إنجلترا هي ثالث أفضل اقتصاد إبداعي في العالم، وتؤدي وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية (DCMS) دورا محوريا في الإشراف على السياسات المتعلقة به وتطويرها. وقد تأسست هذه الإدارة عام 1992 بوصفها إدارة التراث الوطني، وتقود اليوم طيفا واسعا من القطاعات الحيوية للمنظور الثقافي والاقتصادي لبريطانيا. وبتعبير آخر، كان أحد أهم استراتيجيات إنجلترا في تطوير الصناعات الإبداعية إسناد القطاعات الثقافية والإعلامية والرياضية المختلفة إلى هذه الإدارة بوصفها جهة راعية. وفي هذه المذكرة نستعرض تاريخ DCMS ونفحص إجراءاتها ونتائج أنشطتها.
من إدارة التراث الوطني إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة
تأسس هذا القسم أولا عام 1992 على يد رئيس الوزراء آنذاك باسم إدارة التراث الوطني، وكان هدفه زيادة مشاركة الحكومة في قطاعات مثل الفنون والرياضة والإذاعة والتلفزيون والسياحة والتراث الوطني. وكانت بريطانيا آنذاك تسعى إلى تعزيز قطاعاتها الثقافية مع التركيز على الترويج للهوية والتراث البريطانيين.
أما في عام 1997 فقد غيرت هذه الإدارة اسمها إلى «وزارة الثقافة والإعلام والرياضة»، بما يدل على توسيع صلاحياتها. ووضعت الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام بصورة أكثر تركيزا تحت هذه الوزارة، وأبرزت أهميتها في الثقافة والاقتصاد الحديثين لبريطانيا. ثم بدأت هذه الوزارة دعم الصناعات الإبداعية، واهتمت بقدراتها لا من الناحية الثقافية فحسب بل من الناحية الاقتصادية أيضا.
التحول الرقمي والإصلاحات القانونية (2010)
وعلى امتداد عقد 2010، شهدت DCMS تركيزا متزايدا على البنية التحتية الرقمية. وفي عهد رئاسة ديفيد كاميرون للوزراء، بدأت هذه الوزارة الإشراف على توسيع النطاق العريض وتنظيم الإنترنت وترسيخ الثقافة الرقمية، بما يدل على أثر الثورة الرقمية في وسائل الإعلام والصناعات الإبداعية. كما أجريت بعض الإصلاحات القانونية مثل حماية حقوق الملكية الفكرية لتعزيز الاقتصاد الإبداعي.
التغييرات الأخيرة والتركيز الحالي (2020)
أعيد تنظيم مسؤوليات هذا القسم عام 2023، وأسفر ذلك عن إنشاء منصب مخصص لوزير دولة في شؤون الإعلام والسياحة والصناعات الإبداعية. وتكشف إعادة التنظيم هذه أهمية القطاعات المذكورة من حيث المساهمة الاقتصادية وخلق الوظائف والنفوذ العالمي في المشهد البريطاني. وتركز DCMS الآن على تطوير سياسة الإعلام وتعزيز قطاع السياحة ودعم الصناعات الإبداعية التي تشمل الفيلم والموسيقى والألعاب.
مهام DCMS
تتمتع DCMS بصلاحيات واسعة تغطي طيفا واسعا من القطاعات - من الصناعات الثقافية التقليدية إلى وسائل الإعلام الرقمية الحديثة. وتتمثل المهام الرئيسية لهذا القسم في:
الترويج للفنون والثقافة
DCMS مسؤولة عن الترويج للفنون والثقافة في أنحاء بريطانيا. وتتعاون هذه الإدارة مع منظمات مثل مجلس الفنون في إنجلترا لتمويل المؤسسات الثقافية ودعمها مثل المتاحف والمعارض والمسارح والمهرجانات. كما يشمل ذلك حماية المواقع والمباني التاريخية. وفي السنوات الأخيرة استثمرت DCMS أيضا في التعليم الثقافي لضمان أن الفنون والتراث الثقافي متاحان لجميع المواطنين.

سياسة الإعلام والبث
تضع DCMS، في إطار إشرافها الإعلامي، سياسات بشأن البث وتصوغها وتنفذها، وتشمل تنظيم هيئة بي بي سي والجهات التجارية للبث. وينخرط هذا القسم في مسائل مثل تعدد وسائل الإعلام والبث الرقمي والانتقال إلى الخدمات الرقمية. واستجابة لزيادة خدمات الستريمينغ، تشرف DCMS أيضا على سياسات للتكيف مع المشهد الإعلامي المتغير. وهدفها دعم جهات البث البريطانية بما يضمن بقاءها على مستوى المنافسة العالمية. وتسعى الوزارة عبر مثل هذه الإجراءات إلى الارتقاء بمكانة بريطانيا بوصفها قوة ثقافية، مع تحقيق منافع اقتصادية ملموسة في الوقت نفسه.
تطوير السياحة
والسياحة مجال حيوي آخر تحت إشراف DCMS. ويتعاون هذا القسم مع VisitBritain وVisitEngland لتقديم بريطانيا بوصفها مقصدا سفريا رائدا في العالم. وتطبق هذه الدولة استراتيجيات تهدف إلى زيادة السياحة الدولية والمحلية. فضلا عن ذلك، تؤدي DCMS دورا في تطوير ممارسات السياحة المستدامة للحد من الآثار البيئية وتمكين المناطق المحلية من الاستفادة من نمو السياحة. ومن هذه الإجراءات دعم التراث الثقافي والمباني التاريخية التي تجذب ملايين الزوار سنويا وتسهم في الاقتصاد المحلي.
دعم الصناعات الإبداعية
تقدم DCMS دعما ملموسا للصناعات الإبداعية البريطانية - التي تشمل قطاعات مثل الفيلم والتلفزيون والموسيقى والألعاب والأزياء. فعلى سبيل المثال تسعى عبر الإعفاءات الضريبية ومبادرات مماثلة في مجالي الفيلم وألعاب الفيديو إلى تعزيز نمو الشركات الإبداعية. كما تشجع DCMS التعاون الدولي وتسهم في نمو المواهب البريطانية على المستوى العالمي.
مبادرات السلامة الرقمية وعلى الإنترنت
تشارك DCMS في السياسات الرقمية وشبكة الإنترنت - ولا سيما في ما يتعلق بالنفاذ إلى النطاق العريض والسلامة على الإنترنت والأمن السيبراني. وتعمل هذه الإدارة على توسيع الإنترنت عالي السرعة في أنحاء بريطانيا وتعالج تقليص الفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية. كما أدخلت لوائح لحماية المستخدمين ولا سيما القاصرين من المحتوى الضار على الإنترنت. وتشمل مبادراتها الأخيرة تطوير أطر للسيطرة على المنصات الرقمية من الناحية الأمنية.
الصناعات الإبداعية؛ محرك اقتصادي لبريطانيا
ولكي نعرف مدى كفاءة استراتيجية بريطانيا لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، يلزم إلقاء نظرة على الإحصاءات واستعراض وضع هذا المجال. وتظهر التقارير أن قطاع الصناعات الإبداعية في بريطانيا شهد نموا بنسبة 6 في المئة منذ عام 2019، ويستحوذ الآن على 5.7 في المئة من القيمة المضافة الإجمالية لهذا البلد.
ويبين الرسم البياني أدناه اتجاه الإيرادات السنوية للأنشطة الإبداعية والفنية والترفيهية في بريطانيا من عام 2008 إلى عام 2022.

وبحسب الرسم البياني أعلاه، شهدت إيرادات هذه القطاعات في بريطانيا عام 2022 نموا ملحوظا مقارنة بالعامين السابقين اللذين انخفضت فيهما بشدة تحت تأثير جائحة كورونا، وبلغت أكثر من 11.1 مليار جنيه إسترليني.
توسعت الصناعات الثقافية والإبداعية في بريطانيا إلى حد أمكنها معه خلق فرص عمل لـ 2.4 مليون شخص. وتعد الصناعات الإبداعية الآن من بين أولويات الحكومة الخمس الأولى للنمو الاقتصادي في إنجلترا، وبرنامجها بلوغ نمو قدره 50 مليار جنيه إسترليني والسعي إلى خلق مليون فرصة عمل إضافية حتى عام 2030. وقد أعلن أن الميزانية المخصصة تبلغ 77 مليون جنيه إسترليني.
أبرز قطاعات الصناعات الإبداعية في إنجلترا
يبين الرسم البياني أدناه حصة القيمة المضافة الإجمالية للصناعات الإبداعية في بريطانيا بحسب كل صناعة.

وبناء على ذلك، فإن خدمات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والحاسوب بنسبة 31 في المئة، والفيلم والتلفزيون والفيديو والإذاعة والتصوير بنسبة 16 في المئة، والإعلان والتسويق بنسبة 13 في المئة، والنشر بنسبة 10 في المئة، والموسيقى والعروض والفنون البصرية بنسبة 9 في المئة، والعمارة بنسبة 3 في المئة، والمتاحف والمعارض والمكتبات بنسبة 0.8 في المئة، هي أبرز قطاعات الصناعات الإبداعية في بريطانيا، وسنفحص وضع بعضها على حدة في ما يلي.
الموسيقى:
تعد صناعة الموسيقى في بريطانيا ثالث أكبر سوق موسيقى في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وتسهم بنحو 6.7 مليار جنيه إسترليني سنويا في الاقتصاد البريطاني. وقد ضاعفت هذه الصناعة حصتها السوقية ثلاث مرات خلال الأعوام من 2010 إلى 2019، وتمكنت من توظيف 210 آلاف شخص يشكلون 0.6 في المئة من إجمالي الوظائف في بريطانيا.
ألعاب الفيديو:
أفادت وزارة الثقافة والإعلام والرياضة بأن خدمات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والحاسوب، التي تشمل أيضا ألعاب الفيديو، حققت عام 2022 قيمة مضافة إجمالية قدرها 53.4 مليار جنيه إسترليني للاقتصاد البريطاني. ويعد قطاع ألعاب الفيديو في بريطانيا في الواقع أكبر قطاع في أوروبا.
النشر:
وقد حققت صناعة النشر في بريطانيا أيضا أداء ملموسا. ففي عام 2023 بلغت إيرادات هذه الصناعة 7 مليارات جنيه إسترليني للمرة الأولى، بزيادة 3 في المئة عن العام السابق. ويعد القطاعان الرقمي والتصديري أقوى قطاعات صناعة النشر البريطانية. وبلغت إيرادات سوق التصدير في هذا العام 4.4 مليار جنيه إسترليني بزيادة 4 في المئة. كما بلغت الإيرادات الرقمية 3.2 مليار جنيه إسترليني بزيادة 5 في المئة.
الفيلم والتلفزيون:
بريطانيا أكبر موقع لإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية خارج الولايات المتحدة، وقد جذبت عام 2023 نحو 3 مليارات جنيه إسترليني من الاستثمار المحلي في هذا القطاع. وقد حققت الاستوديوهات البريطانية الكبرى بعض أكبر نجاحات شباك التذاكر؛ ومنها وارنر براذرز التي وقعت عقودا طويلة الأمد مع أمازون ونتفليكس. وبلغت إيرادات شباك التذاكر البريطاني عام 2022 ما قدره 945 مليون جنيه إسترليني؛ أي زيادة بنسبة 57 في المئة عن العام السابق. كما بلغت صادرات البرامج التلفزيونية الدولية البريطانية في عامي 2022 و2023 ما قدره 1.85 مليار جنيه إسترليني، وهو رقم ملموس. وبصورة عامة تحولت صناعة السينما إلى مساهمة رئيسية في الاقتصاد البريطاني، ويتوقع أن تبلغ نموا بنسبة 50 في المئة حتى عام 2026.
خاتمة
شهدت الصناعات الإبداعية في بريطانيا نموا بنسبة 6 في المئة منذ عام 2019، وتستحوذ الآن على 5.7 في المئة من القيمة المضافة الإجمالية لهذا البلد. وقد توسع هذا القطاع في بريطانيا إلى حد أمكنه معه خلق فرص عمل لـ 2.4 مليون شخص. وتعد إنجلترا الآن ثالث أفضل اقتصاد إبداعي في العالم. وكان أحد أهم استراتيجيات بريطانيا في تطوير الصناعات الإبداعية إسناد هذا القطاع إلى إدارة الثقافة والإعلام والرياضة التي كانت تحمل سابقا اسم إدارة التراث الوطني. وهدفها زيادة التركيز على القطاعات المذكورة بوصفها جزءا من المشهد الثقافي والاقتصادي البريطاني. وقد استعرضنا في هذه المذكرة تاريخ وزارة الثقافة والإعلام والرياضة ومسار تطورها ووظائفها. ثم فحصنا وضع الصناعات الإبداعية في إنجلترا استنادا إلى الإحصاءات.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية