أي مؤسسة تتولى شؤون الثقافة في إيران؟

إيران1403 (2024/25)

تحظى الصناعات الثقافية والإبداعية باهتمام متزايد من صناع السياسات في بلدان مختلفة وتنمية اقتصاد الثقافة شاغل حكومات مختلفة في مجال الثقافة. وفي البلاد أيضا يحظى هذا الأمر بالاهتمام، من حيث إن الانشغال بالثقافة جزء لا يمكن إنكاره من جسم صنع السياسات في البلاد ولا سيما في المستويات العليا ومن جهة أخرى فإن شاغل إيجاد اقتصاد مستقل وداخلي المنشأ لميدان الثقافة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية للبلاد ووضع الميزانية جذاب للمسؤولين الحكوميين.

لكن البلاد تعاني وضعا غير مرغوب ومضطربا في حوكمة الصناعات الثقافية والإبداعية. ومن أخطر الأضرار الظاهرة في هذه الحوكمة «تعدد الجهات الوصية»؛ فنحن نواجه مؤسسات متعددة تدعي صنع السياسات الحصري في مجال الصناعات الإبداعية، من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي إلى وزارة الصناعة والمناجم والتجارة ومعاونية الشؤون العلمية والتكنولوجية لرئاسة الجمهورية!

وإلى الضرر المذكور أضيفوا مسألة اضطراب الميزانية الثقافية للبلاد. وقد أفيد أن الميزانية الثقافية للبلاد في عام 1402 هـ.ش (2023/24) بلغت 74 ألف مليار تومان وتعادل تقريبا 3 في المائة من إجمالي ميزانية 1402 هـ.ش (2023/24). وإن كانت الميزانية الثقافية تواجه تقريبا كل سنة ملابسات متعددة وتطرح أسئلة في الفضاء العام حول كيفية إنفاق هذه الميزانية. لكن السؤال المطروح في محله هو: تنظيم هذا المصدر الرئيس لاقتصاد الثقافة في إيران وزيادة إنتاجيته بيد أي مؤسسة وصية ومركزة؟ أليس جديرا أن ينظم وضع هذا الموضع الاستراتيجي العاجز لتمويل ميدان الثقافة والفن؟ فضلا عن أنه في موارد مثل المقررات الأخيرة لإلزام الأجهزة بتخصيص نسبة مئوية من ميزانيتها لمجال الثقافة تطرح مسألة أيضا.

وفي ظروف نحتاج فيها إلى تحول وتقدم محسوس في هذا المجال، يلحق هذا التجزؤ في حوكمة ميدان الصناعات الثقافية والإبداعية الفتي نسبيا ضررا جديا بهذا الميدان الاستراتيجي للثقافة. ويبدو هذا الوضع أكثر أسفا حين نلتفت إلى البرنامج الجدي والمركز للبلدان الأخرى، ولا سيما البلدان المجاورة والإقليمية، بشأن تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية.

البلدان الناجحة في الاقتصاد البرتقالي

نشير هنا إلى بضعة بلدان ناجحة في اقتصاد الثقافة والإبداع (المعروف بالاقتصاد البرتقالي):
  • كوريا الجنوبية: وفقا لتقرير الأونكتاد في عام 2022، كوريا الجنوبية عاشر أفضل اقتصاد إبداعي في العالم بين «البلدان المتقدمة».

أي مؤسسة تتولى ثقافة إيران؟

ووكالة المحتوى الإبداعي الكورية إحدى أهم مؤسسات الاقتصاد الإبداعي لهذا البلد. وقد أدت هذه الوكالة، التي تأسست منذ عام 2009 الميلادي، بالتركيز على عموم ميادين المحتوى مثل الموسيقى والرسوم المتحركة والأزياء وألعاب الفيديو، دورا كبيرا في الانتشار العالمي لهاليو أي موجة الثقافة الكورية. كذلك استخدمت الوكالة المذكورة في اتجاه مهمتها استخداما خاصا لطاقة الشركات الناشئة والتكنولوجيات الحديثة.

  • إنجلترا: وهذا البلد أيضا بوصفه البلد الثالث في التصنيف المذكور، مستهدفا التحول إلى مركز الإبداع في العالم، استخدم طاقة «دائرة الثقافة ووسائل الإعلام والرياضة» لديه لتحقيق هذا الأمر. وتضطلع وزارة شؤون وسائل الإعلام والسياحة والصناعات الإبداعية التابعة لهذه الدائرة بمتابعة الأهداف الوطنية لإنجلترا في الفروع المختلفة للصناعات الثقافية والإبداعية.
  • الصين: ويقع هذا البلد في المرتبة الثانية للاقتصاد الإبداعي للبلدان النامية. وقد تابع هذا البلد، بوضع حوكمة صناعاته الثقافية تحت وصاية وزارة الثقافة، مجموعة إجراءات لتنمية صناعاته الثقافية والإبداعية. ومن هذه الإجراءات تأسيس صندوق استثمار صناعة الثقافة في الصين.

  • السعودية: وقد عرف هذا البلد بوصفه ثامن أفضل اقتصاد إبداعي بين البلدان النامية. وتأسيس هيئة الترفيه العامة في السعودية الإجراء المهم لهذا البلد للمضي في حوكمة صناعاته الثقافية والإبداعية. وقد شكلت هذه الهيئة في عام 2016 وفي اتجاه رؤية 2030 للنظام الملكي السعودي وعددت تعزيز الأنشطة والاقتصاد المتعلقين بالترفيه والتسلية من رسالاتها.
  • الإمارات العربية المتحدة: والبلد الثالث في القائمة الأخيرة هو الإمارات العربية المتحدة. وقد أوكلت مهمة متابعة تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات إلى مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة والشباب في هذا البلد. والمؤسسة المذكورة التي تعرف في هيكل هذه الوزارة بعنوان «المساعد الخاص لنائب الوزير لشؤون الصناعات الثقافية والإبداعية» تشمل هي نفسها ثلاثة أركان: إدارة تنظيم الصناعات الثقافية والإبداعية، وإدارة ترويج الصناعات الثقافية والإبداعية الوطنية، وإدارة الاقتصاد الإبداعي. ومسألة الصناعات الثقافية والإبداعية جدية ومحط عناية حكومة الإمارات إلى حد أنها نصت عليها أيضا في مهمة وزارة الثقافة والشباب. وإلى جانب ذلك أعدت في هذا الاتجاه برنامجا استراتيجيا برؤية عشر سنوات (لعام 2031 الميلادي) بهدف تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية.

الحل السياسي التنفيذي:

إيجاد مؤسسة دافعة قوية لحوكمة اقتصاد الثقافة والإبداع:

وكما ذكر في النماذج العالمية المشار إليها، عمد كثير من البلدان الرائدة بإيجاد مؤسسة مركزة ودافعة إلى تنمية صناعاتها الثقافية والإبداعية. ومن ثم بالنظر إلى هذه التجارب العالمية الناجحة وكذلك ضرورة رفع تحدي الاضطراب وتعدد الجهات الوصية على الصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد، فلنسع إلى إيجاد مؤسسة واحدة بوصفها مرجعا ووصيا دافعا لهذا المجال الاستراتيجي والتنافسي. ويمكن أن تحصل هذه المؤسسة طاقة تنظيم موارد اقتصاد الثقافة وزيادة إنتاجيتها، ومنها الميزانية الثقافية للبلاد والميزانية الناشئة عن مقررات الإلزام بالإنفاق الثقافي من الأجهزة وكذلك الميزانية الحاصلة من أداء المسؤولية الاجتماعية للشركات.

لكن ما السمات التي ينبغي أن تكون لهذه المؤسسة الدافعة؟

  • الرشاقة: وينبغي أن تملك هذه المؤسسة الرشاقة اللازمة لأداء دور الدفع للتحول في الحوكمة المقصودة، وأن تكون بمنأى عن الخمول والبطء لكثير من مؤسسات صنع السياسات الثقافية القائمة في البلاد.
  • المكانة المناسبة في الهيكل الإداري والسياسي للبلاد: وينبغي أن يكون لهذه المؤسسة مكانة وصلاحيات مناسبة في النظام الإداري والسياسي للبلاد حتى تملك بالاعتماد عليها القوة اللازمة في المضي بإدارة شؤون هذا المجال المتخصص.
  • إمكان النشاط والتفاعل بين الأجهزة: وينبغي أن تتمتع هذه المؤسسة بالمرونة اللازمة وإمكان التفاعل مع الأجهزة وأصحاب المصلحة المختلفين في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية حتى تؤدي باتخاذ مقاربة شبكية إلى الحوكمة المذكورة دورا بوصفها محور هذه الشبكة.
  • الطبيعة الثقافية والإبداعية: وينبغي أن تكون طبيعة هذا الجهاز، ولا سيما موارده البشرية وطبقاته الإدارية المختلفة، ثقافية وإبداعية حتى يظهر فعلا جهازيا مناسبا تجاه النظام البيئي للصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد. وإن كانت هذه الطبيعة الثقافية لا تعني إنكار ضرورة وجود مقاربات أخرى، ولا سيما المقاربة الاقتصادية، في هذا الجهاز.

وفي الختام، مقترح جدير بالطرح والتأمل هو الإفادة من نموذج «معاونية العلم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة لرئاسة الجمهورية» لإيجاد المؤسسة الدافعة المذكورة. ولعل الإفادة من هذا النموذج -الذي اعترف أشخاص من مشارب سياسية مختلفة بأن له نجاحات ملموسة- لإيجاد مؤسسة مماثلة، بعناوين مثل «معاونية الثقافة والاجتماع والاقتصاد القائم على الثقافة» وذلك تحت النظر المباشر لرئاسة الجمهورية ليست خالية من الفائدة. وفي الحقيقة يمكن أن يلبي إيجاد منظمة كهذه بهذا الوضع المشابه للمعاونية العلمية كثيرا من السمات اللازمة للمؤسسة الدافعة، إلى جانب أن يشكل تعاونا شبكيا مع سائر المؤسسات ذات الصلة ومنها المجلس الأعلى للثورة الثقافية ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، كما أقامت المعاونية العلمية مثل هذه النسبة مع المجلس الأعلى للثورة الثقافية ووزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا.

 

الكاتب: محمد حسين شفيع خاني

رابط مختصر: nmfr.ir/dpv

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا