قطر، استضافة جديرة بالإثارة والمنافسة!

عالميالسياحة1402 (2023/24)

 

كانت قطر بلدا صغيرا هادئا بلا ضجيج يعيش اقتصاده على صيد الاسماك واللؤلؤ. لكن اكتشاف النفط والغاز في عام 1940 حول هذه الارض. وكانت قطر تملك ثالث احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم وبدأت مسار تنميتها استنادا إلى تصدير هذا النفط والغاز نفسه. وحتى اليوم بسبب قلة السكان والإيرادات النفطية والغازية الضخمة جدا، من حيث الدخل للفرد، تعرف قطر بانها رابع اقوى بلد وفق نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وسادس بلد وفق نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي. كذلك تملك قطر ثالث اعلى مرتبة في مؤشر التنمية البشرية في العالم العربي في تصنيف الامم المتحدة.

ورغم كل هذه الإحصاءات المتالقة فان هذا البلد كان ما يزال متاخرا في احد اهم مصادر الدخل عن سائر البلدان العربية في الخليج الفارسي وهو صناعة السياحة في قطر. فلم تكن قطر مثل السعودية تتمتع بجاذبيات سياحية دينية او بمراسم الحج، ولم تكن تستطيع مثل تركيا ان تعتمد على جاذبياتها التاريخية لبناء صناعة السياحة فيها. فكان عليها مثل الإمارات وميناء دبي ان تبني صناعة السياحة من العدم.

 

افق لاقتصاد السياحة في قطر

كان تطوير صناعة السياحة في قطر طريقا اصعب مقارنة ببعض بلدان المنطقة لكن كان له ميزة نسبية ايضا: الدخل المرتفع وقلة السكان. فادخلت قطر هذا الدخل الضخم من النفط والغاز في دورة الاستثمار في صناعة السياحة. وكان جزء مهم من هذا العمل يحتاج إلى خلق جاذبيات سياحية في قطر من اهمها يمكن ذكر استضافة المسابقات الرياضية وإقامتها. ويتوقع ان تتجاوز حصة استثمار قطر في مجال السياحة 21 مليار ريال قطري حتى عام 2028.

 

وادت هذه الاستثمارات في صناعة السياحة في قطر إلى جانب إنشاء البنى التحتية إلى اتجاه صعودي منذ اواخر عقد 2000 الميلادي. واستمر هذا الاتجاه حتى عام 2016 بشكل تزايدي بالكامل ثم شهد في الاعوام التالية بعض الانخفاض. وتلقي كورونا ايضا اثرها الهائل على صناعة السياحة في قطر. ومن عام 2022 مع رفع القيود وإقامة مسابقات كاس العالم لكرة القدم بطبيعة الحال تعود إيرادات السياحة في قطر إلى الازدهار مجددا، وفي عام 2023 مع دخول اربعة ملايين سائح إلى قطر يحطم هذا البلد الرقم القياسي.

شهدت إيرادات السياحة في قطر اتجاها ناميا في اعوام ازدهار السياحة في هذا البلد في الفترة 2011 إلى 2017 ثم تلاها انخفاض. وليس هذا الامر مستغربا كثيرا بالنظر إلى انخفاض وفود السياح الاجانب إلى قطر في تلك الفترة. غير ان كورونا لم تفرض انخفاضا شديدا على إيرادات السياحة في هذا البلد في عام 2020.

ونتناول في ما يلي استثمار قطر في السياحة الرياضية مع التركيز على فرعي كرة القدم ورياضة المحركات.

 

مسابقات موتو جي بي قطر

من اهم الفروع الرياضية في العالم ذات النمو المرتفع فروع رياضة المحركات ( سباقات السيارات والدراجات النارية ). وتولي قطر في مجال سياحتها الرياضية اهتماما خاصا بهذه الرياضات. ولتطوير هذه الفروع تلزم بنى تحتية ابسطها امتلاك حلبة سباق سيارات احترافية من الدرجة الاولى للاتحاد الدولي للسيارات ( فيا ). وبدأت قطر في عام 2003 بناء حلبة لوسيل شمال الدوحة. واستضافت هذه الحلبة افتتاح مسابقات موتو جي بي في قطر عام 2004. واكملت قطر هذا المشروع الضخم في اقل من سنة باستثمار 58 مليون دولار وتشغيل الف عامل.

وفي عام 2007 جهزت هذه الحلبة بإضاءة واسعة لتتمكن من إقامة المسابقات ليلا. ولم يكن هذا العمل يساعد على اداء رياضي افضل في الليالي ذات الحرارة الابرد فحسب بل كان يضيف إلى جاذبية السباق ايضا. وكان مشروع إضاءة حلبة لوسيل في قطر اكبر مشروع إضاءة رياضية في العالم في الهواء الطلق حتى ذلك الوقت. ومن عام 2004 حتى اليوم كانت حلبة لوسيل مقيمة لجميع مسابقات افتتاح موسم موتو جي بي وتحولت إلى احد الاحداث المحبوبة في هذا الفرع بين المشجعين. ومن الطريف انه حتى نهاية الموسم الجاري للمسابقات في عام 2024 ما تزال مسابقة موتو جي بي الليلية الوحيدة تقام في قطر.

وتحولت حلبة لوسيل إلى احد مراكز رياضة المحركات في غرب آسيا وكانت تقام فيها مسابقات كثيرة. إلى ان نجحت قطر في تولي استضافة سباق الفورمولا ون في قطر لعام 2021. وتعد هذه المسابقات اسرع رياضات المحركات واكثرها احترافية واعلاها تكلفة واكثرها مشاهدة بطبيعة الحال. وادى انتشار فيروس كورونا في عام 2020 إلى اضطراب شديد في جدول مسابقات الفورمولا ون لان كثيرا من البلدان كانت لديها تعليمات صحية صارمة للدخول والخروج فالغيت مسابقات كثيرة واستبدلت بحلبات اخرى. واحسنت قطر وسط الفوضى استخدام هذه الفرصة وادخلت نفسها في جدول المسابقات بعقد طويل الامد.

 

قطر مستضيفة مسابقات الفورمولا ون | استضافة 10 سنوات

حازت قطر استضافة طويلة الامد لعشر سنوات في عقد فلكي يقال إنها تدفع بموجبه 55 مليون دولار سنويا مقابل هذه الاستضافة لمجموعة الفورمولا ون ( FOM ). وفي الرسم البياني ادناه تشاهدون مدة عقد كل من حلبات الفورمولا ون الحالية لاستضافة هذه المسابقات. ويبين الجدول ادناه ايضا مقدار رسم الاستضافة المدفوع لكل حلبة حيث تدفع بلدان غرب آسيا مقابل هذه الاستضافة تكلفة اضخم مقارنة بالبلدان الأوروبية.

 

قطر مستضيفة كاس العالم ؛ تسجيل هدف كبير لقطر في صناعة السياحة

يعد كاس العالم لكرة القدم اكبر حدث رياضي بعد مسابقات الاولمبياد. ولا تساعد استضافة كاس العالم على تنمية سياحة البلد المضيف وتقدمها اثناء إقامة هذا الحدث فحسب بل في الامد الطويل ايضا مساعدة جليلة. واعدت قطر انطلاقة طويلة لنيل هذه الاستضافة منذ عام 2009. وفي النهاية في فبراير عام 2010 اختيرت قطر من بين اربعة منافسين آخرين هم أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان واستراليا مستضيفا لكاس العالم 2022. غير ان هذا الاختيار صاحبه كثير من الجدل لان اعضاء الفيفا كانوا يعتقدون ان قطر ليست خيارا مناسبا بسبب عدم امتلاكها ثقافة كروية غنية وكذلك عدم امتلاكها بنى تحتية مناسبة. غير ان هذا الاختيار المثير للجدل تعرض مرارا لانتقاد شديد من وسائل الإعلام وخبراء كرة القدم وحتى اتهامات برشوة اعضاء الفيفا لاتخاذ هذا القرار وكذلك الغسل الرياضي من جانب قطر ما تزال تطرح.

 

تكلفة اغلى كاس عالم في تاريخ كرة القدم في قطر

انفقت قطر ميزانية باهظة على كاس العالم 2022، رقما يقدر حتى 220 مليار دولار. وحول كاس العالم هذا قطر إلى اغلى كاس عالم في تاريخ هذه المنافسات.

 

لكن السؤال هنا: هل انفقت كل هذه الميزانية الضخمة لمجرد إقامة كاس العالم 2022 في قطر؟ جواب المسؤولين الرسميين في قطر بالنفي. ووفق قول القطريين كانت التكلفة الصافية لإقامة المسابقات نفسها ثمانية مليارات دولار فقط وهي رقم اقل مقارنة بكاسي العالم الماضيين في البرازيل وروسيا. ففيم انفقت هذه التكلفة؟

وانفق اكبر إنفاق على بنى تحتية عظيمة تبقى لهذا البلد حتى بعد كاس العالم. ومشاريع عظيمة مثل إنشاء مطارات جديدة ، وإيجاد طرق وموانئ جديدة وكذلك منظومة خطوط ارضية خفيفة. ووفق تصريحات المسؤولين القطريين كانت هذه التكاليف ضمن برنامج التنمية الطويل الامد لهذا البلد في افق 2030 الذي اقر في عام 2008 وقبل نيل استضافة كاس العالم في قطر. وفي الرسم البياني ادناه تشاهدون ان الرقم التقديري لسعر اغلى كاس عالم في التاريخ انفق عدا إنشاء البنية التحتية على تكلفة بناء ملاعب قطر والإعلان ومدينتي لوسيل والدوحة.

 

من اهم المتطلبات التحتية لإقامة الاحداث الكبيرة مثل كاس العالم من منظور السياحة إسكان السياح. وفي تطوير بنى الإقامة التحتية روعي ايضا ان ليس كل السياح وزوار كاس العالم في مستوى رفاه واحد بحيث يطلبون فقط فنادق اربع نجوم وخمس نجوم. فحظي إنشاء فنادق نجمة واحدة ونجمتين وثلاث نجوم وكذلك إيجاد مخيمات لإسكان المشجعين الذين لا يقيمون في الفندق بالاهتمام ايضا.

وفي الرسم البياني ادناه تشاهدون عدد الغرف القابلة للإسكان ( Room-Key ) في الفترة 2019 إلى 2022. وفي الفترة المذكورة تحقق إجمالا نمو للغرف بنسبة 37 في المئة وكان اكبر نمو لإسكانات ذات استخدام غير الفنادق.

 

وفي صناعة السياحة يعد إنشاء البنية التحتية موضوعا ومدى الاستفادة منها موضوعا آخر. وينبغي قياس مدى نجاح غرف إسكان السياح المنشأة هذه في تنمية السياحة في مؤشرات اخرى مثل معدل الإشغال وامتلاء الغرف (occupancy) وكذلك عدد ليالي إقامة المسافرين (Room-Night). ويبين لنا قياس مؤشر عدد ليالي الإقامة كم ليلة اقام مسافر في بلد. وفي الرسم البياني ادناه نرى ارتفاع هذا المؤشر في عام 2021 بعد قيود فيروس كورونا في عام 2020.

 

وفي الرسم البياني التالي نرى هذه الإحصاءات في الفترة من عام 2019 إلى 2023 علما انه للمقارنة مع العام الاخير ابلغت فقط إحصاءات الإقامات الليلية حتى النصف الاول من العام. ووفق هذه الإحصاءات نشهد زيادة بنسبة 17 في المئة من حقبة ما قبل كورونا إلى حقبة ما بعد كاس العالم. كذلك اكبر نمو مجددا لإقامات قطر غير الفندقية في كاس العالم. ومن اسباب هذا النمو غير المسبوق يمكن ذكر هذه الامور: اثر كاس العالم في شهرة قطر ، وانشطة سوق التجارة العالمية ، والحملات الإعلانية العالمية لقطر مثل « اشعر بالمزيد » و« بيرلو » والحملات الإعلانية في مجال بلدان الخليج الفارسي.

 

ومؤشر مهم آخر في فحوص نجاح صناعة السياحة في قطر معدل إشغال الغرف الموجودة او امتلائها (occupancy). وفي الرسم البياني ادناه ترون تغيرات هذا المؤشر في فترة اربع سنوات بحسب كل شهر. وإذا لم نول سائر البيانات اهتماما كافيا فقد يكون تحليل هذا الرسم مضللا جدا لنا. لانه على سبيل المثال رغم افضلية إحصاءات السياحة في قطر في عامي 2022 و2019 فان عامي 2020 و2021 في هذا الرسم قد خطفا قصب السبق في معدل الإشغال.

وفي عام 2020 بسبب استمرار إنشاء الفنادق لمزيد من الغرف وكذلك انخفاض السياح الوافدين إلى قطر بسبب كورونا استاثرت هذه الإحصاءات بنسبة منخفضة 57 في المئة. وفي عام 2021 ازداد عدد السياح الوافدين كثيرا وهذا الامر رفع نسبة إشغال الغرف. اما في عام 2022 فقد ارتفعت هذه النسبة في فترة كاس العالم في قطر لكن رفع القيود الصحية لكورونا في شهر سبتمبر ادى إلى إضافة غرف شاغرة كثيرة تخفض نسبة الإشغال طبعا.

 

الاثر الإيجابي لإقامة كاس العالم على صناعة السياحة في قطر

من اهم اهداف استضافة المسابقات الدولية للمضيف دائما تنمية السياحة وتقدمها. ولقياس نجاح هذا الامر ينبغي ان نقيس وفق مؤشرات ازدهار السياحة قبل تلك الاستضافة وبعدها. ويمكن ان تكون مقارنة عدد السياح الوافدين وسبل الدخول ومنشئهم معايير مناسبة.

ترون في الرسم البياني ادناه ان إحصاءات عدد السياح الوافدين إلى قطر مقارنة بالنصف الاول من الاعوام الماضية قد ارتفعت بمقدار كبير جدا، فعلى سبيل المثال من عام 2019 الذي كان آخر عام قبل كورونا حتى 2023 ازداد عدد السياح الوافدين 95 في المئة. كذلك نشهد إضافة مسار بري فضلا عن سبل الدخول الجوية والبحرية. ولم يتغير الدخول الجوي كثيرا لكن في وقت إقامة كاس العالم في قطر تضاعف تقريبا الداخلون من السياح عن الطريق البحري.

 

وبمقارنة جنسية السياح الاجانب في قطر خلال النصف الاول من الاعوام قبل كاس العالم وبعده نخلص ايضا إلى ان اثر كاس العالم في قطر في جذب السياح الاجانب في منطقة الخليج الفارسي كان إيجابيا جدا. وفي الجدول ادناه تشاهدون ان نسبة وفود سياح منطقة الخليج الفارسي قد نمت نموا ملحوظا وهذا يعني ان سياح جوار قطر قد بدأوا الوفود إلى هذا البلد. وهذا بالنظر إلى وجود عملاقي سياحة في المنطقة مثل الإمارات وتركيا حدث مهم.

 

 

مستقبل صناعة السياحة في قطر

كما قيل اعلاه فان قطر قد صنعت السياسات لافق 2030 منذ عام 2008. وقد اقامت كاس العالم في قطر ايضا في إطار برنامج التنمية الكلي هذا نفسه. وفي الرسم البياني ادناه نرى إيرادات حصة السياحة في قطر من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لهذا البلد. وبعد سقوط هذا المؤشر في ايام كورونا، بعد سنة وفي عام 2022 بفضل إقامة كاس العالم في قطر بلغ هذا المؤشر مقداره السابق لكورونا. وتبين التوقعات ان هذا المؤشر باتجاه نمو معتدل حتى عام 2028 سيبلغ رقما يتجاوز 25 مليار دولار في السنة.

 

وفي الرسم البياني التالي تشاهدون حصة قطاع السياحة من خلق فرص العمل في قطر. وهنا ايضا يرى اثر إقامة حدث كاس العالم في إيجابية هذا المؤشر بعد سقوطه في ايام كورونا. ويتوقع ان يستمر هذا الاتجاه الصعودي حتى عام 2028 وان يخلق في تلك السنة اكثر من 380 الف فرصة عمل عبر السياحة في قطر.

 

وفي الرسم البياني الاخير تشاهدون ايضا إحصاءات عدة مؤشرات اخرى وكذلك توقع نموها حتى عام 2025 مع افق ارتفاعها المحتمل. فعلى سبيل المثال يتوقع ان يقضى في عام 2025 نحو 18.3 مليون ليلة-مسافر في قطر مما يملك إمكانية بلوغ 18.8 ايضا وبين هذا نحو نصف مليون فرصة زيادة.

 

خلاصة

بفحص صناعة السياحة في قطر يمكننا ان ناخذ دروسا لتطبيقها في اقتصادنا. فالسياحة في قطر مثال جيد لملاحظة مبدأ الميزة النسبية في الاقتصاد. وتقع قطر جغرافيا في منطقة بالنظر إلى وجود اكثر بلدان الشرق الاوسط سياحة مثل الإمارات وتركيا صار تطوير السياحة الدولية فيها تنافسيا وصعبا جدا. لكن قطر تستخدم ميزتها النسبية اي الدخل المرتفع وقلة السكان لتخلق لبلدها جاذبيات سياحية مثل الجاذبيات السياحية الرياضية.

ودرس آخر يمكننا اخذه من قطر هو صنع السياسات الصحيح في مجال السياحة الرياضية. فوضعت قطر بنيل استضافة كاس العالم تطوير البنية التحتية لإقامة هذا الحدث ضمن سياسات تنميتها الطويلة الامد لتستفيد عمليا من كاس العالم بوصفه موسعا للسياحة في قطر. ولتستخدمه ايضا بوصفه محركا لبلوغ سياسات التنمية الطويلة الامد تلك نفسها.

وفي النهاية ينبغي القول إن هذه لم تكن سوى جزء من فحص تجربة اقتصادية ناجحة وان نقاطا كثيرة اخرى ستستخلص في فحوص متعددة الجوانب ادق، ومن مفاتيح التقدم الاقتصادي ايضا استخدام تجارب الآخرين.

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا