مراجعة الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية

إيران1403 (2024/25)

الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية نظام أساسي صيغ بهدف تنظيم ثقافة الموسيقى في البلاد وحفظها والارتقاء بها على أساس القيم الإسلامية والإيرانية. وقد أقرت هذه الوثيقة في عام 1402 هـ.ش (2023/24) في المجلس الأعلى للثورة الثقافية وأبلغها السيد إبراهيم رئيسي -رئيس المجلس الأعلى للثورة الثقافية آنذاك- للتنفيذ إلى الوزارات والمؤسسات المعنية ومنها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) والحوزة الفنية للثورة الإسلامية ومكتب الإعلام في حوزة قم العلمية ومركز إدارة الحوزات العلمية ومجلس الفن في المجلس الأعلى للثورة الثقافية وأمانة المجلس الأعلى للثورة الثقافية. وسنستعرض في المذكرة الآتية هذه الوثيقة ونفحص بنظرة نقدية نقاط ضعفها وقوتها حتى نصل إلى تقييم متوازن للوضع الحالي والمجالات الكامنة لتحسينها.

مراجعة الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية

 مراجعة كلية للوثيقة الوطنية للموسيقى

وقد صيغت الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية في 8 أقسام تشمل مقدمة وسبع مواد.

تنزيل ملف الوثيقة الوطنية للموسيقى 

وقد تناول قسم المقدمة فلسفة الفن والموسيقى من منظور خطاب الثورة الإسلامية ومكانتها في الحضارة الإسلامية. كذلك صرح، مع تقديم تشخيص موجز لوضع الموسيقى الحالي، بضرورة تصميم إطار سياسي وتنفيذه.

وتناولت المادة الأولى مباني الوثيقة وقيمها ومبادئها. فتوجه الفن وكون الموسيقى ذات هدف وقدرات الموسيقى ووظائفها وجاذبية الموسيقى ونفوذها العميق ومعرفة الموسيقى في الفقه من المسائل التي فحصت باختصار في هذا القسم وأكد لزوم الالتفات إليها.

وتناولت المادة الثانية بيان أهداف الوثيقة. وتشمل هذه الأهداف جميع وجوه أمر الموسيقى من السياسي إلى الثقافي والمعنوي والاقتصادي والاجتماعي.

وتناولت المادة الثالثة تحت عنوان المسائل التحديات القائمة في ميدان الموسيقى.

وبينت المادة الرابعة السياسات الكلية للوثيقة الناظرة إلى آفاق الثورة الإسلامية والثقافة الإيرانية.

وعددت المادة الخامسة في خمسة عشر بندا الإجراءات اللازمة لحل المسائل القائمة وتحقيق الأهداف في اتجاه السياسات الكلية.

وبينت المادة السادسة الأنشطة التنفيذية والمادة السابعة المتطلبات التنفيذية تلويحا. وقد أسندت المسؤولية التنفيذية لهذه الوثيقة إلى لجنة بعنوان «المقر التنفيذي لموسيقى البلاد». ورئاسة هذه اللجنة على عاتق معاون الشؤون الفنية لوزير الثقافة والإرشاد الإسلامي وأعضاؤها هم المدير العام لمكتب الموسيقى في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ومدير مكتب الموسيقى في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) ومدير مكتب الموسيقى في الحوزة الفنية وممثل مكتب الإعلام الإسلامي وممثل حوزة قم العلمية ورئيس دار الموسيقى.

نقاط قوة الوثيقة

تسخير الفن للدين

وتسود هذه الوثيقة نظرة قدسية إلى الفن وتحديدا إلى أمر الموسيقى. وبعبارة أخرى تعد الوثيقة الوطنية للموسيقى في إيران الفن لا لذات الفن بل أداة في خدمة الدين. وبصرف النظر عن تأييد هذه الفلسفة أو ردها، فإن قبولها في بلد مثل إيران يقف اليوم على مفترق التقليد والحداثة يمكن أن يكون له أثران.

أولهما أنه في السنوات بعد الثورة الإسلامية كان الفقه التقليدي دائما تحديا جديا في مسار موسيقى إيران. فمثلا رغم أن الإمام الخميني وقائد الثورة أيضا كان لهما نظرة مرنة إلى أمر الموسيقى ولم يصدرا أي فتوى ناظرة إلى حرمته المطلقة، فإن عرض أي آلات موسيقية خلال العقود الماضية في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) للجمهورية الإسلامية كان محظورا. وقد ذمت هذه الوثيقة، بالتأكيد على البعد الإلهي للموسيقى ومراعاة فرصها المرتقية، وبالإشارة إلى شخصيات إيرانية كبيرة مثل الفارابي والمولوي وابن سينا الذين كانوا أصحاب رأي في باب الموسيقى أيضا وكذلك بالإحالة إلى فتاوى قادة الثورة، كل مطلقية ونظرة صفر-واحد إلى الموسيقى، وردت النظريات التي تعد الموسيقى شرا في ذاتها. ودعوة المتخصصين في الدين إلى تجديد الفكر في باب الموسيقى في هذه الوثيقة يمكن أن تجعل من الفقه الإسلامي لا عائقا بل سندا لموسيقى إيران.

لكن لهذه العملة وجها آخر وهو إمكان تدخل الذوق وسلب الحرية الفنية. ورغم أنه بحسب المادة السادسة للوثيقة قد وضع على جدول الأعمال إعادة النظر في نظام منح التراخيص ومنع تدخل الشخصيات الحقيقية والاعتبارية فما الضمان التنفيذي لذلك؟ وفي ظروف يوجد حتى بين الفقهاء تضارب آراء كثير في باب جواز بعض المصاديق أو عدم جوازها، فإن اتخاذ الفقه أساسا من دون تقديم معايير شفافة يترك للأفراد يدا واسعة إلى حد كبير لإعمال الذوق. ولذلك من الضروري الاجتناب قدر الإمكان عن التعميم واستخدام جمل ومفردات مبهمة، وأن تصاغ بمعاونة جمع من الفقهاء والعلماء وخبراء الدين معايير واضحة.

الالتفات إلى الموسيقى الأصيلة الإيرانية وكنز الشعر الفارسي

الموسيقى التقليدية الإيرانية والشعر الفارسي متشابكان منذ قرون. وقد جعل تناسب المقامات الموسيقية الإيرانية مع الشعر الفارسي الكلاسيكي هذين لا يعكسان قدرات بعضهما فحسب بل يستطيعان أن يساعدا على غنى بعضهما. لكن تغير أسلوب حياة الناس وما تبعه من تغير احتياجاتهم الموسيقية، وزيادة التنوع في الأساليب الموسيقية، وتغير ذائقة الناس ولا سيما الأجيال الجديدة من العوامل التي تشدد خطر إضعاف الموسيقى التقليدية الإيرانية. ومن أهم نقاط قوة الوثيقة الوطنية للموسيقى معرفة قدر هذا التراث الإيراني العريق ووضعه في الأولوية بوصفه قدرة ثقافية. وفي المادة السادسة طرحت أنشطة تنفيذية مختلفة لدعم الموسيقى التقليدية والإفادة من كنز الشعر الفارسي العريق، ومن أهم بنودها يمكن ذكر «تخصيص أثير الشبكات التلفزيونية الوطنية للموسيقى الإيرانية والطقسية والمحلية».

الالتفات إلى ضرورة تعليم الموسيقى في الأعمار الأساسية

من الأضرار الشائعة في صنع السياسات الثقافية اتخاذ نهج ثوري بمعنى تمرد مفاجئ لإحداث تغيرات واسعة مما لا يمكن تحقيقه عمليا ولن تكون النتائج إن حصلت مستدامة. وإدراك أن ذائقة الناس الموسيقية لا تتشكل خلال سنة وسنوات بل خلال سنوات طويلة وبأقصى ما يكون من البطء وأن تغيرها أيضا سيكون بالقدر نفسه مستغرقا للوقت وبطيئا يساعد على أن نصمم مسارا أكثر عقلانية وأقل تكلفة وأكثر كفاءة. ومن نقاط قوة هذه الوثيقة التي تشكلت نتيجة نظرة جذرية وطويلة الأمد الإشارة إلى تعليم الموسيقى في رياض الأطفال ومرحلة ما قبل المدرسة والمدارس. وعلى نحو كلي تناولت هذه الوثيقة في بنود متعددة الدعم المادي والمعنوي للتعليم في أعمار مختلفة من الطفولة إلى الرشد في مؤسسات رسمية متنوعة من رياض الأطفال إلى الجامعة.

الالتفات إلى الموسيقى المحلية

لعل كثيرا منا نحن الإيرانيين ما زلنا لا نستطيع أن نميز اللغة اللرية من بعض اللغات المحلية الأخرى لكننا نتذكر حتما أغنية «بارو بارو بارونه هي» التي كنا نسمعها في عقد الثمانينيات الهجري الشمسي (2001–2011) من هوائيات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) ونعلم جيدا أنها تنتمي إلى قوم اللر الشريف. وإذا كنا واقفين على أهمية اللغات المحلية بوصفها سندا للغة الفارسية فإننا ندرك أيضا أهمية الموسيقى المحلية مضاعفة. فالموسيقى المحلية يمكن أن تكون بمعنى بطاقة هوية لقوم ووعاء لحفظ لغتهم. ومن جهة أخرى يمكن أن تكون أداة للتفاعل مع سائر الأقوام مما يساعد على قوام الثقافة وتماسك المجتمع. ولم يخرج جامعو الوثيقة الوطنية للموسيقى، بإدراكهم هذا الأمر، الموسيقى المحلية من دائرة التفاتهم وتناولوا في بنود دعمها.

الالتفات إلى ضرورة التفاعل الدولي

وللكلام في باب أهمية التفاعل الدولي في ميدان الموسيقى لا مناص من الإشارة إلى ظاهرة كي-بوب. وتظهر تجربة كوريا الجنوبية الناجحة كيف يمكن أن يبسط إدراك أهمية التفاعلات الدولية ومقتضياتها الحدود الثقافية لبلد في أنحاء العالم. فكل بلد يحلم بفتوحات ثقافية في العالم سيحتاج لا محالة إلى أداة الموسيقى. وقد راعت الوثيقة الوطنية للموسيقى في الجمهورية الإسلامية أيضا، بالنظر إلى آفاقها الثقافية، هذا الأمر وتناولت دعم إقامة الفعاليات الدولية. كذلك أشارت في هذا الاتجاه إلى دعم عروض الفنانين في مقاصد السياحة والسياحة البيئية.

مراجعة الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية

نقاط الضعف

عدم الالتفات الكافي إلى أهمية الشكل في الفن

التأكيد المؤكد على عناصر مثل صناعة الإنسان والنزعة المعرفية والنزعة الحكمية ومحورية الأخلاق، وفي عبارة واحدة وضع كل عبء التعليم والتربية على كاهل الموسيقى النحيل مما يرى في أنحاء الوثيقة، من دون التفات إلى الرهافات الفنية، يمكن أن يؤدي بنفسه إلى ابتذال الموسيقى. وتعامل الفن أكثر مما يكون مع التدبير والتفكير هو مع ملكة الجمال. فالفن يخلق ليحرك الإحساس لا ليبرر المنطق لزوما. والفن لا يعظ مباشرة بل يهيئ ضمير الإنسان لقبول الموعظة. ومع ذلك ليس خاليا من المعنى قط بل هو كله رمز وغموض. وينبغي ألا نخلط المغني بالواعظ والمنصة بالمنبر. وبنظرة إلى الأعمال الفنية المنتجة خلال السنوات الأخيرة من قبيل الأغاني والأناشيد والمراثي و... نرى كيف يمكن أن يجر تفضيل المحتوى على الشكل، وذلك لنوع خاص من المحتوى فحسب، الفن إلى حضيض الابتذال. وبعبارة أخرى الشكل الضعيف لا يستطيع أن يكون مركبا مناسبا لنقل محتوى غني فحسب بل يذبح حتى أسمى المفاهيم. ولذلك من الضروري أن يلتفت في صنع السياسات وبيان المعايير المقصودة، بموازاة المحتوى، إلى ضرورة متانة الشكل أيضا.

تجاهل الاحتياجات الموسيقية للمجتمع

ومن جهة أخرى فإن التأكيد والتركيز على نوع خاص من المحتوى، من دون التفات إلى سائر المحتويات التي يحتاجها المجتمع، سيكون مقيدا من حيث تنوع أسلوب الموسيقى أيضا. ففي المادة 4 تحت عنوان السياسات الكلية لم ينظر إلا إلى موسيقى مستوى الثورة الإسلامية (موسيقى قائمة على العلم والحكمة وخطاب الإسلام الخالص ومواجهة الغزو الثقافي في مجال الموسيقى) مما يعني بهذا التعريف أن طيفا واسعا من الأنواع والأساليب الموسيقية لن يكون له مكان في السياسات الكلية للحكم وسيواجه فنانونها مشكلات عديدة. ورغم أنه قيل في البند الأول من الوثيقة إن اسم أسلوب الموسيقى لا يمكن أن يكون معيار تقييمها فإن فحوى الوثيقة تتعارض مع هذه القضية. لأن المحتوى الديني والقيمي يقتضي بطبيعة الحال أسلوبه المناسب وستبقى سائر الأساليب لا محالة بلا استخدام. وفضلا عن ذلك، لماذا لا ينبغي أن يكون لمحتوى غير المحتوى الديني والقيمي مكان في معادلات واضعي الوثيقة؟ وهل وظيفة المحتوى في الموسيقى محصورة في المجال التعليمي فحسب؟

وينبغي التدقيق في أن الكلام ليس عن موسيقى غير سامية بل عن تنوع الحاجة. فكما لا نستطيع أن نقول إن الشعر السامي هو لزوما شعر الأسلوب التعليمي، لا نستطيع أن ندعي مثل ذلك في باب الموسيقى أيضا. فالأفراد عند الفرح والحزن والحب أو تجربة أي حس آخر وكذلك بحسب المناسبات المختلفة سيلجأون إلى الشعر والموسيقى. ولذلك إذا كان الهدف الارتقاء بموسيقى إيران وتنمية ذائقة الجمهور فلا ينبغي، بالتركيز على أسلوب ومحتوى مخصوصين، أن يغفل عن سائر الاحتياجات الموسيقية للمجتمع مما يساوي تجاهل قسم كبير من القدرات الكامنة.

عدم تناول تحديات الملكية المعنوية

ومن أكبر التحديات القائمة في صناعة الموسيقى في إيران ضعف القوانين والآليات المتعلقة بالملكية المعنوية مما أغفل في هذه الوثيقة. وتصاغ قوانين حق المؤلف لحماية حقوق المبدعين ومنع التوزيع غير المصرح به لأعمالهم. وفي إيران قوانين حق المؤلف قديمة وضعيفة وغير كافية مما أضعف الإمكان الاقتصادي والثقافي وآليات الابتكار وأعاق نمو صناعة الموسيقى. وفي الوثيقة الوطنية للموسيقى رغم التأكيد باختصار على لزوم حفظ حقوق الفنانين لم يقدم أي إجراء بهدف تحقيق ذلك. وطبعا حل مشكلة الملكية المعنوية في إيران يحتاج إلى نهج متعدد الجوانب يشمل إصلاحات قانونية ودعما مؤسسيا وتوعية عامة.

وعلى هذا الأساس يقترح أولا أن يلتفت إلى لزوم تصميم إطار قانوني لدعم حق المؤلف في الموسيقى. وبعبارة أخرى يلزم تقديم تعريفات واضحة للحقوق والالتزامات والإجراءات والمتطلبات التنفيذية والعقوبات في حال الانتهاك.

وثانيا أن يلتفت إلى الدعم المؤسسي لصون حقوق الفنانين. ففي بلدان كثيرة أنشئت منظمات لحماية الملكية المعنوية. ويمكن لهذه المنظمات أن تتعاون عن قرب مع الحكومة لتنقل احتياجات مجتمع الموسيقى وقلقها بهدف الالتفات إليها في صنع السياسات. كذلك تسهل عملية الحصول على الترخيص وتلقي حق الامتياز للفنانين. وإنشاء مثل هذه المنظمات في إيران يمكن أن يعزز البعد الدولي للموسيقى الإيرانية أيضا. وفي الواقع ضعف قانون حق المؤلف وغياب مثل هذه المؤسسات أعاق النمو العالمي للموسيقى الإيرانية. لأن في سوق الموسيقى العالمية دعما قويا لحق المؤلف مهم جدا للتعاون والتوزيع والإعلان. وعندما يرى الفنانون والمنتجون والموزعون الأجانب إيران ضعيفة في إنفاذ معايير حق المؤلف ينصرفون عن التفاعل مع الفنانين الإيرانيين. وهذا الأمر يحرم فرص الفنانين الإيرانيين للوصول إلى جمهور دولي والمشاركة في التبادلات الثقافية.

وزيادة التعاون الدولي مثل الانضمام إلى معاهدات الملكية المعنوية والتعاون مع منظمات عالمية مثل المنظمة العالمية للملكية الفكرية يمكن أن يساعد على سد الثغرات القائمة ويضع أمام فناني إيران فرصا للوصول إلى الأسواق العالمية.

والسعي للتوعية العامة بضرورة دعم حق المؤلف مهم أيضا. فما زال كثير من الإيرانيين لا يملكون إدراكا كاملا لأثر السرقة الأدبية والتوزيع غير القانوني على صناعة الموسيقى ومعيشة الفنانين. وإقامة حملات تعليم عام يمكن أن تبرز قيمة الملكية المعنوية في المجتمع وتشجع الجمهور على الاستخدام القانوني للموسيقى. ويمكن للمدارس والجامعات ووسائل الإعلام أن تؤدي دورا مهما في هذا المجال.

عدم إدراك ضرورات العالم الرقمي

«الوقاية المستمرة من الأضرار والجرائم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحتملة في هامش الموسيقى بنظرة خاصة إلى الفضاء الإلكتروني». هذا البند الوحيد الموجود في الوثيقة الوطنية للموسيقى الذي ألقى نظرة جانبية إلى الفضاء الرقمي؛ وذلك أيضا بنظرة سلبية وتشخيصية. وفي الواقع استخدام لفظ «افتراضي» عن وسط يجري فيه اليوم قسم عظيم من العيش الحقيقي للبشر يدل وحده على مدى عجز بعض صناع السياسات عن إدراك ضرورات عصرهم. كيف يمكن الكلام عن التبادل الثقافي والآفاق الدولية من دون تناول وجوب الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي حتى في بند واحد؟ وعلى الفرض أن الفنانين الإيرانيين يستطيعون إنتاج أسمى الأعمال الموسيقية وفق التعريفات والمثل المقدمة في الوثيقة الوطنية؛ ففي أي وسط ستعرض؟ وبأي أداة ستصدر إلى العالم؟ وتجاهل مثل هذا الموضوع النابع من طموحات غير واقعية وإنكار مقتضيات الزمن يتم في حين أن معظم دخل صناعة الموسيقى في العالم اليوم حاصل عبر التيارات الرقمية.

وتواجه صناعة الموسيقى في إيران الآن كثرة من المشكلات الرقمية الناشئة عن هذا الإغفال نفسه في صنع السياسات الثقافية.

ومن علل ضعف الملكية المعنوية في إيران التي تناولناها سابقا فقدان أنظمة إدارة الحقوق الرقمية (DRM). فغياب مثل هذه الآلية يسهل نشر المحتوى غير القانوني على منصات مختلفة. ومن جهة أخرى تواجه منصات موسيقى كثيرة منتشرة في العالم مثل Spotify وSoundCloud وDeezer وYouTube و... في إيران مشكلة الحجب أو العقوبات مما يقيد وصول الفنانين الإيرانيين إلى الجمهور العالمي ويسلبهم إمكان تحقيق دخل ملحوظ ويسوق أخيرا الفنانين والجمهور إلى منصات لا التزام لها بحق المؤلف. وتقيد رؤية الفنانين وانخفاض جودة أعمالهم من سائر عواقب هذه المسألة. لأن منصات الموسيقى أداة مهمة لتحليل الجمهور والتواصل معهم لدى الفنانين.

ولذلك من الضروري أن يحدد صناع السياسات، بنظرة إيجابية إلى الإنترنت والفضاء الرقمي وإدراك قدراته الواسعة، التحديات القائمة وأن يفكروا في حلول لها.

كلام أخير

الوثيقة الوطنية للموسيقى في جمهورية إيران الإسلامية نظام أساسي صيغ بهدف تنظيم ثقافة الموسيقى في البلاد وحفظها والارتقاء بها على أساس القيم الإسلامية والإيرانية. وقد أقرت هذه الوثيقة في عام 1402 هـ.ش (2023/24) في المجلس الأعلى للثورة الثقافية وأبلغها السيد إبراهيم رئيسي -رئيس المجلس الأعلى للثورة الثقافية آنذاك- للتنفيذ إلى الوزارات والمؤسسات المعنية. وفي هذه المذكرة استعرضنا أولا الوثيقة المذكورة استعراضا كليا ثم فحصنا نقاط قوتها وضعفها. وتسخير الفن للدين والالتفات إلى الموسيقى الأصيلة الإيرانية وكنز الشعر الفارسي والالتفات إلى ضرورة تعليم الموسيقى في الأعمار الأساسية والالتفات إلى الموسيقى المحلية والالتفات إلى ضرورة التفاعل الدولي من جملة ما طرح بوصفه نقاط قوة الوثيقة. وعدم الالتفات الكافي إلى أهمية الشكل في الفن وتجاهل الاحتياجات الموسيقية للمجتمع وعدم تناول تحديات الملكية المعنوية وعدم إدراك ضرورات العالم الرقمي فحصت أيضا بوصفها نقاط ضعف الوثيقة.

 

رابط مختصر: nmfr.ir/zm2

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا