في خضم ألسنة نيران الاشتباك والاحتلال والنفي والمقاومة، لم يكن «الكتاب» في تاريخ الشعب الفلسطيني مجرد وسيلة إعلام ثقافية أو تعليمية، بل تحول إلى سلاح رمزي وأداة أساسية للبقاء وتكوين الهوية والنضال. والعلاقة بين الكتاب والتجربة الفلسطينية قصة معقدة ومتعددة الطبقات؛ قصة يقف فيها السرد والذاكرة والحقيقة في وجه النسيان والتحريف والمحو.
حضور النشر الفلسطيني في معارض الكتاب الدولية
في السنوات الأخيرة برزت مشاركة فلسطين في معارض الكتاب الدولية بأشكال متنوعة؛ من حضور بارز ومفعم بالفخر إلى مساع احتجاجية بل حتى تهميش.

1. معرض الدوحة للكتاب 2025: فلسطين ضيف شرف
أحد النماذج البارزة لحضور فلسطين في التجمعات الثقافية على مستوى العالم يتعلق بمعرض الدوحة الدولي للكتاب في العام الميلادي الجاري. فقد استضاف منظمو هذا المعرض، بدعوة فلسطين بوصفها «ضيف شرف»، 11 ناشرا فلسطينيا لأول مرة. ولم يؤد الحضور في معرض بمشاركة 522 دار نشر من 43 بلدا إلى زيادة النفوذ الثقافي لفلسطين وإيجاد فضاء لرواياتها فحسب، بل وفر أيضا أرضية للترجمة وتعاونات جديدة.

2. معرض القاهرة للكتاب 2024: انعكاس التعاطف العربي مع فلسطين
في القاهرة تجلى اهتمام الناس بقضية فلسطين بشكل محسوس في فضاء معرض الكتاب. وكانت الكتب التاريخية والتحليلية عن فلسطين ترى في معظم الأجنحة. وكانت الرموز الثقافية والسياسية المرتبطة بها، في صورة علم وهاشتاغ داعم وتصميم على غلاف الكتاب، بارزة في أرجاء فضاء المعرض. كذلك أبرز ناشر عربي (نشر إنسان)، بإنتاج دفاتر وفواصل كتب بمضمون فلسطين، البعد الثقافي للمقاومة. وأظهر الإقبال الواسع للجمهور العربي، بالتزامن مع جرائم المحتلين الصهاينة في غزة، أن قضية فلسطين ما زالت راسخة في قلب ثقافة المنطقة.

3. معرض فرانكفورت للكتاب: الرقابة والاحتجاج العالمي
في أحد أكثر الأحداث إثارة للجدل، رافقت حضور فلسطين في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب ملابسات. فأدى إلغاء حفل تسليم جائزة لكاتبة فلسطينية (عدنية شبلي) إلى احتجاجات عالمية واسعة منها إدانة كتاب بارزين وانسحاب مجموعات نشر من المعرض. وفي رد فعل أطلق معرض مواز «كتاب تحرير فلسطين»؛ حركة احتجاجية سلطت الضوء على «الصمت الخانق» تجاه فلسطين.
ولم يكن هذا نهاية الأمر، فقد أطلقت منظمة «ناشرون من أجل فلسطين»، متهمة معرض فرانكفورت بالتواطؤ مع إسرائيل في «إبادة جماعية» في غزة، حملة لمقاطعة هذا الحدث. وحولت مجموع هذه الوقائع أحد أكبر الأحداث الثقافية في العالم إلى ميدان معركة روايات وساحة لوزن مؤيدي فلسطين ومعارضيها.

4. معرض لندن للكتاب: صوت فلسطين حاضر لكنه محدود
كان معرض لندن للكتاب أيضا مسرحا للتأمل في حرية التعبير وحضور فلسطين في ميدان الأدب. وكان إقامة ندوات محورها قضية فلسطين وإحياء ذكرى كتاب فلسطينيين ضحايا الحرب في غزة خطوة في اتجاه الالتفات إلى هذه الأصوات المغفلة. ومع ذلك كان عدد الأحداث الرسمية عن فلسطين قليلا نسبيا. وهو أمر يمكن أن يكون انعكاسا لمسعى للسيطرة على الروايات وتهميش هذه القضية في التيار الرئيس لصناعة النشر.

5. معارض أخرى: بولونيا وأبوظبي وردود الفعل على حضور إسرائيل
في معرض بولونيا الدولي لكتاب الطفل نفذت مشروعات مثل «رسم من أجل فلسطين» بهدف التوعية وجمع المساعدات المالية. وأكدت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أيضا، بحضورها في معرض أبوظبي للكتاب، مشاركة الفلسطينيين العلمية والثقافية في الميدان الدولي. ومع ذلك واجه حضور إسرائيل في بعض هذه المعارض وصمت المنظمين إزاء جرائم هذا النظام في غزة (ولا سيما ضد الأطفال) انتقاد الناشطين الثقافيين واحتجاجهم.

معرض طهران الدولي للكتاب؛ حيث فلسطين دائما في الصدارة.
كان معرض طهران الدولي للكتاب لفلسطين ليس فرصة فحسب، بل منبرا دائما، وقد خصصت في دوراته المختلفة قاعات وبرامج خاصة لهذا الموضوع. وتبين إقامة ندوات مثل «أدب المقاومة» وتدشين كتب مثل «رنجهاي غزة» المكانة الخاصة لفلسطين في صنع السياسات الثقافية لهذا الحدث. ويمثل الأدب الفلسطيني في طهران بوصفه جزءا من الرابطة الاستراتيجية والأيديولوجية بين إيران وفلسطين.
وقد دعم الناشرون الإيرانيون أيضا، بنشر أعمال مرتبطة بفلسطين، أدب المقاومة. وقد أضفت الكوفية الفلسطينية والقهوة العربية والموسيقى التقليدية الفلسطينية في الأجنحة نكهة ثقافية خاصة على المعرض وأعطت التضامن السياسي معنى أكثر ملموسية. وقد تحول هذا الحدث إلى منصة يسمع فيها الأدب الفلسطيني ويرى ويحظى بالدعم؛ وهو أمر يواجه في كثير من بقاع العالم الأخرى رقابة وقيودا.

معرض فلسطين للكتاب: مقاومة ثقافية في الأرض المحتلة
داخل حدود فلسطين يؤدي معرض دولي للكتاب دورا رئيسا في توسيع القراءة ودعم الكتاب وحفظ الهوية الثقافية. ويشارك الناشرون المحليون والإقليميون في هذا الحدث ويعرضون التضامن الثقافي والمقاومة في قالب الأدب.
وليس هذا المعرض مجرد محل لبيع الكتاب؛ فقد وفرت أحداث مثل توقيع الكتب والندوات الأدبية والبرامج الثقافية المتنوعة فضاء حيويا لنقل التراث الفلسطيني. وإضافة إلى ذلك، تؤكد شعارات مثل «من النكبة إلى الدولة» التواصل التاريخي واستمرارية السرد الفلسطيني. بطبيعة الحال توجد تحديات مثل تقييد دخول بعض الناشرين والكتاب من مناطق مختلفة في فلسطين والضغوط الأمنية.
ثقافة تبقى حية.
لقد تحول أدب فلسطين، في مواجهة القمع المنهجي والتدمير الثقافي، إلى الحصن الرئيس لحفظ هوية الشعب الفلسطيني وذاكرته الجماعية. ويعمل الكتاب والناشرون الفلسطينيون في ظروف تعد الرقابة والضغوط السياسية واستهداف البنى التحتية الثقافية جزءا من واقعهم اليومي. ويظهر تدمير المكتبات والمراكز الثقافية في غزة، ومحو صوت الفلسطينيين من معارض الكتاب الدولية، مسعى منسقا لتهميش السرد الفلسطيني. وفي مثل هذا الفضاء لا يعد استمرار الإنتاج الأدبي إجراء ثقافيا فحسب، بل شكلا من المقاومة.
ورغم هذه القيود، تشكلت شبكة حيوية من المبادرات الداخلية والدولية لدعم أدب فلسطين. فمشروع «مكتوب» بهدف الترجمة ومواجهة الصور النمطية الاستشراقية، ومنصة «ناشرون من أجل فلسطين» التي تعمل بنشاط في دعم الكتاب الفلسطينيين، وبرامج التبادل الأدبي مع كتاب سائر البلدان، تؤدي جميعا دورا مؤثرا في إيصال صوت فلسطين إلى العالم. كذلك يساعد التركيز على أدب الطفل ومشروعات مثل «رف كتب بالستاف» على حفظ الروايات الفلسطينية الأصيلة بين الأجيال والحدود الجغرافية وتوسيعها.
كلمة أخيرة
لقد تحول الأدب الفلسطيني، أبعد من أداة تعبير، إلى الخط الأمامي للمقاومة الثقافية لهذا الشعب. وفي عالم تتابع فيه سياسة محو الروايات الفلسطينية والرقابة عليها بشدة، تتكلم الكتب كسفراء صامتين لكن مؤثرين بالحقيقة.
من قاعات معرض طهران الدولي للكتاب الحماسية إلى منابر فرانكفورت الخاضعة للرقابة، ومن أجنحة الأطفال في بولونيا إلى منصات الاحتجاج في لندن، أظهر الكتاب والنشر الفلسطيني أنه رغم كل الضغوط سيوصل صوته إلى أسماع العالم.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية