كان نجاح مسلسل لعبة الحبار (Squid Game) الذي تمكن رغم المنافسة الشديدة مع مسلسلات هوليوود مرتفعة التكلفة من أن يصير أكثر مسلسلات نتفليكس مشاهدة بـ 265.2 مليون مشاهدة، أبعد من إنجاز تجاري ورمزا لترسيخ مكانة صناعة الترفيه في كوريا الجنوبية في العالم. صناعة يعد السينما والتلفزيون أحد أهم أضلاعها.
تاريخ سينما كوريا الجنوبية
بدأت سينما كوريا الجنوبية منذ أواخر عهد الاستعمار الياباني (1910-1945). وفي عقد 1960 أنتج مخرجون مثل كيم كي-يونغ وأعمال باقية مثل «الخادمة» (The Housemaid). ومع ذلك كان هذا العهد الذهبي قصيرا، لأن عقدي 1970 و1980 رافقهما هيمنة الرقابة الحكومية وقيود شديدة حالت دون التقدم الإبداعي للسينما الكورية.
ويعد عقد 1990 نقطة تحول في تاريخ السينما الكورية. ففي هذه الفترة ظهر جيل جديد من صناع الأفلام عرفوا بالموجة الجديدة في السينما الكورية (Korean New Wave). وأوصل هؤلاء المخرجون، ومنهم «بونغ جون هو» و«بارك تشان ووك» و«كيم جي وون»، بمزج السرد الجريء والنقد الاجتماعي والإبداع البصري، السينما الكورية إلى مستوى جديد من الجودة والتأثير. ولم تتألق أعمال مثل «Oldboy» و«Memories of Murder» في المهرجانات الدولية فحسب، بل لفتت أنظار العالم إلى السينما الكورية.
من «الطفيلي» إلى «لعبة الحبار»: التألق العالمي لكوريا الجنوبية
في أوائل عام 2020 صنع فيلم «الطفيلي» بإخراج بونغ جون هو التاريخ بتحوله إلى أول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم. وكانت هذه المرة الأولى منذ عام 1955 التي يفوز فيها الفائز بأفضل فيلم في الأوسكار أيضا بالسعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي. وأعاد نجاح هذا الفيلم صناعة كوريا الجنوبية إلى بؤرة الاهتمام وذكر الجمهور بأن ثقافة البوب في كوريا الجنوبية تملك أمورا أكثر من كي-بوب وكي-دراما.
وتمكن فيلم الطفيلي (Parasite) بسرده المعقد والذكي عن التفاوت الطبقي وتبعاته من أن يصير ظاهرة عالمية، وإلى جانب جائزة الأوسكار لأفضل فيلم حاز أيضا جوائز أفضل إخراج وأفضل سيناريو أصلي وأفضل فيلم دولي، وتألق كذلك في مهرجاني بافتا وغولدن غلوب.
صنع هذا الفيلم بميزانية نحو 11 مليون دولار وتمكن من تحقيق أكثر من 262 مليون دولار من المبيعات على مستوى العالم، وإلى جانب كوريا الجنوبية حقق مبيعات ملحوظة أيضا في اليابان وفرنسا وإنجلترا وألمانيا.

ويتعلق نجاح مذهل آخر لسينما كوريا وتلفزيونها بمسلسل لعبة الحبار (Squid Game) من صنع هوانغ دونغ-هيوك الذي صدر بخلاف كثير من مسلسلات نتفليكس مرتفعة التكلفة والباهرة من دون إعلان واسع وثقيل واكتفت نتفليكس قبل إصدار هذا المسلسل بتعريف قصير وبضعة إعلانات تشويقية. لكن المسلسل لقي اهتماما شديدا عبر الإعلان الشفهي ووسائل التواصل الاجتماعي وبلغ بعد 28 يوما فقط من تاريخ عرضه أكثر من 111 مليون مشاهد.
وكسر هذا المسلسل رقم 256.2 مليون مشاهدة و2.2 مليار ساعة مشاهدة. وبلغ المرتبة الأولى في عدد المشاهدين في أكثر من 90 بلدا وصار أكثر مسلسلات نتفليكس مشاهدة في تاريخ هذه المنصة.
وصنع لعبة الحبار التاريخ في المهرجانات أيضا. فقد حصل هذا المسلسل في جوائز الإيمي 2022، أرفع جائزة تلفزيونية في العالم، على جوائز متعددة وتمكن بوصفه أول مسلسل غير ناطق بالإنجليزية من حيازة جائزتي أفضل ممثل وأفضل إخراج لمسلسل.
وتمكن لعبة الحبار بتناوله موضوعات عالمية مثل الديون الثقيلة والتفاوت الطبقي والضغوط الاقتصادية من التواصل مع الجمهور في أنحاء العالم. وصور هذا المسلسل رمزيا المنافسة الشديدة من أجل البقاء في المجتمع الحديث وأثار نقاشات واسعة حول التفاوت الاقتصادي.
وكان لعبة الحبار نقطة تحول في تاريخ الترفيه ووسع النفوذ الثقافي لكوريا الجنوبية أكثر فأكثر، وعزز نجاح هذا المسلسل العلامة الثقافية لكوريا الجنوبية وزاد الطلب على سائر المنتجات الكورية ومنها الفيلم والموسيقى (K-Pop) والأزياء.
وكانت نتفليكس بأكثر من 280 مليون مشترك في أنحاء العالم منصة قوية لتوزيع هذا المسلسل. كذلك سهل تقديم الترجمة والدبلجة بلغات مختلفة الوصول إلى جمهور متنوع من أنحاء مختلفة من العالم، وزاد نجاح هذا المسلسل قيمة أسهم نتفليكس زيادة ملحوظة. وبحسب تقرير بلومبرغ، قدرت القيمة الاقتصادية لإنتاج هذا المسلسل بنحو 900 مليون دولار.

وبالنظر إلى نجاح مسلسل لعبة الحبار، بدأ أيضا إنتاج فصله الثاني وسيصدر في تاريخ 6 دي (ديسمبر–يناير) 1403 هـ.ش (2024/25) (26 ديسمبر 2024) من منصة نتفليكس، وبالنظر إلى النجاح غير المسبوق للفصل الأول وارتفاع انتظار الجمهور لمتابعة القصة، يتوقع أن يلقى الفصل الثاني أيضا إقبالا واسعا.
السينما الكورية؛ قوة جديدة في عالم صناعة الأفلام الدولية
شهدت صناعة السينما الكورية في العقد الماضي نموا ملحوظا بحيث بلغ عدد المشاهدين للمرة الأولى، في عام 2019 أكثر من 220 مليون شخص وسجل مقدار المبيعات رقما قياسيا قدره 2.63 مليار دولار.
وكان فحص الإيرادات الإجمالية لصناعة سينما كوريا الجنوبية في السنوات الأخيرة في اتجاه صاعد ثابت قيد النمو، وكان انخفاض الإيرادات في السنوات من 2020 إلى 2023 بسبب جائحة كورونا ملحوظا.
ويتوقع أن تبلغ إيرادات صناعة السينما الكورية حتى نهاية عام 2024 مقدار 2.47 مليار دولار وأن تواصل نموها في اتجاه صاعد ثابت.

وقد نالت سينما كوريا الجنوبية شهرة واسعة بسبب السرد الفريد وتقنيات صناعة الأفلام المبتكرة والممثلين الموهوبين. وأدى هذا الأمر إلى طلب متزايد على الأفلام الكورية ومن ثم زيادة إيرادات شباك التذاكر ورواج سوق السينما إجمالا.
ولا ينبغي أن ننسى دور السياسات والحوافز الحكومية في نمو صناعة السينما الكورية، فقد أقرت حكومة كوريا الجنوبية حوافز متنوعة منها إعفاءات ضريبية لشركات إنتاج الأفلام وصناديق دعم لصناع الأفلام.
وقد شجعت هذه المبادرات الاستثمار في هذه الصناعة وأسهمت في خلق بيئة مواتية لتنمية سوق السينما وصارت سببا للنمو المتزايد لصناعة السينما الكورية، وقد بلغت هذه التطورات حدا يمكن معه عد السينما الكورية منافسا جديا وقادرا لصناعة السينما الأمريكية، هوليوود؛ منافسة تتجلى لا في ميدان الإنتاج فحسب، بل في التأثير الثقافي وجذب الجمهور العالمي.
وفي السنوات الأخيرة تمكنت كوريا الجنوبية جيدا من تصدير أفلامها ومنتجاتها الثقافية إلى سائر البلدان، وفي نموذج في عام 2023 تجاوزت قيمة الأفلام المصدرة من كوريا الجنوبية 56 مليون دولار، وكان أكبر قدر من هذه الصادرات إلى البلدان الآسيوية بمقدار 40.3 مليون دولار وفي المرتبتين التاليتين إلى البلدان الأوروبية وأمريكا الشمالية بمقدار 7.7 و3.9 مليون دولار على التوالي

الأثر العالمي لثقافة كوريا الجنوبية
«هاليو» (Hallyu) مصطلح يستخدم لوصف شعبية ثقافة كوريا الجنوبية ونجاحها في أنحاء العالم. وهذا المصطلح الذي يعني في اللغة الصينية «الموجة الكورية» ظهر أولا في عقد 1990 وصار تدريجيا ظاهرة عالمية. وتشير هاليو إلى مجموعة من المنتجات الثقافية الكورية، منها السينما وموسيقى البوب الكورية (K-pop) والمسلسلات التلفزيونية (K-dramas) والأزياء والطبخ وحتى ألعاب الفيديو التي تمكنت من جذب جمهور واسع في أقاصي العالم.
بدأت الموجة الأولى لهاليو في أواخر عقد 1990 وأوائل 2000 الميلادي بنجاح المسلسلات الكورية في البلدان الآسيوية. ولاقت مسلسلات مثل «سوناتا الشتاء» و«جوهرة في القصر» إقبالا شديدا وفتحت الطريق لتصدير واسع للمنتجات الثقافية الكورية.
وتشكلت الموجة الثانية لهاليو بظهور موسيقى البوب الكورية (K-pop) في عقد 2010. وتمكنت مجموعات مثل BTS وBLACKPINK باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات العالمية مثل يوتيوب من جذب كثير من المعجبين الدوليين.
وقد برزت السينما الكورية الجنوبية بوصفها أحد الأركان المهمة لهاليو (الموجة الكورية) في السنوات الأخيرة بإنتاجات بارزة في الميدان العالمي. وأفلام ومسلسلات مثل «الطفيلي» (Parasite) و«لعبة الحبار» (Squid Game) نماذج بارزة من هذا النجاح لاقت إقبالا واسعا.
الصادرات الثقافية الكورية؛ جسر بين الفن والاقتصاد
صارت سينما كوريا الجنوبية أحد أدوات الارتقاء بصورة كوريا الجنوبية على المستوى العالمي، وفي مجال الدبلوماسية الثقافية للبلد تمكنت بمزج العناصر المحلية والعالمية من نقل الرسائل الثقافية والاجتماعية الكورية إلى الجمهور الدولي.
وبالاستفادة من السينما صارت كوريا الجنوبية أحد أبرز المصدرين الثقافيين في العالم. ولم تؤد هذه الصناعة دورا محوريا في ترويج الثقافة الكورية وزيادة الوعي العالمي بها فحسب، بل عززت النمو الاقتصادي بخلق فرص عمل جديدة.
سجلت صادرات المنتجات الثقافية لكوريا الجنوبية في عام 2022 رقما قياسيا قدره 13.2 مليار دولار، وأدى الطلب على المحتوى الكوري في منصات مثل نتفليكس إلى نمو الاستثمار في صناعة الأفلام الكورية وتنمية البنى التحتية الثقافية.
وقد حولت الأعمال السينمائية والتلفزيونية الكورية مواقع التصوير والمناطق السياحية في هذا البلد إلى وجهات محبوبة. وسافر كثير من المعجبين إلى هذا البلد لزيارة أماكن التصوير وتجربة الثقافة الكورية.
كلام أخير
صارت الأفلام والمسلسلات الكورية في السنوات الأخيرة ظاهرة عالمية، وبأعمال مثل فيلم الطفيلي (Parasite) ومسلسل لعبة الحبار (Squid Game) اجتازت الحدود الجغرافية. ولم يعزز النجاح في مهرجانات عالمية مرموقة مثل الأوسكار والإيمي، إلى جانب تحطيم الأرقام في المنصات الرقمية مثل نتفليكس، المكانة الثقافية لكوريا الجنوبية فحسب، بل صار أداة فعالة للدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة لهذا البلد. وقد أفضت هذه الإنجازات إلى نمو اقتصادي عبر الصادرات الثقافية وجذب السياح وزيادة الاستثمار في صناعة السينما، وقدمت صورة إيجابية ومتقدمة لكوريا الجنوبية في الميدان العالمي.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية