غياب النظرة التكاملية إلى الصناعات الثقافية في إيران

في تعريف جامع مانع، الصناعات الثقافية والإبداعية هي أقسام من الأنشطة المنظمة هدفها الرئيس إنتاج السلع والخدمات والأنشطة ذات المحتوى أو إعادة إنتاجها أو ترويجها أو توزيعها أو تسويقها تجاريا مما أخذ من جذور ثقافية أو فنية أو تراثية (UNESCO, 2018). وتعرف هذه الصناعات، بسبب تمتعها بماهية ناعمة وثقافية وبقدرة اقتصادية تمكينية، بوصفها أحد الأنماط الدافعة في صنع السياسات الثقافية واقتصاد الثقافة في العالم. ويمنح التمتع بهاتين السمتين الصناعات الثقافية والإبداعية موقعا خاصا، بحيث تعد أحد الميادين المهمة لتحقق التنمية المستدامة وحيويتها. وتثبت البيانات في العقدين الأخيرين أن الاقتصاد الإبداعي بوصفه أحد الأقسام سريعة النمو في الاقتصاد العالمي يملك دورا مفتاحيا في إيجاد الدخل والوظائف والصادرات. ومن ثم كانت الصناعات الثقافية والإبداعية مصدرا مهما للوظائف والدخل وتحدث من ثم آثار امتداد مهمة للاقتصاد الأوسع. وفي أقسام كثيرة مثل صناعة السياحة تترك إلى جانب آثارها الاقتصادية آثارا اجتماعية ملحوظة من دعم الصحة والرفاه إلى الارتقاء بالشمول الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي المحلي (OECD, 2021).

مكانة الصناعات الإبداعية في اقتصاد العالم

وبحسب آخر إحصاءات اليونسكو يبلغ حجم سوق الصناعات الإبداعية من الناتج الإجمالي العالمي 3100 مليار دولار ويعادل 3.1 في المائة، ويشكل 6.2 في المائة من إجمالي التشغيل ويوجد قرابة 50 مليون وظيفة في أنحاء العالم (UNESCO, 2023). والنقطة الجديرة بالتأمل أن حصة هذه الصناعات في الاقتصاد العالمي مقارنة بسائر الصناعات الكبيرة ومرتفعة الدخل مثل الصلب والنفط والسيارات متساوية نسبيا، ويبين هذا الأمر الإنتاجية الاقتصادية المتزايدة والربحية الخاصة لها والعناية التي توليها منظومات الحوكمة ولا سيما في البلدان الرائدة لهذا المجال.

مقارنة حصة الصناعات الإبداعية بسائر الاقتصادات مرتفعة الدخل بما فيها النفط والسيارات والصلب

غياب الصناعات الإبداعية في اقتصاد إيران

وتؤكد الفحوص أن المعلومات الإحصائية للصناعات الثقافية والإبداعية في إيران، ولا سيما حصتها من الاقتصاد، غير معتبرة أو غير دقيقة أو غير رسمية إجمالا. وعلى هذا الأساس، وبالاضطرار إلى الاعتماد على بعض التقديرات، كانت حصة الاقتصاد الإبداعي لإيران من الناتج الإجمالي العالمي ضئيلة ونحو 0.43 في المائة. هذا في حين أنه لو سير في الاتجاه العالمي لاستطاع الاقتصاد الإبداعي أن يملك حصة تعادل 13 مليار دولار. وقد حددت البلدان الأعضاء في 20G حتى عام 2030  للاقتصاد الإبداعي حصة بمقدار 14 ألف مليار دولار وبمقدار 3 في المائة. وهنا يطرح فرضان:

أ) إذا سرنا باتجاه 0.43 في المائة (الحصة الحالية للاقتصاد الإبداعي للبلاد من الناتج الإجمالي العالمي) فستكون حصة إيران حتى عام 2030 مقدار 60 مليار دولار.

ب) وبفرض أن سكان إيران واحد في المائة من سكان العالم، فينبغي أن يكون اقتصادها أيضا واحدا في المائة من اقتصاد العالم، والمرغوب أن تكون حصة الاقتصاد الإبداعي للبلاد 140 مليار دولار تعادل 4 في المائة.

وقد كان مسار الصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد على نحو أنها لأسباب عديدة لم تقبل من جهة بوصفها صناعات عالية العائد ومربحة في ميدان الاقتصاد وتفتقر إلى المكانة الجديرة والمرغوبة، ولم تنجح من جهة أخرى في ميدان القدرة التنافسية الدولية.

ضرورة نظرة متماسكة إلى الصناعات الإبداعية

وجزء من هذه المسائل ناشئ عن نظرة تعرف الصناعات الثقافية والإبداعية منفصلة عن سائر الصناعات ولا تعد وجودها قطعة من أحجية اقتصادية وثقافية كبيرة. ومع ذلك إذا أعطي الأهمية وسدت فراغات الماضي والحاضر وسرع السير في العملية العالمية فما زال المجال متاحا لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد. وقسم مهم من تحقق هذا الأمر مرتبط بإيجاد نظرة متماسكة وموحدة (كل واحد) إلى الصناعات الثقافية والإبداعية وتعزيزها، تحصل عبر الاتصال الداخلي المنشأ (تآزر الصناعات الثقافية والإبداعية) والاتصال الخارجي المنشأ (ربط الصناعات الثقافية والإبداعية بالصناعات الكبيرة) وسيبحث في ما يلي.

الاستراتيجية 1: الاتصال الداخلي المنشأ (تآزر الصناعات الثقافية والإبداعية)

ومن المحقق أن الصناعات الثقافية والإبداعية في ارتباط بعضها ببعض تؤدي إلى تآزر اقتصادي وتسريع نقل المعاني الثقافية. فمثلا عبر تطوير صناعة السياحة وفي حال تهيئة أرضية مناسبة لترويج الحرف اليدوية يعزز السياح بشراء المنتجات جلب العملة الأجنبية، وبنقل المنتج إلى بلدهم يمهدون لدخول سائر السياح إلى إيران. وإذا عززت حلقة الاتصال هذه بتطوير البنى التحتية وصنع السياسات المناسب فلن يكون تطوير صناعة السياحة والحرف اليدوية بعيد المنال.

ومن جهة أخرى يتوفر القسم الأعظم من حيوية الصناعات الثقافية والإبداعية وتطويرها عبر صناعة السوق الثقافية أو التسويق التجاري. وصناعة السوق الثقافية تعني التسويق التجاري أو إعادة استخدام شخصية أو محتوى ورمز خارج سياقه الأصلي وخلق قيمة له. فمثلا إذا كرر محتوى أو شخصية في صناعة الرسوم المتحركة في منتجات سائر الصناعات الثقافية مثل القرطاسية أو ألعاب الأطفال وأعيد استخدامها فقد تحقق عملية التسويق التجاري.

وفي صميم موضوع التسويق التجاري الثقافي يمكن تصنيف أقسام الصناعات الثقافية إجمالا في ثلاثة أصناف؛ أولا صناعات مثل السينما والرسوم المتحركة والقصص المصورة التي تنتج هي المحتوى والشخصية. والصنف الثاني ذلك القسم من الصناعات الثقافية والإبداعية مثل ألعاب الأطفال وألعاب اللوح الذي يقوم بعمل ترويج الشخصية المنتجة وتعميقها. والصنف الثالث من هذا التصنيف يشمل أقساما مثل القرطاسية والملابس التي تؤدي فقط دور مستهلك لمحتوى.

الرسم البياني 2، عملية سلسلة التسويق التجاري في الصناعات الثقافية والإبداعية، المصدر: تقرير المرونة في صناعة القرطاسية، مركز حرف شريف للبحوث، 1402 هـ.ش (2023/24)

وسلسلة التسويق التجاري خالقة للقيمة لصناعة المنشأ والمقصد وللصناعات الثقافية والإبداعية إجمالا. ويحصل قسم مهم من دخل شركات كبيرة مثل مارفل وديزني وLicense Global وبوكيمون عبر تطوير سلسلة التسويق التجاري. وكان حجم السوق العالمية للتسويق التجاري في عام 2022 معادلا 29 مليار دولار و730 مليون دولار، ويتوقع أن يبلغ في عام 2031 مقدار 447 مليار دولار و164 مليون دولار.

حجم سوق التسويق التجاري

وكانت مبيعات سلسلة التسويق التجاري لرسوم فروزن المتحركة 4 أضعاف مبيعاتها في شباك التذاكر (477 مليون دولار مبيعات في أمريكا وكندا نحو 976 مليون دولار مبيعات في السوق الخارجية). وقد صنعت هذه الرسوم المتحركة بتكلفة 150 مليون دولار وبيعت في شباك التذاكر بمقدار 1.5 مليار دولار وفي سلسلة التسويق التجاري 6 مليارات دولار. ويبين هذا الموضوع أهمية الربحية عبر تطوير صناعة السوق الثقافية في سوق الصناعات حتى أكثر من نماذج الدخل الشائعة أو الأساليب التقليدية. وفي إيران أيضا ولا سيما في السنوات الأخيرة وفرت شخصيات رسوم متحركة محبوبة وواسعة الجمهور مثل «بسر دلفيني» أو «بتشه زرنج» بدخولها صناعة ألعاب الأطفال (الدمى) وصناعة القرطاسية (الدفاتر وحقائب الظهر وأدوات الكتابة و...) قنوات لخلق قيمة اقتصادية. وقد بلغت تكلفة إنتاج الرسوم المتحركة بتشه زرنج نحو 500 ألف دولار وقدرت مبيعاتها في شباك التذاكر وسلسلة التسويق التجاري على الترتيب بـ 1.2 مليار دولار و340 ألف دولار. ورغم هذا النموذج الناجح يلاحظ أن مبيعات التسويق التجاري لهذه الرسوم المتحركة ضئيلة مقارنة بمبيعاتها في شباك التذاكر.

لكن سوق التسويق التجاري في إيران إجمالا بسبب الضعف في صناعة الشخصيات والعجز عن التسويق التجاري ليست سوقا رائجة ودورتها معتلة. وإلى جانب أن فقر الشخصية الداخلية أو عدم دوامها وبقائها أدى هو نفسه إلى دخول محتوى أجنبي وتغيير ذائقة الجمهور، فإنها لم تقع أيضا في سلسلة مرتبطة ومتتالية ومترابطة مع سائر الصناعات، وبكلمة واحدة لم يلتفت إلى مقولة التسويق التجاري لها. فمثلا أدى النمو الكمي والنوعي لصناعة مثل الكوميك ستريب (القصص المصورة) في البلدان الناجحة وذات السجل الباهر إلى تطوير التسويق التجاري وتآزر الصناعات المشتقة منها مثل الرسوم المتحركة والسينما والقرطاسية وألعاب الأطفال و... هذا في حين أن دعم أعمال الكوميك في إيران توقف في أدنى حال داخل الصناعة. وهذا الموضوع يؤدي فقط إلى نمو الصناعة وذلك في الأمد القصير ولا يمكن تصور أفق لتطوير الصناعة في الأمد الطويل.

ومن ثم يحتاج النظام البيئي للصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد من جهة إيجاد اتصال عميق بين الصناعات المتآزرة (صناعة السياحة مع الحرف اليدوية، والتصميم الصناعي مع صناعة العمارة و...) ومن جهة أخرى تيسير إيجاد سلسلة التسويق التجاري الموازية وتثبيتها في الصناعات ولا سيما في مجال الطفل واليافعين. وعندئذ يمكن التفكير في تمكين صادرات السلع والمنتجات الثقافية وراء الحدود الوطنية وتعزيز القدرة التنافسية الدولية.

الاستراتيجية 2: الاتصال الخارجي المنشأ (ربط الصناعات الثقافية والإبداعية بالصناعات الكبيرة)

وتقع المنتجات الثقافية والإبداعية ولا سيما في بداية عملية سلسلة القيمة -التوفير والإنتاج- في ارتباط وثيق بالصناعات الكبيرة. فالمواد الأولية لمنتجات مثل القرطاسية وألعاب الأطفال والحرف اليدوية و... تنتج وتوفر معتمدة على صناعات مثل البتروكيماويات والنفط و... وأحد مسائل ميادين مثل الحرف اليدوية وألعاب الأطفال ضعف الوصول إلى المواد الأولية وغلاء هذه المواد أو ضعف جودتها مما يسوق الصناعة نحو الاستيراد. ويمكن أن يكون هذا الأمر نفسه حصيلة ارتباط غير كفء وغير مناسب للصناعات الثقافية بالصناعات الكبيرة الموردة للمواد الأولية مثل النفط والبتروكيماويات.

وبرنامج عمل ربط الصناعات الثقافية والإبداعية بالصناعات الكبيرة ممكن التحقق في ثلاثة مصاديق تنفيذية في القسم أدناه:
1. تشكل حديقة بتروكيماوية للصناعات الثقافية وإيجادها من أجل استخدام مزايا صناعة البتروكيماويات: الإنتاج: وتقع المنتجات الثقافية والإبداعية ولا سيما في بداية عملية سلسلة القيمة -التوفير والإنتاج- في ارتباط وثيق بالصناعات الكبيرة. فالمواد الأولية لمنتجات مثل القرطاسية وألعاب الأطفال والحرف اليدوية و... تنتج وتوفر معتمدة على صناعات مثل البتروكيماويات والنفط و... وأحد مسائل ميادين مثل الحرف اليدوية وألعاب الأطفال ضعف الوصول إلى المواد الأولية وغلاء هذه المواد أو ضعف جودتها مما يسوق الصناعة نحو الاستيراد. ويمكن أن يكون هذا الأمر نفسه حصيلة ارتباط غير كفء وغير مناسب للصناعات الثقافية بالصناعات الكبيرة الموردة للمواد الأولية مثل النفط والبتروكيماويات. ومن ثم بإيجاد حديقة بتروكيماوية للصناعات الثقافية والإفادة من مزاياها مثل اللقيم المضمون يمكن سوق تيار الاستثمار نحو الصناعات الثقافية والإبداعية.
2. إيجاد ارتباط بين الصناعات الثقافية والإبداعية والصناعات الغذائية (استثمار الصناعات الغذائية في خط إنتاج ألعاب أطفال صغير المقياس:)الاستثمار: وتوجد البلدان الرائدة باستثمارها لإيجاد ارتباط بين الصناعات الثقافية والإبداعية والصناعات الغذائية تجارب جديدة ومختلفة للمستهلكين. وهذا الموضوع إلى جانب الاستثمار يحتاج خط إنتاج جديدا وتكنولوجيا لكنه يضخ أيضا عائدا رأسماليا كبيرا. وقد أوجدت بعض الشركات بوضع ألعاب الأطفال مع المنتجات الغذائية شكلا حديثا من التسويق للصناعة وتوليد الدخل. ومنها يمكن الإشارة إلى شركة Foodi Forks المنتجة لمنتجات تجمع مواد غذائية وألعاب أطفال تعليمية وترفيهية للأطفال تساعد على تعلمهم ونموهم.. وفي اتجاه ارتباط الصناعات الثقافية والإبداعية بالصناعات الغذائية يمكن الإشارة أيضا إلى أن بعض الشخصيات في المنتجات الغذائية تملك قابلية الترويج عبر صناعات مثل الرسوم المتحركة والسينما. فمثلا شخصية «تشي توز» تملك قابلية المعالجة لا في ميدان إعلان المنتج فقط بل بوصفها شخصية في مجال صنع الرسوم المتحركة.
3. الترويج: وفي اتجاه ارتباط الصناعات الثقافية والإبداعية بالصناعات الغذائية يمكن الإشارة إلى أن بعض الشخصيات في المنتجات الغذائية تملك قابلية الترويج عبر صناعات مثل الرسوم المتحركة والسينما. فمثلا شخصية «تشي توز» تملك قابلية المعالجة لا في ميدان إعلان المنتج فقط بل بوصفها شخصية في مجال صنع الرسوم المتحركة.

 

خلاصة

إذا أردنا تشخيص موضع الصناعات الثقافية غير المناسب في اقتصاد إيران فإن انفصال هذه الصناعات بعضها عن بعض وكذلك عن الصناعات غير الثقافية أحد الأمور التي ينبغي الإشارة إليها. وينبغي أن تتفاعل الصناعات الثقافية بعضها مع بعض. ويشمل هذا التفاعل التسويق التجاري الثقافي أو التسويق التجاري نفسه الذي يجعل المحتوى المنتج من صناعات مثل السينما أو الرسوم المتحركة أو القصص المصورة (الكوميك ستريب) أو الكتاب ينعكس في صناعات مثل الملابس والقرطاسية وألعاب الأطفال. أو يتعمق أو يستهلك فقط. وينبغي الالتفات إلى أن هذا التقارب والتماسك يمكن أن يخلق ربحا أضعاف الربح الأولي لمحتوى سينمائي أو من الرسوم المتحركة مثلا. ومثاله رسوم فروزن المتحركة التي أنتجت برأسمال 150 مليون دولار وباعت في شباك التذاكر 1 مليار دولار. لكن كان لها من التسويق التجاري دخل 6.5 مليار دولار.

كذلك يلزم أن ترتبط الصناعات الثقافية بصناعات مثل البتروكيماويات والنفط حتى تتمكن من توفير موادها الأولية بجودة ورخص. وإلا صارت الصناعات الثقافية صناعات تابعة أو مرتفعة السعر أو في مواضع عديمة الجودة.

 

رابط مختصر: nmfr.ir/arr

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا