تعتزم دار المزاد الشهيرة كريستيز (Christie’s) بعد حصولها على ترخيص تجاري في السعودية توسيع أنشطتها في منطقة الخليج الفارسي. وهذا الإجراء منعطف مهم لثقافة السعودية وفنها؛ إذ تصير كريستيز أول دار مزاد دولية تؤسس قاعدة دائمة في هذا البلد. وهدف هذه الدار تعزيز علاقاتها مع جامعي الأعمال السعوديين ولا سيما الجيل الجديد الثري وتنفيذ مشاريع ثقافية طموحة في هذا البلد. وستركز هذه الدار في السعودية على الفن الحديث والمعاصر لغرب آسيا والمجوهرات والساعات. وقد كان لكريستيز من قبل أيضا تجربة حضور في منطقة الخليج الفارسي. فقد أسست هذه الدار فرعا في دبي عام 2005 وعرفت رائدة في هذا الميدان بإقامة مزادات ناجحة في مجال الفن الحديث والمعاصر في الإمارات.
وقد تحول الخليج الفارسي في السنوات الأخيرة إلى مركز للاستثمار الثقافي، وتشهد السعودية زيادة في عدد المتاحف والمعارض والفعاليات الثقافية التي أطلقت بوصفها جزءا من مشروع رؤية 2030 لتقليل اعتماد اقتصاد البلد على النفط. وهذا الأمر جعل السعودية سوقا جذابة لكريستيز. ويستضيف هذا البلد عددا كبيرا من المجموعات الفنية الخاصة والعامة والبيناليات والمؤسسات الثقافية. ومن ثم يبين إجراء كريستيز الأهمية المتزايدة للسعودية في سوق الفن العالمية.
ويطرح الفن في السعودية عنصرا أساسيا في مساعي هذا البلد لإجراء إصلاحات داخلية وتعزيز الدبلوماسية الثقافية. ويسعى هذا البلد بالإفادة من موارده الواسعة إلى تحقيق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وفق استراتيجية رؤية 2030، وقد عد الفن المحور الرئيسي لهذه المساعي حتى يتمكن من جذب المجتمع الفني الدولي. ومن الإجراءات التي تتخذ في هذا الاتجاه إيجاد فضاءات فنية حديثة وجذابة للسياح والفنانين.

وتساعد هذه التغيرات أيضا على تعزيز الدبلوماسية الثقافية والنفوذ الناعم للسعودية. ويسعى هذا البلد باستخدام الفن أداة للتواصل مع سائر البلدان والثقافات المختلفة إلى توسيع علاقاته الدولية. ولا يساعد هذا النهج على زيادة المعرفة العالمية بثقافة السعودية فحسب، بل يوفر أيضا فرصة للتبادل الثقافي والفني. ومن ثم سنتناول في هذا النص تحليل وضع اقتصاد الثقافة والفن في السعودية حتى نفهم على نحو أفضل أسباب قرار دار مزاد كريستيز تأسيس فرع في الرياض.
حصة 2.38 في المائة للصناعات الثقافية والإبداعية من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية
وضعت السعودية بالتركيز على حفظ تراثها الثقافي وعرضه القطاع الثقافي أولوية بوصفه محركا لمزيد من التنمية. ويتوافق هذا التركيز الاستراتيجي مع أهداف التنويع في رؤية 2030 لهذا البلد. ومنذ تأسيس وزارة الثقافة عام 2018 زادت 11 هيئة ثقافية نفوذ هذا القطاع وتعتزم رفع حصته الاقتصادية حتى عام 2030 إلى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب أحدث الإحصاءات تبلغ حصة الصناعات الثقافية والإبداعية في السعودية من الناتج المحلي الإجمالي لهذا البلد 2.38 في المائة. كذلك تملك السعودية أكثر من 11,850 مركزا ثقافيا تصنف شركات متناهية الصغر أو صغيرة أو متوسطة (MSMEs). وقد رافق سوق العمل في الميادين الثقافية أيضا نمو. وبحسب بيانات الربع الثالث من عام 2022 ارتفع عدد العاملين من الجنسين في المهن الثقافية المباشرة بمقدار 5.53 في المائة وبلغ 181,709 أشخاص، ناشئا في المقام الأول عن زيادة عدد الطهاة والباريستا في قطاع فنون الطهي. ويعمل أكثر من 64 في المائة من القوة العاملة الثقافية في هاتين المهنتين.
وقبل أن يتشكل مفهوم القطاعات الثقافية في السعودية بالكامل، كان الفنانون ورعاة الفن والمعارض يعملون في دائرة محدودة. وفي الوقت الحاضر وفرت هيئة الفنون البصرية، إلى جانب مؤسسة بينالي الدرعية وسائر الجهات المرتبطة، منصة لربط الفنانين والمعارض بالمجتمعات الفنية المختلفة حتى يتمكنوا من الاتصال بمشهد الفن العالمي. وبإيجاد هذه الفرص أتيح للفنانين السعوديين إمكان عرض إبداعهم على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

ارتفاع صادرات الأعمال الفنية والتحف الأثرية السعودية في الربع الأول من عام 2024
تحاول وزارة الثقافة السعودية عبر التشريع وتقديم المساعدات المالية وتوفير المكاتب والاستوديوهات ومرافق الإنتاج والتطوير تمويل الأعمال الثقافية وجذب الاستثمار، في الأمد القصير والأمد الطويل، للمساعدة على تحقيق الأهداف الإبداعية للفنانين. وبحسب تقرير صحيفة الوطن السعودية ارتفعت قيمة صادرات الأعمال الفنية والتحف الأثرية السعودية في الربع الأول من 2024 إلى 473.6 مليون دولار مما يبين، مقارنة بـ 143.7 مليون دولار في الربع الأول من العام الماضي، تقدما ملحوظا. ويتوقع أن يبلغ هذا الرقم حتى نهاية العام رقما قياسيا قدره 2 مليار ريال سعودي (533.3 مليون دولار). وتشمل هذه الصادرات لوحات أنتجها فنانون سعوديون وتماثيل صنعت من مواد مختلفة مثل البرونز والرخام والخشب. كذلك توجد في هذه الصادرات أصناف يدوية الصنع مثل السجاد والمجوهرات والأشياء النحاسية والآثار من حضارات مختلفة تشكلت في شبه الجزيرة العربية.
وتصدر الأعمال الفنية السعودية أساسا إلى بلدان أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكذلك إلى الولايات المتحدة. والمقاصد العربية تشمل الإمارات وقطر. وفي السنوات الأخيرة شهدت السعودية نموا بارزا في صناعة السياحة أدى دورا مهما في زيادة الاهتمام بالفن في هذا البلد. وقد دعم هذا البلد تطوير قطاع الفن بإقامة المعارض والمهرجانات.
وبحسب تقرير بلومبرغ بلغت قيمة المشاريع المرتبطة برؤية 2030 السعودية 1.3 تريليون دولار. وتشمل هذه الخطة تطوير بنى تحتية للتجزئة الفاخرة وكذلك بنى تحتية فنية وثقافية. وتستضيف الرياض حاليا مهرجان نور الرياض الفني السنوي وبينالي الدرعية. ومع نمو القطاع الفني تسعى كريستيز أيضا بوضوح إلى توسيع أنشطتها في هذا البلد. وقد باعت هذه الدار عام 2017 لوحة سالفاتور موندي لليوناردو بمبلغ 450.3 مليون دولار إلى محمد بن سلمان ولي عهد السعودية.

وضع تجارة الفن في قطر والإمارات؛ الأفق الثقافي في جوار السعودية
وليست كريستيز دار المزاد الوحيدة التي تلتفت إلى الخليج الفارسي. فقد أبرم صندوق الثروة السيادي لأبي ظبي مؤخرا عقدا بمليار دولار مع مالك ساتبي، باتريك دراهي، لشراء حصة أقلية في هذه الشركة. وأجريت هذه الصفقة بعد تراجع حاد في إيرادات ساتبي في النصف الأول من عام 2024. والاستثمار في الخليج الفارسي ليس موضوعا جديدا، لكننا نشهد الآن زيادة ملحوظة في هذا الميدان. ويبين هذا الأمر رغبة الشركات الفنية في توسيع أنشطتها والتوجه نحو مناطق ذات إمكان مالي عال، ولا سيما في الظروف الاقتصادية الراهنة.
وتشير الإحصاءات إلى أن واردات الأعمال الفنية وصادراتها في الإمارات العربية المتحدة حتى عام 2026 ستبلغ أكثر من 2.5 مليار دولار. ويبين هذا التوقع نموا سنويا 4.8 في المائة في الواردات و4.3 في المائة في الصادرات من عام 2021. وتبين هذه الأرقام زيادة ملحوظة في الأنشطة الفنية والتجارة الثقافية في هذا البلد. وقد اتجهت الإمارات أيضا مثل السعودية، في مسعى لتقليل الاعتماد على إيرادات النفط، نحو التنويع الاقتصادي واستثمرت أكثر في القطاعات الثقافية والفنية. وقد حظيت استثمارات هذا البلد في الميادين الثقافية والفنية وكذلك إقامة المهرجانات والمعارض الدولية بترحيب دور المزاد الكبرى وأمناء المتاحف وأصحاب المعارض والفنانين البارزين من أنحاء العالم.
وقد قامت قطر أيضا مثل الإمارات باستثمارات ملحوظة في ميدان الثقافة والفن ورتبت برامج متعددة لإطلاق متاحف وإقامة فعاليات فنية. ويسعى هذان البلدان بالتركيز على سياسات متعددة الجنسيات إلى تمثيل الفن المعاصر في المنطقة (مريدي وكلانتري، 1401 هـ.ش (2022/23)). وتشير الإحصاءات إلى أن قيمة سوق الفنون البصرية في قطر ارتفعت في السنوات الأخيرة وبلغت عام 2019 نحو 13.4 مليون دولار أمريكي. ويبدو أن السعودية أيضا تسعى حتى لا تتخلف عن جيرانها في ميدان الثقافة والفن.
كلمة أخيرة
عكفت السعودية في السنوات الأخيرة بجد على تعزيز ميدان الثقافة والفن وتطويره. ولم تساعد هذه المساعي على زيادة صادرات الأعمال الفنية لهذا البلد فحسب، بل تمكنت أيضا من جذب الاستثمارات الأجنبية. وستساعد البرامج المختلفة التي تنفذها السعودية في ميدان تأسيس المعارض الفنية والمتاحف وإقامة الفعاليات الثقافية والفنية على رواج سوق الفن في السعودية. وإلى جانب ذلك يمكن أن يكون لافتتاح فرع دار مزاد كريستيز في السعودية بوصفها أكبر دار مزاد في العالم أثر ملحوظ في تقدم هذا البلد في ميدان الفن. ويساعد هذا الإجراء على رواج الفن في السعودية ويتوقع أن تجد سوق الفن السعودية موضعها على المستوى الدولي.
ويدعوكم نمافر إلى قراءة تدوينة تحول الصناعات الثقافية في السعودية وهيئة الترفيه.
المصادر
مريدي، محمد رضا، كلانتري، مونا (1401 هـ.ش (2022/23)). تحول النموذج من الفن الوطني إلى الفن العابر للحدود الوطنية: دراسة تحولات الفن في الإمارات العربية المتحدة وقطر. مجلة الفنون الجميلة: الفنون البصرية
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية