دراسة أسباب سفر المزيد من الناس إلى شمال إيران

إيرانالسياحة1402 (2023/24)

مضى نحو ألفين وخمسمائة سنة على دعاء داريوش الأول «حفظ الله هذا البلد من العدو ومن الجفاف ومن الكذب» المحفور على نقش في تخت جمشيد. لكن الإيرانيين ما زالوا يخشون الجفاف. والماء، في كل الأزمنة والأمكنة والأديان والثقافات والحضارات، موضع احترام وحب واهتمام البشر. لكن علاقة الإنسان بالماء في المناطق الجافة من العالم مختلفة. فالماء في هذه المناطق يعني الموت والحياة أكثر من سائر بقاع العالم. وقد قدم سكان هذه النواحي منذ القدم قرابين للمطر، وأقاموا الصلاة، واقتصدوا في استهلاك الماء. ودفع أهمية الوصول إلى الماء أقواما مثل بدو إيران إلى حفر القناة. ولهذه المناطق أيضا علاقة خاصة بالشمس. شمس تحرق جلودهم وحر لا يدعهم يرتاحون. فهل يكون هذا سبب شوقهم إلى السفر إلى الشمال والمناطق الساحلية؟

دراسة أسباب سفر المزيد من الناس إلى شمال البلاد

لماذا الشمال دائما مقصد السفر ؟

لقد تحول السفر إلى المحافظات الشمالية للبلاد، ولا سيما جيلان ومازندران، اليوم إلى صورة نمطية ذهنية. حتى إنه شق طريقه إلى الأغاني الشعبية. ويضع الناس الشمال في أذهانهم بوصفه افتراضا مسبقا لوجهة سفرهم. أي أن السفر إلى الشمال يتم دون أن يكونوا قد فكروا جيدا في هذا الاختيار أو كان في ذهنهم أصلا اختيار آخر. وعندما يتعلق الأمر بالسفر السياحي، يكون الاختيار الأول مدن شمال إيران. ودليله نوروز هذا العام حيث تصدرت مازندران وجيلان محافظات البلاد الأكثر استقبالا للمسافرين. ووفقا للمركز الوطني للإحصاء، كان لمازندران عام 1400 هـ.ش (2021/22)، وكانت ما تزال تحت تأثير فيروس كورونا، أكبر عدد من المسافرين الوافدين. وفي نوروز 1401 هـ.ش (2022/23) أيضا كانت محافظتا مازندران وجيلان في قائمة أكثر محافظات البلاد مسافرين في المرتبتين الأولى والثالثة على التوالي، وكان فيهما أكثر مدن إيران ازدحاما في نوروز. وصحيح أن السفر إلى الشمال قد صار برنامجا مقررا سلفا، لكن لهذه الصورة النمطية الذهنية جذورا. وعندما نفكر في سبب هذا الجذب الدائم الواسع للمسافر والسائح إلى الشمال، يخطر لنا أولا ما في الفقرة الأولى من النص: الميل إلى الماء والخضرة والمطر والهواء الرطب والابتعاد عن المناخ الجاف.

معالم السياحة في مازندران

من الأساس، لاستكشاف دافع المسافرين من السفر إلى نطاق ما ينبغي مراعاة خصائص ذلك النطاق. وفي المرتبة التالية، أهم عامل هو خصائص منشأ المسافر. فإذا عرفنا من أين يسافر الناس إلى منطقة، اتضح سبب سفرهم أكثر. ومازندران محافظة ساحلية، وهذا أهم تبرير لسيل المسافرين المتجهين إليها. فالبحار في العالم كله تنعش السياحة، وإلى جانب الأنهار الطبيعية تجذب إليها أيضا نهرا من البشر. فمثلا مازندران، رغم أن لها ظواهر تاريخية وثقافية أيضا، تجتذب المسافرين ببحارها وغاباتها. ووفقا لمعاون السياحة في المديرية العامة للتراث الثقافي، من أصل 13 مليون مسافر دخلوا هذه المحافظة حتى السابع من فروردين (مارس–أبريل) هذا العام، زار 6 ملايين منهم المعالم السياحية الرسمية في مازندران. وكانت 5 ملايين من هذه الزيارات موجهة فقط إلى الظواهر الطبيعية كبحار وغابات وأماكن بكر في محافظة مازندران. وبديهي أن هذه الإحصاءات الرسمية فقط. وتبين هذه الإحصاءات نفسها أي دور بارز لمعالم الطبيعة في جذب سائح محافظة مازندران. وبشكل عام استقبلت هذه المحافظة في نوروز 1402 هـ.ش (2023/24) نحو 20 مليون مسافر.

كما سافر نحو 12 مليون شخص إلى محافظة جيلان. ومسافرو نوروز إلى الشمال في الواقع أسر إيرانية تسافر غالبا بمركبة شخصية إلى أجمل مدينة في شمال إيران. ولديهم برنامج محدد للسفر إلى الشمال بالسيارة الشخصية. وكذلك لا ينطبق عليهم التعريف المعتاد لكلمة سائح أو زائر. وهذا يعني أنه لا يمكن عد هؤلاء المسافرين سياحا نشطين يستفيدون من مختلف المرافق السياحية في مدن شمال إيران. فهم ينجذبون أساسا إلى عنصر واحد جاذب للسياح.

منشأ مسافري مدن شمال إيران

ولتحليل وضع مسافري شمال البلاد، ينبغي تقسيمهم إلى فئتين: السياح الداخليين والسياح الوافدين. فالسائح الداخلي مسافرون يسافرون داخل البلاد، والسائح الوافد مسافرون يأتون من خارج البلاد. ووفقا لرئيس إدارة تسيير الطرق في المديرية العامة للطرق في مازندران، فإن أكثر السياح الداخليين ومسافري الشمال الذين سافروا إلى مازندران كانوا من محافظات طهران وألبرز وغلستان وخراسان الرضوية وفارس وأصفهان. ولهذه المحافظات الخمس إزاء مازندران عدة خصائص رئيسة. فهي محافظات ذات مراكز كبيرة ومزدحمة وكثيفة السكان. وهي قريبة من مازندران أو محافظات حارة قليلة الماء. فمثلا طهران وألبرز محافظتان منخرطتان في مصاعب مشكلات العيش الحضري. وطهران وكرج مدينتان مركزيتان لمحافظتين صناعيتين يعاني سكانهما تلوث الهواء والضوضاء والازدحام والحياة الآلية وساعات العمل الكثيرة وما شابه. ولنمط الحياة الحضرية آفات تجعل الحاجة إلى أجمل وأفضل موضع في الشمال للسفر وإلى فضاء بعيد عن الضجيج أكثر ضرورة. إضافة إلى أن طهران وألبرز قريبتان جدا من مازندران.

مازندران مقصد السياح من المحافظات والبلدان الحارة الجافة

سفر أهل غلستان بوصفهم سياحا إلى مازندران

والنقطة الطريفة أن محافظة غلستان أيضا في قائمة المحافظات الأكثر إرسالا للمسافرين إلى مازندران. وغلستان نفسها محافظة شمالية وتتمتع بساحل ومرتفعات غابية. لكن الشطر الأعظم من هذه المحافظة أيضا جاف وصحراوي ويتألف من صحارى واسعة. ويستطيع أهل غلستان لتغيير الطقس ألا يخرجوا من حدود محافظتهم؛ لكن ذلك لم يعد يعني سفرا. كذلك ساحل هذه المحافظة صغير جدا نسبة إلى ساحل مازندران الطويل. إضافة إلى أن مرافق السياحة والتوريسم تظهر حيث يتردد مسافر وسائح أكثر. ومن هذا المنظور، رغم أن غلستان تملك بعض الخصائص الطبيعية لمازندران، فإن المرافق الترفيهية والسياحية التي تنشأ على مر السنين أكثر بلا شك في مازندران. كما أن التماس والقرب لهذه المحافظة دور مهم في ارتفاع أسفار أهلها النوروزية إلى مازندران.

خراسان الرضوية وفارس وأصفهان بعيدة عن مازندران. لكنها صحراوية وتملك مراكز محافظات مزدحمة وكبيرة. وأهل المدن الكبرى، إلى جانب انخراطهم في صعوبات العيش الحضري، هم عموما من الطبقة الوسطى ويملكون قدرة مالية أكبر للذهاب إلى أفضل موضع في الشمال للسفر والترفيه. وهذه المحافظات الثلاث كلها تعد من محافظات السياحة والتوريسم في إيران. فخراسان الرضوية قطب السياحة الدينية وأصفهان وفارس قطب السياحة التاريخية والثقافية في إيران.

العراق في صدارة السياح الوافدين إلى إيران

السياح الأجانب في شمال إيران

ويظهر بين السياح الوافدين أيضا بلدان حارة وجافة. ووفقا لتقرير عام 2022 لمنظمة السياحة العالمية، سافر في هذا العام 4.1 مليون شخص إلى إيران. وهذا الرقم يمثل 6 في المائة من المسافرين الذين سافروا في هذا العام إلى غرب آسيا. وفي شهر يوليو من هذا العام الذي يصادف تير (يونيو–يوليو) ومرداد (يوليو–أغسطس) كسر الرقم القياسي لدخول سفر الأجانب إلى إيران. ووفقا لإعلان معاونية السياحة في وزارة التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية، يحتل العراق في الأشهر الثلاثة الأولى من 1401 هـ.ش (2022/23) صدارة عدد السياح في إيران. وتأتي تركيا وجمهورية أذربيجان وأفغانستان وباكستان في المراتب التالية. وفي عام 2021 أيضا كان 70 في المائة من السياح الأجانب في إيران من العراق وتركيا وجمهورية أذربيجان والكويت.

5 بلدان مرسلة للسياح إلى إيران و5 أبرز وجهات السفر الخارجي للإيرانيين

وقد قدم في النصف الأول من عام 97 هـ.ش (2018/19) إجمالا 105 آلاف من السياح الوافدين إلى مازندران. ويقال إن أسباب سفر العراقيين إلى إيران هي على الترتيب الزيارة والسياحة الطبية والترفيه. وإلى جانب زيارة الإمام الثامن عليه السلام، فإن معالم إيران العلاجية والترفيهية جذابة جدا لبلد بجغرافيا العراق القاسية. وفي النصف الأول من عام 98 هـ.ش (2019/20) قيل إن مائة عراقي يدخلون شمال إيران يوميا.

حصة البلدان المختلفة من السياح الوافدين إلى إيران

وفي منطقة غرب آسيا حيث الهواء جاف وقاس، يعد مناخ شمال إيران المعتدل والمناطق الخزرية بمثابة الإكسير. وحتى البلدان السياحية على ضفاف الخليج الفارسي محرومة من نعمة إقليم معتدل أخضر. ولشمال إيران طاقة أكبر لجذب السياح الأجانب في إيران. لكن الواقع أنه مع غياب الرقابة الصحيحة والإدارة القوية، فإن جسد مازندران وجيلان مثخن جريح حتى بهذا القدر من السائح والمسافر الأجنبي في المدن السياحية بشمال إيران. فالطبيعة الخضراء المعتدلة أشد هشاشة طبعا. وقد تحرم الآثار السلبية للسياحة المدمرة على البيئة إيران من نعمة الفردوس الموهوب إلهيا ومن المعالم السياحية الكائنة في شمال البلاد.

الاهتمام بنزل السياحة البيئية

وقد ازداد في السنوات الأخيرة ميل المسافرين السياح ومستكشفي الطبيعة إلى البيئات المحلية والإقامة التقليدية. فالميل إلى الحنين والملل من تكرار البيئات الحديثة جعلا المعالم والأماكن التقليدية مثل الجدران الطينية والأبواب الخشبية الزرقاء والأسقف الخشبية التقليدية تسرق قلوب مسافري مدن الشمال. حتى إنه وفقا لإعلان المديرية العامة للتراث الثقافي والحرف اليدوية والسياحة في مازندران، في نوروز 1402 هـ.ش (2023/24)، سكن أكثر من 25 في المائة من المسافرين الوافدين إلى الشمال قرى مازندران. وتملك مازندران أكثر من 3000 قرية ويعيش أكثر من نصف سكان المحافظة في القرى. وهذا يعني طاقة سياحية مهمة. كما أن الميل إلى الأماكن التقليدية السياحية في شمال إيران أدى إلى نمو استخدام نزل السياحة البيئية في المحافظات الشمالية. بحيث سكن في الفترة نفسها من نوروز 1402 هـ.ش (2023/24) أكثر من 120 ألف مسافر في نزل السياحة البيئية بمازندران. وكان هذا الرقم في المدة المماثلة من العام الماضي 61 ألف شخص. وعلى هذا الأساس تضاعف السكن في نزل السياحة البيئية خلال سنة واحدة. ووفقا لإعلان مسؤولي إدارة التراث الثقافي في مازندران، لا يوجد سوى 350 نزل سياحة بيئية في هذه المحافظة. غير أن نمو السياحة البيئية له اعتبارات ثقافية دقيقة لا يؤدي تجاهلها إلى تنمية مستدامة.

تضاعف السكن في نزل السياحة البيئية بمازندران خلال سنة واحدة

أفضل مراكز التسوق في مازندران

التسوق في السفر توابل دائمة في أسفار الإيرانيين. ومحافظات شمال إيران ولا سيما مازندران مليئة أيضا بمراكز تسوق كبيرة. وبعض هذه المراكز متاجر علامات مازندران التجارية المخصصة لعلامات لا توجد إلا في الشمال. ومن هذه العلامات «إيران كتان». تأسست هذه العلامة من البداية في مازندران ولها الآن فروع متعددة في هذه المحافظة فقط. وإن كانت في عام 97 هـ.ش (2018/19) بتأسيس متجرها الإلكتروني قد زادت وصول منتجاتها إلى سائر أنحاء البلاد. ومركز تسوق شهير آخر هو مجمع متل قو في مازندران. ويقع متل قو في سلمان شهر قرب تشالوس ونوشهر، وهو نفسه مجموعة من المعالم السياحية. ويجتذب البلاج وعدة مراكز تسوق كبيرة مثل «ألماس متل قو» و«ألماس قو الشرق الأوسط» كثيرا من المسافرين والسياح الأجانب. ومثل هذه المتاجر الكبيرة في الشمال كثيرة في أنحاء مازندران. وبمعزل عن مراكز التسوق ومتاجر العلامات في مازندران، تعد منتجات الشمال العضوية أيضا دافعا لبعض المسافرين والسياح الأجانب للسفر إلى هذه الناحية.

مازندران مكان للتسوق

خاتمة

كانت محافظات إيران الشمالية السياحية ولا سيما جيلان ومازندران قطبا دائما لسفر إيران وسياحتها وما تزال. وبفحص إحصاءات مسافري نوروز إلى الشمال في نوروز 1402 هـ.ش (2023/24)، يتبين أن معظم مسافري مازندران كانوا من طهران وألبرز وغلستان وخراسان الرضوية وفارس وأصفهان. وبقليل من التأمل يمكن إدراك أن لهذه المحافظات عدة خصائص مشتركة. فإما أن لها مدنا مركزية هي مدن كبرى، وإما مناخا صحراويا. وقد احتضنت المدن الكبرى نسيجا سكانيا من الطبقة الوسطى يملك أكثر من سائر الشرائح إمكانية السفر إلى الشمال بسيارة شخصية أو بدون سيارة. كما أن سكان هذه المدن منخرطون في تحديات العيش الحضري والسفر إلى الشمال فرصة للتنفس لهم. ومحافظة مثل غلستان أيضا بسبب جفاف الهواء وقربها من مازندران في قائمة أكبر عدد من المسافرين إلى مازندران.

تعد مدن شمال إيران بمناخها المعتدل الخزري مناخا فريدا حتى في منطقة غرب آسيا. وأكثر السياح الأجانب إلى شمال إيران الذين يسافرون إلى مازندران هم من العراق. ومدن غرب مازندران أكثر جاذبية للسياح الأجانب من سائر مناطق هذه المحافظة. وتعد أماكن الإقامة البيئية ومراكز التسوق في الشمال أيضا من المكونات المهمة لجذب السياح في الشمال ولا سيما مازندران.

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا