حين نتحدث عن صناعة السينما فهذا يعني أن على صناع الأفلام أن يسعوا دائما، فضلا عن تعبيرهم الفني، إلى مراعاة ذوق الجمهور وذائقته أيضا. والسينما فن ارتبط اسمه منذ أولى أيام ولادته بمقولتين هما الجمهور والصناعة. وقد ربطت آلية شباك تذاكر السينما والإعلان الواسع والإقبال الكبير لجماهير الناس هذا الفن بذوق الجمهور وإقباله وأبقته حيا. وهذه الآلية الصناعية نفسها هي ما يجعل السينما تتحول إلى واحد من أكثر الفنون شعبية وجمهورا وتاثيرا. وفي هذه الحال يبلغ الفيلم المبيعات التي ينشدها المستثمر وتبقى صناعة السينما حية.
غير أنه في العقود الأخيرة يزداد دور المهرجانات السينمائية واهميتها في العالم باستمرار. إلى حد أن بعض صناع الأفلام يرون أنفسهم في غنى عن إقبال الجمهور، وأهم مقياس لديهم هو معيار المهرجانات. ووفقا للإحصاءات، تبدي السينما الإيرانية في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا جدا بالمهرجانات.
سينما المهرجانات وإيجاد شباك تذاكر أحادي اللون
والمهرجانات الأجنبية بصنع سياساتها القائم على قبول نوع معين من الأفلام مؤثرة أيضا في توجيه سينما داخل البلاد. وكثير من صناع الأفلام داخل البلاد يراعون من البداية وحتى قبل صنع فيلمهم ذائقة المهرجانات الأجنبية وذوقها. ولهذا السبب انجذبت على المدى الطويل غالبية أفلام السينما الإيرانية نحو النوع الاجتماعي، وبعد نوع الكوميديا يعد النوع الاجتماعي ثاني أكثر الأنواع شعبية في السينما الإيرانية. لأنه في هذا النوع يمكن بسهولة رسم القوالب النمطية التي تنشدها المهرجانات الأجنبية. فالفقر والعنف ورسم مجتمع محبط وكئيب أو الإيحاء بالاستبداد على المجتمع ممكن بسهولة في هذا النوع.
وندرك اثر المهرجانات في شعبية النوع الاجتماعي أكثر حين نرى أن أكثر الأنواع فوزا بالجوائز في المهرجانات الغربية هو الدراما. والنوع الدرامي في إيران يشمل أساسا الأعمال الاجتماعية. والاجتماعي نوع لا يوجد بشكل محدد في سينما العالم ويندرج تحت عنوان الدراما. والمسافة بين هذا النوع وسائر الأنواع الفائزة بالجوائز كبيرة جدا. وحين يتوافق ذوق صانع الفيلم مع ذوق المهرجان، من الطبيعي أن يمتلئ شباك التذاكر في إيران بأفلام اجتماعية أحادية اللون. والمذنب بالطبع ليس النوع الاجتماعي. فالمشكلة تبدا حين تدخل المهرجانات وتنفيذ القوالب النمطية التي تنشدها. لأنه على المدى الطويل لا تصنع في العالم صورة مرغوبة ومطابقة لقوالب الغرب النمطية عن إيران فحسب، بل يتعرف الجمهور الإيراني تدريجيا أيضا إلى نفسه بالصورة التي بناها الآخرون. وفي الواقع بعد مدة نفقد إمكانية معرفتنا الحقيقية بانفسنا.

فضلا عن ذلك حين ننظر إلى العاملين وصناع الأفلام الذين نالوا أكبر عدد من الجوائز من المهرجانات الغربية، نلاحظ بينهم خطا فكريا خاصا. وليس لهؤلاء صناع الأفلام تلوين خاص. ومثل الأنواع تماما، فإن مخرجي المهرجانات أيضا متقاربون من حيث الأسلوب والفكر. ونرى أدناه أكثر المخرجين والعاملين الإيرانيين حصولا على الجوائز في المهرجانات الأجنبية. ويأتي أصغر فرهادي في صدارة هؤلاء المخرجين.

رسم الصورة السوداء في أفلام المهرجانات
ومن مشكلات سينما المهرجانات خصوصا للبلدان غير الغربية مثل إيران رسم الصورة السوداء. وكما أشير فإن صنع سياسات المهرجانات السينمائية ليس فنيا صرفا وكثير منها يتبع أهدافا ثقافية وسياسية مرغوبة لديه. وقد دفع اهتمام المهرجانات الأجنبية بتقديم صورة سوداء عن الفضاء الاجتماعي للمجتمع الإيراني كثيرا من صناع أفلام النوع الاجتماعي في السينما الإيرانية إلى الميل نحو تقديم صورة سوداء ورسم محبط للفقر والفساد وأنواع المشكلات الاجتماعية.

والوقوف على المسائل والآفات والمرارات الاجتماعية أمر طبيعي ومنطقي في حد ذاته. لكن حين يقع نظر صانع الفيلم تحت تاثير رغبة المهرجانات الأجنبية وسياستها يجعل هذه المرارات تتخذ لون المبالغة. وفي هذه الحال يسعى صانع الفيلم إلى عرض الصورة التي ترغب فيها المهرجانات بأشد ما يمكن وأحده، ويتحول تدريجيا نهج المهرجانات الأجنبية إلى النهج الغالب في سينما البلاد. وفي الواقع يمكن القول إن الميل الشديد للمخرجين الإيرانيين إلى أن يروا في المهرجانات الأجنبية يدفعهم إلى صنع أعمال تحبها هذه المهرجانات. وفي هذا الاتجاه يبين الشكل التالي عدد جوائز الأعمال السينمائية الإيرانية في المهرجانات الأجنبية ويدل على أن الأفلام المتضمنة رسم الصورة السوداء حظيت بإقبال أكبر من هذه المهرجانات.

آفات سينما المهرجانات
يؤدي الاهتمام المفرط بالمهرجانات إلى أن تصنع الأفلام تدريجيا بعيدا عن حاجة الجمهور. وبسبب استغناء صانع الفيلم عن إقبال الجمهور، يرى صناع الأفلام أنفسهم في غنى عن إمتاع الجمهور العام وتصبح الأفلام نخبوية وخاصة الذوق. وكذلك لا ترى الأفلام، بسبب الاستغناء عن تاييد الجمهور العام، نفسها ملزمة بتناول مسائل يحتاجها أهل مجتمعها. بل تقدم حاجة المهرجانات وصنع سياساتها. وتظهر هذه المسألة أكثر في البلدان التي تكون صناعة السينما فيها أضعف. لأنه بسبب غياب الاهتمام بصناعة السينما يعد صناع الأفلام المهرجانات واحدة من أهم الطرق لرؤية فيلمهم. وبالطبع ليس وجود المهرجانات السينمائية أو المشاركة فيها إشكالا في حد ذاته. لكن اتجاه مسار سينما بلد نحو الطابع المهرجاني مولد للآفات. ونرى في الرسم البياني التالي عدد الأفلام السينمائية الإيرانية التي فازت بجوائز في مهرجانات مهمة محلية وأجنبية.

الغرائبية جذر إقبال المهرجانات على الأعمال الاجتماعية السوداء
ومن سياسات البلدان الغربية تجاه البلدان غير الغربية أنها، بالاعتماد على مرجعيتها وقوتها الثقافية، تجبر البلدان غير الغربية على أن تعرف نفسها كما يحب الغربيون. وأداة هذا العمل ظاهرة الغرائبية. والغرائبية تعني رؤية النفس في مرآة الآخر. أي أن يرسم أهل بلد، لإرضاء الأجانب، صورتهم وفق القوالب النمطية المتشكلة في ذهن الأجانب. وبهذا يرضى أهل العالم المتقدم برؤية المخططات التي كانت لديهم عن الثقافات والجغرافيات المختلفة. ولا يهم مدى تطابق هذه المخططات مع الواقع، لأن الناس يحبون رؤية ما يتوقعونه. فمثلا في حال الصينيين الواقع هو أن ليس كلهم ياكلون الفئران والخفافيش وابن عرس والسرطان حيا. وكثير منهم أيضا، مثل أهل الغرب تماما، ياكلون الهامبرغر مع البطاطس المقلية في شوارع تقوم ناطحات السحاب على جانبيها. والثقافة الغذائية المعروفة عن الصين تتعلق فقط بجزء صغير من هذه الأمة.
غير أن السائح لم يقطع كل هذا الطريق إلى الصين ليرى الأشياء نفسها التي كان يراها كل يوم في مدينته ودياره. إنه يريد أن يجرب عالما آخر. أن يشفق على هذا العالم المختلف، وأن يضحك عليه، وأن يحلله، وأن يشاركه على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يستمتع برؤية دهشة الآخرين في مواجهة تجربته. كثير من أهل أفريقيا يرتدون الجينز ويستخدمون Apple Watch ويتحدثون الفرنسية ويشاهدون Netflix ليلا. ورجل عار عابس قد أدخل في أنفه حلقة سميكة ممثل لمجموعة صغيرة من أهل تلك القارة.
جذور الغرائبية
يقول إدوارد سعيد المنظر والناقد الثقافي في كتابه الشهير الاستشراق إن الغربيين ينظرون إلى المجتمعات الشرقية بصورة غرائبية. وبعبارة أخرى من منظور إدوارد سعيد، يريد الغرب باستشراقه أن يمنح وجهة نظره عن الشرق مرجعية ومن هذا الطريق يخضع الشرق لسيطرته. وهذا في الحقيقة ليس معرفة، بل بناء معرفة في الرأي العام بصورة متعمدة. وفي الواقع يعتقد إدوارد سعيد أن صورة الشرق اليوم من بناء الذهن الغربي لكي يعرف نفسه من هذا الطريق ويتمكن من تقديم تبرير لسيطرته على الشرق.
والغرائبية والنظرة الغربية إلى الشرق مشروع يمتد من السينما إلى الأدب وثقافة الشرق وفنه لياثر في أذهاننا وإدراكنا. والعمل الغرائبي مقرر له، بالاعتماد على غرابته واختلافه ومطابقته للقوالب النمطية، أن ينال جائزة في الغرب وأن يكون جذابا لجمهور هناك. وعلى قول إدوارد سعيد هذا مشروع استعماري لكي يظهر الغرب، فضلا عن تمييز ثقافته وتقديمها على سائر الثقافات، ثقافته أرقى. وكذلك ليشوه معرفة سائر المجتمعات بنفسها ويلقي عليها الصورة التي يقبلها هو عن سائر المجتمعات. ومن أهم طرق تنفيذ هذا الهدف عمليات صنع السياسات التي تطبق في المهرجانات السينمائية والفنية. لأن هذه المهرجانات ما تزال واحدة من أهم المراجع الفنية في العالم.
السينما بوصفها أداة للغرائبية
وقد كان الغرب نشطا في بناء نظرته إلى الشرق في ساحات الفن والأدب المختلفة ومنها السينما. ويرتبط جزء كبير من اهتمام المهرجانات الأجنبية بالأفلام الشرقية أيضا بهذا الموضوع. وغالبا ما تحب المهرجانات الدولية أفلاما شرقية تؤكد نظرتها إلى الشرق. وإقبال صناع الأفلام على موضوعات مثل العرفان العلماني الشرقي، والحيوات المصحوبة بالفقر في الريف، ورسم ملامح قبيحة ومتهدمة وقذرة للمدن، والوقوف على الثقافات الفرعية لأسفل المدينة، والعنف والفقر الحضريين أو حتى رسم وجه ريفي لإيران، كلها في مسار رسم القوالب النمطية الغربية عن إيران وتأكيدها. وفي دراسة من بين 324 فيلما أرسلت من عام 85 إلى 96 إلى المهرجانات، غالبها مؤكد للنظرة الغربية إلى الشرق التي يبينها إدوارد سعيد. وبعضها يصنع الصورة المرغوبة للغرب عن الاستبداد في البلدان الشرقية وإيران. وبعضها يعطي صورة عن الجمود وعدم حيوية المجتمع الإيراني ويوحي بالفوضى والعنف.
ابتعاد أعمال المهرجانات عن ذوق الجمهور
إن أوصاف النقاد والجمهور الغربي مثل «فيلم من عالم غريب، بحياة وبيوت ووجوه غريبة. من كوكب آخر و...» تعبر عن عطش وميل غرائبي لدى الأجانب تجاه ثقافة إيران. وتدل أيضا على سوق ساخنة وحارة لصناع أفلام المهرجانات. ولعل يتضح الآن لماذا حتى الأفلام السيئة والمملة التي تتمتع بجودة صنع منخفضة ولا تحظى بإقبال الجمهور في السوق الداخلية الإيرانية، يقبل عليها خارج البلاد. فافلام عباس كيارستمي في داخل شباك تذاكر السينما الإيرانية لم تكن موضع إقبال الجمهور الإيراني. لكن هذه الأفلام نفسها كانت في المهرجانات الأجنبية ولدى الجمهور الأجنبي غريبة ومثيرة. وتظهر إحصاءات موقع IMDB أن الأفلام الغرائبية أثارت انتباه الجمهور أكثر من سائر الأعمال الإيرانية.
خاتمة
إن تحول السينما إلى صناعة عامل مهم في نموها وتقدمها. وحين يكون أقصى نجاح عمل سينمائي هو فوزه بجائزة في مهرجان، يصبح المهرجان سدا أمام صناعة السينما. والسينما بامتلاك جمهور واسع تتحول إلى صناعة. وكل عامل يشوه علاقة السينما بالجمهور يضرب تحول السينما إلى صناعة. ومن هذه العوامل الاهتمام المفرط بالمهرجانات السينمائية. وسيكون لهذه الظاهرة عدة نتائج. فمثلا تجعل الإنتاجات السينمائية لبلد تتجه نحو الغرائبية ورسم الصورة السوداء. وكذلك بابعادها عن ذوق الجمهور تقلل تدريجيا جمهور سينما البلد. فضلا عن ذلك تقلل المهرجانات تنوع الأعمال السينمائية للبلد. والتنوع لازم لجذب أطياف متنوعة من الجمهور. فمثلا يمكن عد سيطرة النوع الاجتماعي على السينما الإيرانية حصيلة اهتمام صناع الأفلام بجوائز المهرجانات وأوسمتها. لأن المهرجانات أيضا أبدت اهتماما أكبر بهذا النوع نفسه.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية
