ازدهار ملحوظ في سوق السياحة البيئية حتى عام 2035

عالميالسياحة1403 (2024/25)

تنافي السياحة في كثير من المواضع الاقتصاد المستدام. ذلك أن كثرة السياح تعني ترك كميات هائلة من النفايات، وإمكان وقوع حرائق في الغابات، والتلوث الضوضائي وأنواع الأضرار بالنسيج الجغرافي والثقافي لمنطقة. ومن أجل هذا يبحث السياح في السنوات الأخيرة عن أساليب سفر تتسق مع قيم الاستدامة وحماية البيئة. وهم يريدون أن يتركوا أقل ضرر وأثر لأنفسهم في منطقة؛ كأنهم ليسوا مسافرين بل أعضاء محليون في منطقة وتلك المنطقة ليست مقصدا سياحيا بل بيتهم وموطنهم. وهذه الفكرة المحورية لمفهوم «السياحة البيئية» التي نعتني بها في المذكرة الحاضرة. وتسعى السياحة البيئية إلى تحقيق السياحة في منطقة على نحو لا يلاحظ أحد في النظرة الأولى حضور السياح في تلك المنطقة. وبهذا النحو تتحمل الثقافة المحلية والطبيعة المحلية لتلك المنطقة أقل ضرر من حضور المسافرين.

ما السياحة البيئية؟

وتعرف الجمعية العالمية للسياحة البيئية (TIES) السياحة البيئية أو الإيكوتوريزم بأنها سفر مسؤول يعتني بحفظ البيئة ويحسن رفاه الناس المحليين. ويستلزم هذا الأمر تعليما متخصصا لسياح البيئة قبل الدخول إلى أي محل. وأماكن السياحة البيئية ليست عادة بؤرة كل سياحة؛ أي خلافا للسياحة الجماعية التي يسافر فيها عدد وفير إلى مقصد معين، فإن السياحة البيئية على مقياس صغير بأقل ضرر للبيئة الطبيعية. فضلا عن أن لهذه السياحة مزايا ومنافع جانبية أخرى أيضا، للفرد السائح وللناس المحليين. فمثلا تجلب منافع مالية مباشرة للمجتمعات المحلية، وترقي الوعي الثقافي والبيئي وتزيد بنقل التجربة بين الأهالي والسياح حس التكامل والارتباط الاجتماعي.

تاريخ السياحة البيئية

ويرى بعضهم أن كلمة الإيكوتوريزم استخدمت لأول مرة في عام 1980 من فرد يدعى سبالوس لاسكورين. وهو الذي صار بعد سنة مؤسسا للجمعية المكسيكية لحفظ الطبيعة وأبرز الوجوه بين المنظمات غير الحكومية (NGO)، وكان يعد السياحة البيئية معادلة لسفر يجري لفحص الطبيعة ودراستها والتمتع بها والتعرف على ثقافة الناس المحليين لكل منطقة. وقد كان سنوات مستشارا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ومنظمة السياحة العالمية (UNWTO). ومنذ ذلك الحين انضم كثيرون إلى حركة الإيكوتوريزم؛ ومنهم ميغان أبلر وود عالمة أحياء الحياة البرية وراسل ميترماير الذي هو الآن رئيس منظمة الحفظ الدولية وتوماس لافجوي الذي يذكر بلقب «الأب الروحي للتنوع البيولوجي».

وقد ذكرت مارتا هاني -الصحافية والمؤرخة- في مقابلة في مؤتمر تدوين مدونات السفر في كانكون بالمكسيك (2014)، حفظ الأفكار المحورية للإيكوتوريزم واستمرارها من 1980 حتى الآن؛ أي حفظ الطبيعة واحترام الناس المحليين. «فحركة الغذاء البطيء (Slow Food)، والزراعة العضوية، والسفر الإيثاري، والقلق بشأن الاتجار بالأطفال والاستغلال الجنسي لهم، والتجارة العادلة، وتعويض آثار البصمة الكربونية ورفاه الحيوان كلها فروع وتشعبات للإيكوتوريزم». فضلا عن أننا شهدنا رموزا لا تحصى لحضور الإيكوتوريزم؛ من جوناثان تورتلوت المدير التنفيذي لمركز Destination Stewardship – مركز غير ربحي وقفي للسياحة المستدامة- وجيف غرينوالد مؤسس السفر الأخلاقي حتى مؤسس التصميم الاقتصادي Hitesh Meta.

الأنواع المختلفة للسياحة البيئية

وتشمل السياحة البيئية أنشطة مختلفة نشير في هذا القسم إلى بعض أهمها.
  • مشاهدة الحياة البرية: مثل السفاري وملاجئ الحياة البرية، واستكشاف موائل الطيور، ...
  • الهايكينغ والتريكينغ: رياضات المشي الطويل في الطبيعة؛ فالحديقة الوطنية لجبال سموكي في أمريكا بأكثر من 800 ميل من مسارات المشي وجبل مون بلان على حدود بلدي فرنسا وإيطاليا بـ 170 كيلومترا مقصدان مثاليان للسياح.
  • الإيكوتوريزم البحري: مثل الغوص والسنوركلينغ ومشاهدة الحيتان والدلافين. وSmiling Seahorse شركة غوص متخصصة لقضاء العطل في جزر سيميلان بتايلند تتخذ سياسة مسؤولة فلا تستخدم في القوارب سوى منتجات متوافقة مع البيئة.
  • الإيكوتوريزم المجتمعي: وفي هذا النوع من الإيكوتوريزم تتعرفون على ثقافة الناس المحليين وتقدرونها؛ فمثلا تشاركون في مراسمهم التقليدية، وتشترون حرفهم اليدوية، وتصغون إلى قصصهم،... .
  • إيكوتوريزم الإثارة: ممارسة رياضات الإثارة مثل ركوب الكاياك والزيبلين (البندسره) أو ركوب الدراجة؛ والسفر إلى الصحارى والمناطق القاحلة وغيرها. فمثلا تهيئ الحديقة الوطنية في كوستاريكا وشبه جزيرة بيليون في اليونان بيئة مثالية لتجربة ركوب الكاياك؛ بشرط ألا تتركوا أثرا لأنفسكم على الطبيعة!
  • جولات التصوير: وقد قدم الباحثون تعليمات لـ «التصوير المسؤول» أي من دون أي أثر سلبي وإخلال بالبيئة؛ ومنها: حفظ مسافة كافية مع الموضوعات، واستخدام زوم الكاميرا وعدم اتخاذ الحيوانات طعما.
  • الأنشطة التطوعية: تهيئ الأنشطة التطوعية في تركيبها مع السفر للسياح فرصة ألا يكونوا ناظرين إلى البيئة فحسب، بل أن يكون لهم دور فاعل في حفظها وإحيائها أيضا. ويمكن للسياح بالمساعدة في بناء البيوت أو المدارس، ومساعدة الفقراء، وحفظ الحياة البرية المعرضة للخطر، وتنظيف البيئة، أن يتركوا أثرا كبيرا عليها. غير أن السياح قد لا يكونون كثيري المعرفة بواقع حياة المجتمعات المحلية ويتصورون مسائلها أبسط وأهون مما ينبغي أو حتى يجعلونهم مفرطي التبعية إليهم. وينبغي تجاه هذه الإنذارات وما شابهها بالتعليم الأكثر أن نكون يقظين وواعين.

أفق مشرق وصاعد لسوق السياحة البيئية

وبالنظر إلى الشروح التي قدمت، ساق الميل المتزايد للسياح إلى مواجهة ذات معنى مع الثقافات والبيئات والمجتمعات المحلية، نحو تجربة السياحة البيئية التي تجلب لهم فهما أعمق للبيئة. وتبلغ القيمة الحالية لسوق هذا النوع من السياحة في عام 2023 مقدار 210 مليار دولار ويتوقع أن تبلغ حتى عام 2035 بمعدل نمو مركب سنوي بنسبة 11.7 في المائة 820.8 مليار دولار. وفي الرسم البياني 1 يمكنكم ملاحظة اتجاه النمو المتوقع لسوق السياحة البيئية من عام 2023 حتى 2035.

اتجاه نمو سوق السياحة البيئية حتى 2035

الخيارات المرغوبة للسياحة البيئية

وقد أظهر بحث Allied Market بتحليل دقيق لاتجاهات سوق السياحة البيئية المختلفة أنه في عام 2023 كانت الرحلات الجماعية متقدمة نسبة إلى الرحلات الفردية ويرجح أن تحظى حتى 2035 بشعبية أكبر أيضا. كذلك أظهر الجيل Y (جيل الألفية الذين ولد معظمهم من أوائل 1980 حتى أواخر 1990) أكبر اهتمام بهذا النوع من السياحة؛ سواء في الحاضر أو في المستقبل؛ لأن السفر إلى مقاصد بعيدة ومجهولة وكسر رتابة الحياة لهم تجربة وإثارة كلها. وفي النهاية، يفضل السياح أكثر أن يسافروا عبر وكالات السفر لا على نحو مستقل؛ لأنهم يستطيعون الإفادة من مستشاري هذه الوكالات الخبراء والعارفين وأن يقللوا أخطار السفر المحتملة إلى حدها الأدنى.

آسيا والمحيط الهادئ؛ أولوية سياح البيئة

وقد حظيت آسيا والمحيط الهادئ بين المناطق الجغرافية بأكبر شعبية بين سياح البيئة. وفي عام 2021 كان حجم هذه السوق 64417.9 مليون دولار ويتوقع أن تبلغ بمعدل نمو مركب سنوي بنسبة 14 في المائة حتى عام 2027 مقدار 150908.3 مليون دولار. وفي 2023 كانت الصين واليابان وأستراليا والهند أكثر مقاصد الرحلات الخارجية طلبا بين مجموعات الدخل المرتفع؛ بحيث إن الأسر ذات الدخل الأعلى من 10 آلاف دولار حجزت واشترت أكثر من 70 في المائة من هذه الرحلات. وكما يظهر الشكل 2، تقع بعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكبر مقدار من السياح على الترتيب مناطق أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا.

سوق السياحة البيئية في المناطق الجغرافية المختلفة

الوجه الآخر للسياحة البيئية: آثارها السلبية على البيئة

ومع الأهمية التي للسياحة البيئية في خلق قيم الاستدامة وحفظ البيئة، يمكن أن تظهر وجهها الآخر بتحولها إلى استراتيجية تسويق وبيع من الشركات الكبيرة. وتظهر التقارير أن كثيرا من مناطق السياحة البيئية في البلدان الأفريقية تخص شركات سياحية. وتحول هذه الشركات المناطق البكر غير الملموسة إلى حدائق وطنية، وتدمر موائل الحياة البرية وتترك الناس الأصليين بفقر وبؤس أكثر. فمثلا تحتل على نحو غير مناسب على الترتيب 70 و50 و40 في المائة من الأراضي في كينيا وتنزانيا وأوغندا. ولا تجلب أنواع السياحة هذه – مثل اللعب مع الدلافين أو تنظيف الحيوانات أو إطعامها- سوى أرباح طارئة للشركات الكبيرة وأضرار لا تعوض للبيئة.

وفي هذا الاتجاه، أظهرت بحوث المنظمة العالمية لحماية الحيوان أنه خلف ابتسامة بسيطة لدلفين يمكن أن يكمن ربح بين 400 ألف و2 مليون دولار. ومن ثم توصي هذه المنظمة بأن السياحة البيئية المسؤولة تعني اجتناب شراء تذكرة لمشاهدة حيوانات أسرت. «فالحيوانات قادرة على إدراك مشاعر مختلفة مثل الألم والخوف والمعاناة بل الحزن والأسى. ومن ثم ليس أخلاقيا أن نفرض عليها ألما ومعاناة؛ فقط لأجل لحظات قليلة من التسلية والترفيه». وترى ميغان أبلر وود من الوجوه الناشطة في الإيكوتوريزم أن المسار الذي تقطعه هذه السياحة وينبغي أن تقطعه يتوقف كثيرا أيضا على التزام الحكومات بإيجاد مقاصد آمنة وضمان للناس المحليين. وهي تحكي من تجربتها النقية لمستقبل الإيكوتوريزم هكذا:

«في السفر إلى مصر وبعد ليلة إقامة في إحدى واحاتها، غصنا في مياهها البلورية ثم تناولنا الغداء في كوخ صغير كان مزينا بسجاد صغير وحرف يدوية محلية وتديره مرشدون محليون. وكان أحد أصدق لقاءاتنا؛ حيث كان الناس المحليون والسياح بمعزل عن كل شيء يتقاسمون ثقافتهم وآدابهم. حقا إن هذا هو مستقبل الإيكوتوريزم».

كلمة أخيرة

وفي السنوات الأخيرة مع زيادة وعي آحاد المجتمع تجاه الأخطار والأزمات البيئية مثل التلوث والتغيرات المناخية وانقراض الحيوانات وغيرها، ازداد الاهتمام بأنواع من السفر توجب فضلا عن حفظ البيئة الارتباط بالثقافات والناس المحليين وتجلب لهم فهما وتواصلا أعمق. لكن ينبغي أن نكون واعين يقظين تجاه الآثار المحتملة لسلوكنا في هذه النواحي، ولا سيما البلاء الذي تلحقه بها الشركات السياحية الكبيرة. ونستطيع بوعي كاف من السياحة المسؤولة والمستدامة أن نتصور مستقبلا مشرقا للبيئة وبقائها للأجيال المقبلة.

يدعوكم فريق تحرير نمافر إلى قراءة المذكرة إحصاءات صناعة السياحة في إيران.

رابط مختصر: nmfr.ir/h2o

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا