تعد الصناعات الثقافية في أفريقيا شاهدا على الإبداع والطاقات الفريدة لهذه القارة. من الأسواق المزدحمة المزينة بالمنسوجات إلى المسارح العالمية التي يتردد فيها صدى الموسيقى الأفريقية. وهذه الصناعات ليست محركا اقتصاديا فحسب، بل هي القلب النابض لقارة أفريقيا. فالصناعات الثقافية تصور قصص أفريقيا، وتعكس هويتها، وتربط ماضيها بحاضرها.
ومع ذلك، لفهم الصناعات الثقافية في أفريقيا فهما حقيقيا ينبغي النظر إليها أبعد من أثرها الفني. فهذه الصناعات تؤثر في جميع أبعاد البلدان، من السياسات الاقتصادية إلى التماسك الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، تروي نوليوود قصصا تجاوزت حدود أفريقيا وبلغت أسماع المشاهدين العالميين وأبصارهم. وتصور هذه الأفلام التجارب الإنسانية المشتركة عبر عدسات أفريقية فريدة. وبالمثل، أعادت الموضة والتصميم الأفريقيان، المتجذران في التراث الثقافي لأفريقيا بدل الإنتاج بالجملة، تعريف مفهوم الفخامة في العالم.
غير أن هذا المسار ليس خاليا من العوائق. فالتحديات الهيكلية والفجوات المالية واختلال توازن السوق العالمية كثيرا ما تؤثر في طاقة هذه الصناعات. ونسعى في هذه المذكرة إلى رسم موقع الصناعات الإبداعية الأفريقية على المستوى العالمي، ونفحص الفرص والتحديات في مسار نموها.
الوضع العام للصناعات الإبداعية في أفريقيا
بحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) تحقق الصناعات الثقافية والإبداعية في أفريقيا (CCls) إنتاجا سنويا قدره 4.2 مليار دولار. وهذا الرقم وإن كان لافتا فإن الصناعات الإبداعية الأفريقية لم تنم بعد نموا يذكر بالقياس إلى طاقتها. ومن جهة أخرى فإن نمو الصناعات الثقافية والإبداعية غير متكافئ على مستوى أفريقيا. وتتقدم بلدان مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا ومصر بفضل بنى تحتية أفضل واستثمار أعلى ووصول أكبر إلى الأسواق الدولية. وفي المقابل تواجه البلدان الأصغر أو الأقل نموا مشكلات بسبب نقص الميزانية الكافية وغياب الأطر السياساتية ومحدودية الوصول إلى الأسواق الدولية.
وبوجه عام تشكل الصناعات الإبداعية 1.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا. ويبلغ هذا الرقم في المتوسط العالمي 3 في المائة. كذلك تستأثر أفريقيا بأقل من 1 في المائة من التجارة العالمية في السلع الثقافية، مما يدل على أن طاقات هذه القارة الثقافية ما تزال بكرا.
ونستعرض فيما يلي وضع أهم القطاعات الإبداعية في أفريقيا.
صناعة الموسيقى
تعد صناعة الموسيقى في أفريقيا أحد القطاعات الإبداعية الأسرع نموا، ولها حصة ملحوظة في النمو الثقافي والاقتصادي لهذه القارة. وتشير التوقعات إلى أن الإيراد السنوي لقطاع الموسيقى في أفريقيا سيرتفع من 92.9 مليون دولار في عام 2021 إلى 314.6 مليون دولار في عام 2026. ويظهر الصعود العالمي لـAfrobeats بقيادة فنانين مثل Burna Wizkid وBoy وTiwa Savage تألق أفريقيا في عالم الموسيقى
ومع ذلك لا يزال توليد الإيرادات في صناعة الموسيقى الأفريقية يواجه تحديات كثيرة بسبب سرقة الملكية الفكرية وضعف البنى التحتية الرقمية. فلا يحصل على الإنترنت سوى نحو 40 في المائة من الأفارقة مما يحد من إمكانية استخدام منصات مثل Spotify و Apple Music. في حين أن هذه المنصات حيوية جدا في توزيع الموسيقى الحديثة.

صناعة السينما
تعد صناعة السينما في أفريقيا -ولا سيما نوليوود في نيجيريا- أحد أبرز الفروع الإبداعية، إذ تنتج أكثر من 2500 فيلم سنويا. ونوليوود بإيراد 1.2 مليار دولار ثاني أكبر منتج للأفلام في العالم بعد بوليوود. وتثبت أفلام مثل «حفلة الزفاف» و«قلب الأسد» ربحية هذا القطاع وجاذبيته الدولية.
وجنوب أفريقيا ومصر من الأقطاب السينمائية الأخرى في أفريقيا، تعرف الأولى بمرافقها الإنتاجية المتقدمة والثانية بتراثها السينمائي التاريخي.
ورغم هذه النجاحات يواجه معظم صناع الأفلام الأفارقة تحديات مثل محدودية الميزانية وعدم كفاية قنوات التوزيع وارتفاع تكاليف الإنتاج. ويشير تقرير اليونسكو (2021) إلى أن أفريقيا تستأثر بأقل من 1 في المائة فقط من إيراد السينما العالمي.
صناعة الموضة
اجتذبت صناعة الموضة الأفريقية بفضل تصاميمها الفريدة اهتماما عالميا. وتتصدر هذا القطاع بلدان مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وغانا. وقد بلغ مصممون من المنطقة مثل Laduma Ngxokolo (جنوب أفريقيا) وLisa Folawiyo (نيجيريا) شهرة عالمية.
وقد أوجدت صناعة الموضة الأفريقية، المرتبطة بصناعات النسيج المحلية، فرص عمل لملايين الأشخاص -ولا سيما النساء-. فمثلا يتوقع أن يحقق قطاع النسيج والملابس في إثيوبيا حتى عام 2030 إيرادا سنويا قدره 30 مليار دولار.
الفنون والحرف اليدوية
ساهمت أفريقيا في عام 2018 بمبلغ 13 مليار دولار في السوق العالمية للفنون. وبلدان مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا والمغرب هي اللاعبون الرئيسيون فيها. وقد حظيت أعمال الفنانة النيجيرية Njideka Akunyili Crosby باستقبال واسع في المزادات الدولية، مما يدل على تزايد شعبية الفن الأفريقي.
وللحرف اليدوية التقليدية مثل التطريز بالخرز وصناعة السلال والنحت على الخشب أهمية اقتصادية وثقافية ملحوظة. فعلى سبيل المثال تدعم صناعة خرز الماساي في كينيا آلاف النساء وتسهم في دخل الأسر. ومع ذلك كثيرا ما يفتقر الحرفيون إلى الموارد اللازمة لزيادة الإنتاج أو الوصول إلى الأسواق العالمية.
التوزيع الإقليمي للصناعات الإبداعية في أفريقيا
تهيمن غرب أفريقيا، ولا سيما نيجيريا وغانا، على صناعة الموسيقى والسينما. وتساهم نوليوود النيجيرية بنسبة 2 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي لهذا البلد. في حين تبرز غانا قطبا ناشئا لإنتاج المحتوى الرقمي. وفي شرق أفريقيا تزدهر الموضة والحرف اليدوية. وتتصدر إثيوبيا وكينيا إنتاج النسيج والحرف اليدوية. وتعرف هذه المنطقة أيضا بتراثها الثقافي على الساحل السواحيلي.
أما جنوب أفريقيا فمتقدمة في مجالات السينما والموسيقى والفنون البصرية بفضل بنى تحتية واستثمار أفضل. ويساهم القطاع الإبداعي في هذا البلد بنسبة 3 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أعلى الأرقام في أفريقيا.
وتتأثر الصناعات الثقافية في شمال أفريقيا أكثر بالثقافات العربية والمتوسطية. ولا تزال مصر قاعدة مهمة للسينما والموسيقى؛ في حين يعرف المغرب بالفنون والحرف اليدوية.
وفي هذا السياق تتخلف أفريقيا الوسطى عن سائر المناطق بسبب عدم الاستقرار السياسي وضعف البنى التحتية. ومع ذلك تملك بلدان مثل الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهد موسيقية حيوية.

التحديات والفرص
تواجه قارة أفريقيا في مسار تنمية القطاعات الإبداعية، رغم طاقتها العالية، عوائق متعددة. وأحد أهم التحديات في قطاع التمويل والاستثمار. فغالبا ما تمول الأعمال الثقافية في أفريقيا تمويلا شخصيا، مما يحد من طاقة نموها. ومن جهة أخرى يحول غياب بنى تحتية مثل قاعات المسرح والغاليريات ولا سيما المنصات الرقمية دون تنمية المنتجات الثقافية ونشرها. ويعيش نصف الـ400 مليون شخص الذين يفتقرون إلى تغطية النطاق العريض للهاتف المحمول في أنحاء العالم في أفريقيا جنوب الصحراء. وتفرض هذه المسألة قيودا كثيرة على البيع عبر الإنترنت للسلع الثقافية.
وضعف السياسات واللوائح الحكومية من التحديات الأخرى في هذه المنطقة. فقلة فقط من البلدان الأفريقية لديها سياسات شاملة لدعم CCI. فعلى سبيل المثال لم تصدق سوى 17 دولة أفريقية اتفاقية اليونسكو لعام 2005 بشأن حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزه. وفي إثر نقص القوانين الحكومية يستشري سرقة الملكية الفكرية في هذه المنطقة. بحيث يقدر أن الأفلام غير القانونية تشكل 60 في المائة من سوق أقراص DVD في جنوب أفريقيا. ويحرم هذا الأمر المنتجين من الإيراد من جهة ويقلل الاستثمارات من جهة أخرى.
والفجوة المهارية مسألة أخرى يمكن الإشارة إليها. فالقطاع الإبداعي يحتاج إلى متخصصين مهرة؛ في حين تفتقر بلدان أفريقية كثيرة إلى برامج تعليمية. فعلى سبيل المثال لا تقدم سوى نسبة ضئيلة من الجامعات الأفريقية دورات في مجال الإدارة الثقافية أو إنتاج المحتوى الرقمي.
ورغم كل التحديات التي سردناها، لا يمكن غض الطرف عن طاقات أفريقيا القيمة في القطاعات الإبداعية. ومن أهمها السكان الشباب. فأفريقيا بأكثر من 60 في المائة من السكان دون سن 25 عاما هي أحدث قارات العالم سنا. ويتوقع حتى عام 2030 أن يشكل الشباب الأفريقي 42 في المائة من شباب العالم. وهؤلاء السكان هم المستهلكون المستقبليون لقطاعات مثل السينما والموسيقى، وسيكون الاستثمار فيهم مربحا. كذلك فإن هؤلاء الشباب مصدر غني بالموهبة يمكن تربيتهم ليكونوا قوى متخصصة.
والسفر والسياحة أيضا، بفضل وجود تراث غني في أفريقيا، من الطاقات المهمة للمنطقة. وفي عام 2024 ساهمت السياحة بنسبة 7.3 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا. ويمكن لدمج السياحة مع الصناعات الثقافية أن يعزز الاقتصاد المحلي.
والشتات الأفريقي من الطاقات الثقافية الأخرى لأفريقيا، ويؤدي دورا حيويا في ترويج الصناعات الإبداعية وتمويلها. وتحتفل مهرجانات مثل أفروبانك وأفروتشلا بالثقافة الأفريقية على المستوى العالمي وتزيد الطلب على المنتجات الأفريقية.

كلمة أخيرة
تحقق الصناعات الثقافية والإبداعية في أفريقيا إنتاجا سنويا قدره 4.2 مليار دولار. وهذا الرقم وإن كان لافتا فإن الصناعات الإبداعية الأفريقية لم تنم بعد نموا يذكر بالقياس إلى طاقتها. ومن جهة أخرى فإن نمو الصناعات الثقافية وبلدان مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا ومصر، بفضل بنى تحتية أفضل واستثمار أعلى ووصول أكبر إلى الأسواق الدولية، في موقع الريادة. وبوجه عام تشكل الصناعات الإبداعية 1.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا. في حين يبلغ هذا الرقم في المتوسط العالمي 3 في المائة.
وقد استعرضنا في هذه المذكرة أهم الصناعات الإبداعية في أفريقيا ومنها الموسيقى والسينما والموضة والفنون والحرف اليدوية. كذلك فحصنا توزيعها الإقليمي.
وبالمجمل تواجه الصناعات الإبداعية الأفريقية، رغم طاقتها العالية، عوائق متعددة أمام النمو والتنمية، أهمها في قطاع التمويل والاستثمار والبنى التحتية والسياسات واللوائح الحكومية والملكية الفكرية والفجوة المهارية. ومع ذلك تملك أفريقيا طاقات ملحوظة أيضا. والسكان الشباب وسكان الشتات وازدهار السياحة منها، والتركيز عليها يمكن أن يكون مفتاحا لأفريقيا.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية