب الضمير على رأس المستخدم وتستعرض أمام عينيه أعماله المتأخرة واحدا بعد الآخر. وإذا تكرر هذا الحدث مرتين أو ثلاثا قد يفقد المستخدم حساسيته وحين يصل إلى هذا النوع من فيديوهات التنبيه ينتقل إلى الفيديو التالي من دون تأنيب ضمير خاص. وليس على الأفراد للانغماس في هذه الفيديوهات وتجربة الغرق في هذه الحلقة أن يتجهوا حتما إلى شبكة تيك توك الاجتماعية. فيمكنهم الوصول إلى هذا الوسيط الإعلامي في إنستغرام ويوتيوب وسائر المنصات أيضا. ويسمي بعضهم هذا التقارب المضموني التحول إلى نمط تيك توك.
قدمت منصة تيك توك tiktok أسلوبا من المحتوى أضافته سائر وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة إلى إمكاناتها لحماية حصتها من الجمهور. وبالتدريج تحول هذا الأسلوب من المحتوى الذي يسمى الفيديوهات القصيرة إلى الوسيط الرئيس للمحتوى في عالم شبكات التواصل الاجتماعي. طرح تطبيق تيك توك في عام 2016، وحتى عام 2020 كانت إنستغرام قد أضافت خيار ريلز ويوتيوب خيار شورتس. وهاتان المنصتان من أكثر شبكات التواصل الاجتماعي شعبية في العالم. ويوتيوب يملك أكبر عدد من المستخدمين بين وسائل الإعلام الفيديوية وهو ثاني شبكة تواصل اجتماعي من حيث عدد الجمهور في العالم. وإنستغرام أيضا في المرتبة الرابعة من هذا الوجه. وهذا يعني أن تيك توك كان قد قدم وسيطا يهدد أكبر المنصات في العالم. فإذا أرادت ألا تتخلف عن تيك توك كان عليها أن تتحول إلى نمط تيك توك. وكانت العمالقة تسمع من تفشي شبكة تيك توك الاجتماعية صوت تيك تاك أفولها. وبلغ الأمر أن حتى منصة قائمة على النص مثل إكس x (تويتر سابقا) أوجدت أيضا إمكانية مشاهدة هذه الفيديوهات القصيرة بلا انقطاع. وكان سناب شات وفيسبوك منصتين أخريين اتجهتا إلى هذا النوع من الفيديوهات.
والآن لم يعد tiktok تيك توك نفسه هو الذي تفشى فحسب، بل فشا وسيطه وشكله الإعلامي أيضا.
خصائص تطبيق تيك توك: سريع، سلس، بسيط
فما خصائص هذا الوسيط الجديد؟ ففيديوهات تيك توك القصيرة مقصوصة بما يتناسب تماما مع الهواتف الذكية، عمودية وضيقة نسبيا. كذلك زمنها قصير جدا. ويحاول المستخدمون ألا تبلغ الفيديوهات التي يصنعونها دقيقة واحدة. وفي تطبيق تيك توك يمكن للمستخدمين إضافة مؤثرات صوتية وبصرية متنوعة إلى فيديوهاتهم. وهذه الفيديوهات القصيرة لتيك توك أفضل إجابة للجموع الهائلة من المستخدمين المدمنين على هواتفهم الذكية. وأكثر من 90 في المئة من سكان العالم الرقمي يملكون هاتفا محمولا ذكيا. ولاستعمال الفيديوهات القصيرة لا حاجة إلى قراءة نص ولا ينبغي صرف وقت كثير على محتوى واحد ولا الصورة غير متوافقة مع شاشة الهاتف. فكل شيء في خدمة جلب أكبر قدر من الانتباه. وهذه الفيديوهات لتيك توك سريعة وسلسة وبسيطة. على نحو يوقع الجمهور في دوامة من الفيديو. وينبغي أن تكون جذابة وقصيرة. وبهذه الفيديوهات بآلية الانتشار الواسع أو الفيروسية في شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يشاهدها أشخاص كثيرون. ووسيلة تيك توك ومحتوى نمط تيك توك متناسبان جدا مع الجيل z وتفاعله مع شبكات التواصل الاجتماعي. وكما أن معظم صناع المحتوى في هذه الشبكة الاجتماعية من الشباب بين 18 و24 سنة.قوة الفيديوهات القصيرة في شبكات التواصل الاجتماعي
تطبيق تيك توك غير رائج كثيرا في إيران؛ لكننا عشنا تجربة فيديوهات تيك توك القصيرة في إنستغرام. وهذه الفيديوهات يمكن أن توقف تفكيرنا. فنفر من الأفكار المؤذية والمقلقة نحو هذه الفيديوهات بوصفها مخدرا قويا، ونلجأ إليها من الجلوس في المترو والنظر إلى جدار العربة وبابه، وحين نضجر في العمل نفتح إنستا فورا؛ وفي وسط المذاكرة فجأة كأن اليد من تلقاء نفسها تفتح قفل شاشة الهاتف ولا مقصد لها سوى إكسبلور إنستا. وأحيانا ندهش؛ لأننا كنا نتجول في إكس أو تيليغرام أو بله فإذا بنا على غفلة نمرر فيديوهات الريل. ويمكن عد خوارزمية الاقتراح القوية لإنستغرام أيضا داخلة في تعلقنا بالريلز في بيئة إكسبلور.وهذه الفيديوهات القصيرة كأنما صنعت لعصرنا. عصر ذهب فيه الصبر على قراءة النصوص القصيرة والطويلة. والصور ليست جذابة بقدر الفيديوهات ولا وقت أو إرادة كافية لمشاهدة الفيديوهات الطويلة. وفي مثل هذا الزمان بلغ طلب التنوع ذروته ولا يمنح الأفراد وقتا كثيرا لمحتوى حتى ينجذبوا إليه. ووسيلة تيك توك نتاج تحليل لا عيب فيه لنفس مواطني العالم الرقمي وسلوكهم في القرن الحادي والعشرين.
الجذور السياسية للتحول إلى نمط تيك توك
صحيح أن المنصات اتجهت طبيعيا إلى حماية جمهورها ومستخدميها وألحقت إمكانية فيديوهات تيك توك القصيرة بسائر إمكاناتها حتى لا يتضرر سوقها لكن الظروف السياسية والأمنية كانت تقتضي ذلك أيضا. فتطبيق تيك توك منصة صينية واستطاع في مدة قصيرة أن يبلغ شعبية واسعة في الولايات المتحدة. وكان هذا لأمريكا هزيمة سيبرانية كاملة. لأنه للمرة الأولى كانت منصة أجنبية ومن الصين أيضا قد وصلت إلى قاعدة بيانات ضخمة وثمينة من المجتمع الأمريكي. فأمريكا، صاحبة المنصات العالمية وملكة ميدان وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تشهد الآن اختلالا كبيرا جدا في نطاق الإنترنت. ويمكن تحليل رد فعل المنصات الأمريكية السريع جدا تجاه تيك توك الصيني في هذا الإطار أيضا. وكان نظام حوكمة الإنترنت في أمريكا يعد الخطوة الأولى لمواجهة تيك توك في أمريكا إيجاد بديل له. وحتى عام 2020 كان عدد مستخدمي تيك توك في أمريكا قد بلغ 40 مليون شخص.ويبدو أنه لا يمكن بنظرة تسويقية واقتصادية خالصة تحليل منافسة شبكة اجتماعية مثل يوتيوب مع تيك توك. والآن في عام 2024 يزور 52 في المئة من مستخدمي الإنترنت العالميين يوتيوب مرة واحدة على الأقل في الشهر. وقد بلغ عدد المستخدمين النشطين ليوتيوب 2 مليار و700 مليون شخص واشترى 80 مليون شخص على مستوى العالم اشتراك يوتيوب المميز. فهل كان يوتيوب بهذه القوة قلقا فقط من فقدان سوقه حتى أنشأ يوتيوب شورتس؟ لا يمكن نفي احتمال أن إيجاد إمكانية الفيديوهات القصيرة في التطبيقات الأمريكية كان دفاعا سيبرانيا ضد الصين. وإن كان موج التحول إلى نمط تيك توك هذا لم يستطع أن يوقف جديا نمو مستخدمي تيك توك حتى في أمريكا نفسها توقفا كليا. ففي عام 2023 بلغ عدد المستخدمين الأمريكيين لتيك توك 150 مليون شخص. نمو بأكثر من 100 مليون في 3 أعوام فقط! ومن ثم وضعت أمريكا والاتحاد الأوروبي مطبات قانونية وقيودا على تيك توك. وعلى هذا النحو يحظر عمليا تثبيت تيك توك في أمريكا وأوروبا على شرائح كثيرة.
نجاح يوتيوب شورت | YouTube Shorts
ومع أننا قلنا إن نية التطبيقات الأمريكية ولا سيما يوتيوب في تقليد تيك توك ربما لم تكن تجارية فقط؛ فإنه لا يمكن إنكار أن يوتيوب شورتس لقي إقبالا جيدا من السوق العالمية ليوتيوب. ففي عام 2020 بلغ عدد المشاهدات اليومية لفيديوهات يوتيوب القصيرة 3.5 مليار. وتنمو هذه الإمكانية سنويا 135 في المئة ولها 1.5 مليار مستخدم شهري. ويوتيوب شورت يدين بنجاحه إلى حد ما لسوق الهند. لأن استعمال تيك توك محظور في الهند وهذا يهيئ الأرضية لزيادة نشاط إنستغرام ريلز ويوتيوب شورت فيها. ويصنع أكثر من 25 في المئة من فيديوهات يوتيوب شورت في الهند ونحو 23 في المئة في أمريكا. وبعد مرور نحو عام على إنشاء يوتيوب شورت سبق الطلب على هذا المحتوى عرضه!
إنستغرام ريلز؛ أهم منافس لتيك توك
في عام 2020 وفي خضم جائحة كوفيد اتخذت شبكة إنستغرام الاجتماعية قرارا تاريخيا. كانت إنستغرام منصة الصورة. وبالتدريج مع قيود متنوعة أضافت استعمال الفيديو إلى إمكاناتها. وفي البداية كان لفيديوهات إنستغرام قيد زمني بدقيقة واحدة. كذلك لم تكن قابلة للمشاهدة إلا في قالب المنشور. وبعد مدة أطلقت إمكانية IGTV لإنستغرام وكان يمكن فيها مشاهدة الفيديو من دون قيد زمني وفي قالب غير قالب المنشور. وكما يظهر من اسم هذه الإمكانية كان لآي جي تي في استعمال مشابه للتلفزيون ولم يجد مكانه كثيرا في بنية إنستغرام. وجربت إنستغرام طوال هذه الأعوام أشكالا مختلفة لتقديم الفيديو؛ وبقيت مع ذلك منصة الصورة والصورة الفوتوغرافية ولم تتحول إلى منصة فيديو. وكان إنشاء إنستغرام ريلز في عام 2020 تاريخيا من هذه الجهة أنه كان يغير طبيعة إنستغرام ويجعلها تقريبا منصة فيديوية. وكان زمن الجائحة والحجر أيضا أفضل وقت لإيجاد هذه الإمكانية في إنستا. وفي أغسطس 2021 أعلن قسم الأعمال في إنستغرام أن 91 في المئة من مستخدمي إنستا يشاهدون الفيديوهات القصيرة مرة واحدة على الأقل في الأسبوع.إمكانية ريلز إنستغرام على أعتاب إتمام 4 أعوام
والآن في عام 2024 وفي حين تبلغ إمكانية ريلز في شهر أغسطس من هذا العام عامها الرابع، يبلغ المستخدمون النشطون الشهريون لهذه الإمكانية 2 مليار و350 مليون شخص ويبث كل يوم في شبكتي إنستغرام وفيسبوك الاجتماعيتين 200 مليار فيديو ريل. وفي هذا العام يرجح أن يبلغ العدد الكلي لريلز إنستغرام أكثر من مليار ويظل أهم أسواق ريلز وأكبرها هو الهند.
والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا أن reels ريلز إنستغرام أخرج صيغة الفيديوهات القصيرة من احتكار الجيل z، أي فئة 18 إلى 24 سنة التي تسمى عادة في بلادنا «جيل عقد الثمانينيات». فجمهور ريل إنستغرام أكثرهم من أعمار 24 إلى 34 سنة. وكان هذا ميزة تنافسية في المنافسة بين إنستغرام وتيك توك إذ كانت تشرك فئة أوسع. ونقطة طريفة أخرى تتعلق بالبرازيل. فالبرازيل تعد ثالث أكبر سوق في العالم لشبكتي إنستغرام وتيك توك الاجتماعيتين.
ثورة تيك توك الكبرى في إنتاج المحتوى
بحسب ادعاء موقع upbeat وهو وكالة تسويق، 71 في المئة من المحتوى المنشور في إنستغرام صور لكن الفيديوهات في كل منشور أكثر إشراكا بـ3 أضعاف من الصور وتتفاعل مع المستخدم. وعلى أساس حاصل هذه البيانات كلها يمكن الاستنتاج أن الفيديوهات القصيرة لشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها أحدث صيغة أو وسيط أو قوام للمحتوى البصري قد استطاعت أن تتحول إلى أحد أكثر أنواع المحتوى شعبية في وسائل التواصل الاجتماعي. وكان تطبيق تيك توك منصة أثبتت أنه بالفكرة الصحيحة يمكن ليس بلوغ المستخدمين العالميين فحسب، بل حتى إحداث تحول في استهلاك المستخدمين لمحتوى الإنترنت. وعلى هذا النحو زحزح تيك توك حدود نجاح المنصة. لأنه لم يكن مجرد وسيلة فيديوية جديدة؛ بل كان بنية ووسيطا مضمونيا حديثا. فالمنصات المضمونية الجديدة تخلق محتويات جديدة خاصة بها، والأهم من ذلك تصنع أناسا جددا. ولعل فروغ فرخزاد لو عاشت في عصرنا وزماننا لأنشدت شعرها على هذا النحو:عندما لم يكن في حياتي شيء
لا شيء سوى تيك توك اللعين، أدركت
يجب، يجب، يجب، يجب، يجب، يجب...
كلمة أخيرة
تأسست شبكة تيك توك الاجتماعية الصينية بوصفها وسيلة فيديوية محورها المستخدم في عام 2016. وكان نجاح هذه المنصة الاجتماعية إلى حد أن عدد مستخدمي تيك توك في أمريكا حتى عام 2020 كان نحو 40 مليون مستخدم. ودفع هذا النجاح شبكات التواصل الاجتماعي الأمريكية الكبرى مثل إنستغرام ويوتيوب وفيسبوك وتويتر وسناب شات إلى إضافة فيديوهات تيك توك القصيرة إلى إمكاناتها أيضا. وإلى جانب ضرورات السوق لا ينتفي احتمال الاعتبارات الأمنية والسياسية أيضا في إيجاد بديل لمنصة صينية بالغة الشعبية. ومن أنجح عمليات النسخ عن تيك توك يمكن ذكر يوتيوب شورت وإنستغرام ريلز. فليوتيوب شورتس 1.5 مليار مستخدم شهري ويرجح أن يبلغ عدد ريلز إنستغرام في السنة الميلادية الجارية أكثر من مليار. وقد جعل حظر استعمال تيك توك في الهند كلا من إمكانيتي الفيديوهات القصيرة في يوتيوب وإنستغرام تملكان أكبر سوق في الهند. ولم تستطع هذه الإجراءات أن توقف كليا نمو تثبيت تيك توك في العالم وإلى جانب ذلك أدت إلى انتشار وسيط مضموني جديد. وعلى هذا النحو فإن تطبيق تيك توك فضلا عن أنه صار نفسه منصة منتشرة وكثيرة المستخدمين في العالم، رسخ وسيطه المضموني أيضا في العالم.ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية





