السينما موجودة لكنها قليلة! / نصيب الفرد من دور السينما في إيران

إيرانالأفلام والمسلسلات1402 (2023/24)

 

إذا كان أحد مولعا بفن السجاد فإن إيران مكان جيد له؛ لأنه في كل بيت منها سعي ليكون أجمل السجاد الإيراني وتصاميمه أمام أعين أهل البيت. وإذا كان أحد محبا للشعر فإن إيران أفضل منزل له؛ لأنه في كل مكتبة منها، سواء أكانت زاوية رف أم بين رفوف، يوجد ديوان لشاعر أسطوري اسمه حافظ ويسهل أيضا الوصول إلى دواوين عظماء آخرين مثل سعدي ومولوي. وإذا كان أحد يحب السفر فإن إيران خلقت له؛ لأنه في إيران لا يحتاج إلا إلى ساعات قليلة من السفر حتى يعيش أقاليم جغرافية وثقافية مختلفة تماما. لكن ماذا إن كان أحد عاشقا للسينما؟ ولسنا نقصد بالسينما الفيلم وحده. بل نقصد تلك القاعة المظلمة المريحة الهادئة التي يمكن أن يلوذ فيها ساعة بعالم الخيال والوهم. فهل إيران بلد مناسب لأولئك الذين هم أهل مشاهدة الأفلام في السينما؟ ويبدو أن سرعة تطور صناعة الأفلام في إيران أسرع من سرعة تطور بنى السينما التحتية مثل قاعات السينما. وهذا خطر يهدد مستقبل سينما إيران: حرب صناع الأفلام على قاعات العرض.

وتطوير قاعات السينما أحد أهم الإجراءات لتطوير صناعة السينما في بلد ما ككل. وتحقيق الدخل لصناعة السينما مرهون بوجود عدد كاف من قاعات السينما في البلد وكذلك بتوزيعها العادل والمتناسب. فعلى سبيل المثال زادت الصين في اتجاه تطوير صناعة السينما لديها خلال فترة 10 أعوام عدد قاعات السينما في هذا البلد حتى 4 أضعاف ونقلته من نحو 20 ألف قاعة إلى نحو 80 ألف قاعة.

 

ومع نمو عدد قاعات السينما اتجهت أيضا إيرادات شباك التذاكر لسينما الصين إلى الازدياد. ازدياد أحد مكوناته نمو قاعات السينما. فقد ارتفعت إيرادات شباك التذاكر لسينما هذا البلد من 21 مليار يوان في عام 2013 إلى 64 مليار يوان في عام 2018 وبعد مواجهة كوفيد 19 صارت في النهاية في عام 2023 نحو 55 مليار يوان.

قاعة سينما واحدة لملعب آزادي!

إيران بلد واسع وكثير السكان. وهي تتمتع أيضا بسكان شباب كثيرين والشباب هم الجمهور الرئيس للفن السابع. وقد أظهر مجتمع إيران دائما اهتماما بالسينما ولم يخل تاريخ السينما في بلادنا قط من أعمال ومخرجين وممثلين محبوبين بين الناس وناجحين في نيل جوائز دولية. وكل هذه الوقائع تقول لنا إن صناعة السينما لها مكانة جديرة بالتأمل في الحياة الثقافية لشعب إيران وإن عدد دور السينما وتوزيعها موضوع جدير بالاهتمام.

ولكي نعلم إلى أي حد المجتمع متمكن في الوصول إلى السينما أو يواجه مشكلة، ينبغي أن نقيس نسبة قاعات السينما إلى سكان البلد. وعلى وجه الإجمال يوجد في إيران 270 دار سينما يبلغ مجموع قاعاتها 639 قاعة. وقد جهز في هذه القاعات إجمالا 113.029 مقعدا أيضا. وهذه الأرقام لا تناسب سكان إيران؛ بحيث لا يملك كل 133.020 إيرانيا سوى قاعة سينما واحدة ونصيب كل 739 شخصا هو مقعد واحد فقط. ووفق المعيار العالمي يحتاج كل 10 آلاف شخص إلى 1 قاعة سينما. أي إذا أردنا العمل وفق المعايير العالمية ينبغي أن يوجد في إيران 8500 قاعة سينما.

ومع ذلك أعلن محمد مهدي إسماعيلي، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، في تاريخ 23 إسفند (فبراير–مارس) 1402 هـ.ش (2023/24)، أن عدد قاعات السينما في الحكومة الثالثة عشرة قد بلغ 900. وهذا الازدياد وإن كان مباركا جدا فإنه لا يحدث فارقا جديا في نسبة قاعة السينما إلى سكان إيران.

السينما من عدسة التمييز

إحصاء نسبة قاعة السينما إلى السكان في أول مواجهة لا يحمل رسالة طيبة وكان النقد والشكوى من انخفاض نصيب الفرد من قاعات السينما نسبة إلى السكان دائما كثير التكرار وواسع التردد في فضاء الصحافة. وكانت هذه الشكاوى أكثر من جهة فئة المنتجين وصناع الأفلام لا الجمهور أو أصحاب دور السينما أنفسهم. وقبل أن نتأمل في الإحصاء أعلاه قليلا أكثر ونستنتج منه؛ يلزم أن نفحص أيضا نصيب الفرد من قاعات السينما نسبة إلى السكان بحسب المحافظات. ووفق إحصاءات عام 1400 هـ.ش (2021/22) لطهران 60 دار سينما و233 قاعة. ولفهم مسافة طهران عن سائر المحافظات يكفي أن نعلم أن أكبر عدد لقاعات السينما بعد طهران يخص خراسان الرضوية بـ64 قاعة. وصحيح أن سكان طهران أيضا بينهم وبين سائر المحافظات مسافة، لكن هذا الإحصاء مع احتساب السكان يظهر المسافة الواسعة نفسها. فبينما توجد في طهران قاعة سينما لكل 41.076 شخصا، توجد في خراسان الرضوية قاعة لكل 100.539 شخصا. ولدى 17 محافظة في البلد أقل من عشر قاعات ونسبة القاعة إلى السكان في 28 محافظة في البلد فوق 100.000 شخص.

وفي هذا السياق نسبة القاعة إلى السكان في محافظة واحدة فوق مليون شخص: سيستان وبلوشستان؛ محافظة لا تملك مع نحو مليوني وسبعمائة ألف نسمة سوى قاعتي سينما. وثلاث محافظات فقط تملك أكثر من خمسين قاعة ونسبة القاعة إلى السكان في طهران وحدها دون خمسين ألفا. أي في النظرة الأولى ليس أننا في إيران ينقصنا السينما وقاعة السينما فحسب، بل إن هذا العدد نفسه موزع على نحو غير عادل وتمييزي إلى أقصى حد.

وسيستان وبلوشستان وكهكيلويه وبوير أحمد وقزوين تملك أقل مقدار من المقاعد الموجودة في دور سينما البلد. ومحافظة فارس مع وجود سينما أكثر تملك عددا أقل من المقاعد في قاعاتها. وتملك محافظات طهران وأصفهان وخراسان الرضوية أكبر عدد من المقاعد ومقدار عرض الأفلام أيضا في هذه المحافظات الثلاث أكثر من سائر مناطق إيران. فيمكن القول إذن إن أحد العلل الأساسية لانخفاض إحصاءات مشاهدي السينما هو غياب أرضية العرض وسعة القاعات.

 

وقد اتخذ عدد مشاهدي السينما في إيران من عقد الستينيات (60) الهجري الشمسي (1981–1991) حتى اليوم اتجاها تنازليا لكن بالنظر إلى نمو السكان منذ عقد الستينيات (60) لم ينم عدد قاعات السينما بمقدار ازدياد السكان.

 

نسبة القاعة إلى مسافة المحافظات

وهذا الإحصاء يتعلق بالسكان فقط، لكن هناك مكونات أخرى أيضا إن روعيت زاد عمق هذا التمييز؛ مثل مقدار المساحة. فمثلا سيستان وبلوشستان هذه تبلغ مساحتها نحو 180.000 كيلومتر مربع. أو كرمان بعشر قاعات سينما تملك المساحة نفسها. أي إن كثيرا من أهل سيستان وبلوشستان أو كرمان للوصول إلى سينما يحتاجون إلى سفر يوم كامل. وفي الحال نفسها محافظة طهران بأكبر عدد من قاعات السينما لا تبلغ مساحتها سوى نحو 12000 متر مربع.

 

عدد الجمهور، علة أم معلول؟

وليس هذا نهاية الحكاية. فلعلنا لو كنا أمام بلد آخر مثل فرنسا التي تعد مهد الدراما والفن والسينما لكان هذا الإحصاء دالا على نقص السينما وتوزيعها المشوب بالتمييز ولم نحتج إلى تحليل إضافي. لكن في إيران شواهد تدل على أنه فضلا عن السكان ينبغي مراعاة مكونات أخرى أيضا حتى نفهم بالضبط كم ينقصنا من السينما ولماذا تنقصنا السينما. وكذلك ما مقدار التمييز المحافظاتي الحقيقي في مجال السينما وما جنسه أصلا. والمكون المهم الذي تدل عليه هذه الشواهد هو مقدار جمهور سينما إيران.

وينبغي أن يتضح كم للسينما من طالب في إيران وكيف يكون هذا المؤشر بحسب المحافظات. وأحد الشواهد التي تجعل مسألة الجمهور جدية لنا أن السينما في بعض المحافظات جمهورها أقل مع أن نسبة القاعة إلى السكان فيها أعلى من بعض المحافظات الأخرى التي قدر جمهور السينما فيها أكبر. ووفق بيان إحصائي فإن محافظات طهران ويزد وسمنان هي المحافظات الثلاث الوحيدة التي مؤشر نسبة القاعة إلى السكان فيها أقل من 100.000 شخص وهي في وضع أفضل؛ لكن المحافظات التي السينما فيها أكثر جمهورا هي طهران وخراسان الرضوية وأصفهان. أي ثلاث محافظات صناعية مراكز محافظاتها كل منها مدينة كبرى؛ والسياحة فيها رائجة وثقافة المدينة والحداثة في المجموع أكثر مشاهدة فيها.

 

مكانة السينما في ثقافة شعب إيران

تقرير قديم عن وضع دور سينما محافظة البرز طريف. ومع أن هذه المحافظة اليوم من حيث الإحصاءات المتعلقة بالسينما صارت مختلفة تماما عن زمن هذا التقرير فإن التقرير يتضمن وقائع ما زالت قابلة للتطبيق على اليوم. وتكتب وكالة مهر في هذا التقرير العائد إلى عام 90 (1390 هـ.ش (2011/12)): «محافظة البرز بسكان يقربون من ثلاثة ملايين نسمة تملك في الوقت الحاضر 3 قاعات سينما؛ أي توجد قاعة سينما واحدة في هذه المحافظة لكل مليون نسمة. قاعات فارغة في أغلب الأوقات ولا ترى لون الجمهور إلا في أيام خاصة من السنة. هذا في حين ما زال مسؤولو القسم الثقافي في المحافظة يذكرون أنصبة الفرد من السينما في محافظة البرز منخفضة نسبة إلى سائر النقاط». وعليه يمكن القول إن قلة جمهور السينما أو كثرته في محافظات كثيرة علة لانخفاض عدد القاعات أكثر مما هي معلول له.

وإلى جانب ذلك بقياس مكانة السينما في ثقافة الإيرانيين وأسلوب حياتهم يمكن إدراك كم هم أهل الذهاب إلى السينما وما إذا كان عدد قاعات السينما إذا زاد سيذهبون إلى السينما أكثر أم لا. ووفق إحصاءات مواجهة الناس للأعمال السينمائية تكون المواجهة في المرحلة الأولى بقياس نوع العمل. على نحو أن كون نوع فيلم محبوبا هو أهم عامل لاختياره. ولعل هذا الإحصاء في النظرة الأولى لا صلة له ببحثنا، لكن إذا دققنا جيدا ندرك أن تفوق معيار النوع على سائر المعايير يعني أن مواجهة جمهور سينما إيران للأعمال مواجهة محورها المحتوى والمضمون وليست فيها الشكل والفن والسينما في الدرجة الأولى من الأهمية. وبتعبير آخر جمهور سينما إيران لا يطلب من السينما ذاتها والسينما مسألة تبعية وثانوية؛ فللجمهور أهداف أخرى تتحقق في النوع. مثل الضحك وتجربة ترفيه سعيد صرفا لا فنيا بالضرورة. ووفق الإحصاءات يحظى النوع الكوميدي بأكثر الأنصار بين الجمهور دون سائر الأنواع. وحين يكون النوع المعيار الرئيس يسهل استبدال السينما بترفيهات أخرى؛ لأن السينما ليست الشيء الوحيد الذي يمكن أن يضحكنا. وسائر المعايير أيضا تدل على أن الإيرانيين ليسوا جمهورا محترفا ومواظبا للفن السابع. فبعد نوع الفيلم تأتي على الترتيب مقولات مثل وجود التجديد وممثل مشهور وكسر الخط الأحمر مما يهم الجمهور. ثم بعد هذه فقط تطرح المعايير المهمة حقا، مثل المخرج وجودة القصة بل حتى سعر التذكرة. ووفق مسح آخر السبب الرئيس لذهاب الجمهور إلى السينما هو الترفيه وتأتي الرغبة في السينما في المرتبة التالية.

وبعد النوع الكوميدي اختار جمهور السينما النوع الاجتماعي ثم النوع الكوميدي-الاجتماعي أكثر من سائر الأنواع. أنواع لا تتطلب في الغالب إمكانات بصرية خاصة ويمكن ألا تشاهد على الشاشة العريضة الطويلة للسينما أيضا.

 

خلاصة

ومع أن نقص قاعة السينما في إيران باد ويمكن أن يواجه هذا الأمر في المستقبل صناع الأفلام أكثر بنقص القاعة لعرض أفلامهم فإن ما نحس بنقصه حقا ليس السينما ذاتها، بل ثقافة الذهاب إلى السينما. فالرغبة في السينما والرغبة فيها على الوجه الصحيح فقر يبدو أكثر من نقص قاعات السينما. ويمكن أن يعود بعض أسباب هذه المسألة أيضا إلى نوع إنتاجات سينما إيران وعدم انسجامها مع الروح والاحتياجات الفردية والجماعية التي يمكن للقصة أن تلبيها. فالأفلام في أي نوع كانت ينبغي أن تنبع من ثقافة أمة وأن تروي ظمأها الخاص بها.

والواقع أن الفيلم الجيد حقا كثيرا ما نجح في شباك التذاكر أيضا حتى إن لم يبلغ الإحصاءات الغريبة لأفلام الكوميديا غير اللائقة كثيرا. كذلك يجري بين محافظات إيران تمييز أعمق من اختلاف عدد قاعات السينما نسبة إلى السكان. فعلى أساس مكون القاعة إلى السكان وضع سمنان أفضل من أصفهان وبين هاتين المحافظتين أصفهان هي موضع التمييز. لكن المسألة هنا أنه لعل الناس في سمنان لا ميل لديهم ولا ثقافة للذهاب إلى السينما أصلا أو لا يظهرون من الوجه الاقتصادي ترحيبا بمثل هذا الترفيه. فقد جعل التطور الاقتصادي والثقافي لشعب أصفهان سلة استهلاك ثقافي وفني يكون جزء منها السينما أيضا؛ أما في محافظة مثل سمنان فإن أصل وجود هذه السلة الثقافية موضع سؤال. فالتمييز الأصلي تمييز ثقافي وتنموي وفي الدرجة التالية عمراني أو اقتصادي.

وفي النهاية فإن الزيادة العادلة لقاعات السينما لازمة وكذلك زيادة إنفاق السينما في سلة استهلاك الأسرة. فنقص الإمكانات المادية أو التمييز فيها أيسر حلا؛ أما تأسيس المباني الثقافية المبنية في ذهن المجتمع ونفسه أو ترميمها فعسير.

جواد شاملو / علي رضا كاظمي مقدم

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا