شهدت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا من الناحيتين الاقتصادية والثقافية، وبمواءمة هذين المجالين أصبحت ثالث أفضل اقتصاد ثقافي بين البلدان النامية. وبتوظيف مجموعة من الاستراتيجيات الذكية تمكنت هذه الدولة من خفض اعتمادها على النفط بوصفه مصدر الدخل الأساسي، وعوضا عن ذلك حققت نموا وتنوعا اقتصاديا مستداما بتعزيز القطاعات الثقافية والإبداعية. ووزارة الثقافة والشباب أحد أهم الفاعلين الذين يساعدون حكومة الإمارات في مسار بلوغ رؤاها. وفي هذه المذكرة نلقي أولا نظرة على الصناعات الإبداعية في الإمارات. ثم نفحص بالتفصيل إجراءات وزارة الثقافة والشباب في هذا الاتجاه.
تعريف الصناعات الثقافية والإبداعية في بيان الإمارات
ويشمل بيان تعريف الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات (CCI) توليد الأفكار والبناء والإنتاج والتوزيع ونشر السلع والخدمات ذات التعبير الإبداعي والاحتفاء الثقافي مما يؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن أقسام الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات التراث الثقافي والطبيعي، والكتاب والصحافة، والفنون الأدائية والاحتفال، ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والتفاعلية، والفنون البصرية والحرف اليدوية، والتصميم والخدمات الإبداعية. وتملك هذه الأقسام الستة إجمالا 25 قسما فرعيا بمخرجات اقتصادية مباشرة تعمل بفاعلية في اتجاه سياسة التنوع الاقتصادي.
وضع الصناعات الإبداعية في الإمارات العربية المتحدة
وبحسب تقدير مركز الإحصاء والتنافسية الاتحادي (FCSC) أسهمت الصناعات الثقافية والإبداعية في عام 2018 بنسبة 2.9 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، واستمر بعدها مسار النمو دائما. وتملك مدينة دبي الآن المرتبة الأولى في العالم من حيث الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الإبداعية. وبحسب بيانات مرصد FDI دبي الذي نشرته دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، جذبت هذه المدينة في عام 2023 مقدار 898 مشروعا وهو تقريبا ضعف العام السابق. كما ارتفعت تدفقات رأس المال بنسبة 60 في المائة وبلغت 11.8 مليار درهم. فضلا عن ذلك أنشئ في عام 2023 أكثر من 21 ألف فرصة عمل جديدة عبر الاستثمار الأجنبي في هذا القطاع وحده، بزيادة 74 في المائة عن العام السابق. ويوجد الآن 22 منطقة حرة في أنحاء الإمارات العربية المتحدة تعنى بالصناعات الثقافية والإبداعية.
مهام وزارة الثقافة في تطوير الصناعات الإبداعية في الإمارات
ولم ينشأ هذا النمو الملحوظ للإمارات في قطاع الصناعات الإبداعية مصادفة بل بتأثير الحوكمة الاستراتيجية والاستثمار المستهدف في القطاع الثقافي. ووزارة الثقافة والشباب (MCY) إحدى أهم المؤسسات التي تساعد حكومة الإمارات على بلوغ رؤاها الثقافية والاقتصادية. وتعنى هذه الوزارة برؤية «ثقافة تلهم العالم وتمكن الشباب من بناء المستقبل» بتعزيز القطاعات الثقافية - التي تشمل قسمين هما «الفنون والتراث» و«الصناعات الثقافية والإبداعية». ومهمة قسم «الصناعات الثقافية والإبداعية» هي:
-ترويج الاستثمار في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية بغية تفعيل هذا القطاع في الاقتصاد الوطني للإمارات
-دعم جهود حكومة الإمارات لتعزيز القطاعات الثقافية الخاصة وإيجاد الشركات الصغيرة والمتوسطة في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية
-توظيف مواهب الشباب واهتماماتهم في إيجاد المشاريع الثقافية، وزيادة الوظائف المرنة لهم وتعظيم حصة الشباب في الاقتصاد الوطني
-دعم تصميم المنتجات الثقافية وتطويرها بغية مواكبة الاتجاهات العالمية واكتشاف أسواق جديدة محلية ودولية
لكن النقطة الأساسية هنا هي أنه بالنظر إلى اتساع القطاعات الثقافية وتعدد مهام وزارة الثقافة في الإمارات، وذلك حول هدف عالمي كبير وليس وطنيا فحسب، كيف تمكنت هذه الوزارة من متابعة مهامها في فرع الصناعات الإبداعية وتحقيق نتائج ملحوظة أيضا؟
الهيكل التنظيمي لوزارة الثقافة في الإمارات
يبين الشكل التالي الهيكل التنظيمي لوزارة الثقافة والشباب في الإمارات العربية المتحدة.

وكما يظهر في الصورة، لوزارة الثقافة في الإمارات دوران رئيسان: الوزير ووكالة الوزارة. ولوكالة الوزارة أيضا ثلاثة مساعدين أحدهم «مساعد وكيل الوزارة في قسم تطوير الصناعات الإبداعية». ويشرف هذا المساعد على ثلاثة أقسام هي «تنظيم الصناعات الثقافية والإبداعية» و«ترويج الصناعات الثقافية والإبداعية» و«الاقتصاد الإبداعي». وفي الواقع فإن أحد أهم مبادرات وزارة الثقافة في الإمارات تعيين مساعد خاص يتولى حصرا مسؤولية دفع الأقسام المتعلقة بالصناعات الثقافية والإبداعية. ويبين هذا الأمر استراتيجية دقيقة لقطاع الصناعات الإبداعية تمكنت من تحقيق إنجازات ملحوظة وجعل الإمارات واحدة من أنجح البلدان في الاقتصاد الثقافي. وفي ما يلي وبالاعتماد على الاتجاهات المتعلقة بالسنوات الأخيرة سنراجع بمزيد من العمق إسهامات MCY في CCI.
أهم إجراءات وزارة الثقافة بقيادة المساعد الخاص
تنفيذ السياسات الكلية
ولوزارة الثقافة دور مهم في تنفيذ السياسات الكلية للحكومة. وإحدى هذه السياسات الاستراتيجية الوطنية 2031 التي بدأت في عام 2021 وهدفها رفع حصة الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الوطني حتى عام 2031. وكان أهم إجراء لوزارة الثقافة في اتجاه تنفيذ هذا البرنامج ربط الأهداف الثقافية والاقتصادية بعضها ببعض مما حقق نتائج ملحوظة. وتعزيز مكانة الإمارات في الخريطة الثقافية العالمية، وجذب المواهب الثقافية ورواد الأعمال الإبداعيين من أنحاء العالم، وزيادة عدد الشركات الناشطة في هذا القطاع، وإيجاد وظائف جديدة في الصناعات الإبداعية، ورفع متوسط دخل العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية، وجذب المستقلين والشركات الناشئة الإبداعية من سائر أهداف الاستراتيجية 2031 ونتائجها. بحيث يمكن القول إن الإمارات في إطار هذا البرنامج الطموح يمكن أن تتحول حتى عام 2031 إلى قائد عالمي للصناعات الإبداعية.
الدبلوماسية الثقافية وترويج الحوار بين الثقافات
وقد كان لوزارة الثقافة والشباب دور بارز في استخدام الدبلوماسية الثقافية لترويج الحوار بين الثقافات وزيادة النفوذ العالمي للإمارات. وقد قدمت هذه الوزارة الإمارات بوصفها فاعلا مهما على المسرح الثقافي العالمي عبر المشاركة في إقامة الفعاليات العالمية. ومن أبرز أمثلتها معرض إكسبو 2020 دبي الذي عرضت فيه الإمارات تراثها الثقافي وصناعاتها الإبداعية. وجمع هذا الحدث أكثر من 190 بلدا، وجذب 24 مليون زائر عالمي، وهيأ منصة لتفاعل الفنانين الإماراتيين مع العالم.
ومثال آخر مهرجان فولك لايف سميثسونيان (أحد الفعاليات الثقافية الفنية البارزة في العالم) الذي أقيم في عام 2022 في واشنطن العاصمة. وفي هذا العام وبمساندة وزارة الثقافة في الإمارات شارك أكثر من 50 فنانا إماراتيا في المهرجان وحظوا باهتمام كثيرين. وكانت مهمتهم تقديم الثقافة والفن المعاصرين في الإمارات إلى العالم.
فضلا عن ذلك وقعت الوزارة اتفاقات ثقافية متعددة مع بلدان ومنظمات دولية تسهل التعاون بين الثقافات. وتزيد هذه الاتفاقات- ولا سيما الاتفاقات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية (IP)- فرصة الفنانين الإماراتيين للعمل على المنصات العالمية ومن ثم توسع نطاق نفوذهم. ويشهد تحسن ترتيب الإمارات في المؤشرات الثقافية العالمية على جهود وزارة الثقافة الإماراتية الناجحة في هذا المجال. فمثلا حصلت الإمارات في عام 2024 (للسنة الثانية على التوالي) على المرتبة 10 في مؤشر القوة الناعمة العالمي ووقفت بوصفها البلد الوحيد في الخليج الفارسي بين القوى الناعمة الأولى في العالم. وفي هذا العام عرفت الإمارات بوصفها أحد البلدان التي حققت أكبر تقدم منذ عام 2020.

التركيز على التعليم وتنمية المواهب
ويمكن عد تنمية المواهب حجر الأساس لبرامج وزارة الثقافة. وبما أن تطوير الاقتصاد الإبداعي يعتمد على قوة عاملة ماهرة ومبتكرة، فقد بدأت هذه الوزارة خططا مختلفة لتنمية مواهب الشباب الإماراتيين. والشراكة مع مؤسسات مختلفة وتوفير الدورات التدريبية جزء أساسي من هذه الخطط. وتتعاون وزارة الثقافة مع مؤسسات تعليمية رائدة لتقديم دورات متخصصة في المجالات الإبداعية- من الفنون الجميلة والتصميم إلى الفيلم ووسائل الإعلام. فضلا عن ذلك تدعم المنح الدراسية وبرامج التبادل التي تسمح للطلاب الإماراتيين بالدراسة في الخارج والتعرض للاتجاهات الإبداعية العالمية.
وإجراء آخر لوزارة الثقافة هو إنشاء مراكز تعليمية وأكاديميات إبداعية هيأت فرصة نمو المهارات المهنية للفنانين الشباب. وتوفر هذه المراكز دورات الإرشاد والتعليم التقني وكذلك إمكانية الوصول إلى موارد مختلفة للمتخصصين الشباب.
ومن سائر مبادرات وزارة الثقافة لدعم المواهب خطة التأشيرة الذهبية. وقد صممت الإمارات نظام تأشيرة إقامة طويلة الأمد لخمس أو عشر سنوات يجدد تلقائيا عند تحقق الشروط لفئات معينة منها المستثمرون ورواد الأعمال والمواهب المتخصصة. ويمنح هذا النظام الجديد سكان الإمارات والمهاجرين الأجانب وأسرهم الراغبين في العمل والعيش والدراسة في هذا البلد إمكانية التمتع بإقامة طويلة الأمد دون حاجة إلى كفيل مع ملكية مئة في المائة داخل الإمارات.

والمخيم الصيفي مثال آخر أيضا. ويمنح هذا الحدث الذي يقام سنويا المشاركين فرصة لتعلم مهارات جديدة ومواكبة أحدث اتجاهات المعرفة.
ويمكن ذكر جمعية الفنون البصرية بوصفها مثالا آخر أيضا. وهذا المعرض أكبر معرض للفنون البصرية في الخليج الفارسي وهدفه الاحتفاء بإبداع بلدان الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وعمان، ويقام مرة كل سنتين في أحد هذه البلدان. وفي هذا الحدث تقام برامج وورش عمل تعليمية مختلفة للفنانين المبدعين وتمنح جوائز أيضا.
كلمة أخيرة
وقد سعت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية إلى تحقيق نمو وتنوع اقتصادي مستدام بخفض اعتمادها على الإيرادات النفطية من جهة وتعزيز القطاعات الثقافية والإبداعية من جهة أخرى. بحيث إنها الآن ثالث أفضل اقتصاد إبداعي بين البلدان النامية. وإحدى أهم المؤسسات التي رافقت حكومة الإمارات في هذا الاتجاه وزارة الثقافة والشباب. وكان أهم إجراء لهذه الوزارة تعيين مساعد خاص لوكالة الوزارة يتولى حصرا مسؤولية دفع الأقسام المتعلقة بالصناعات الثقافية والإبداعية. وفي هذه المذكرة فحصنا إجراءات وزارة الثقافة بقيادة المساعد الخاص للوكالة من أجل تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية