تاريخ موجز لصناعة الجمال
عندما استخدم المصريون القدماء الكحل لأول مرة لجمال أعينهم وحمايتها، لم يخطر ببالهم قط أن يوما سيأتي تتحول فيه هذه الأدوات البسيطة نفسها إلى صناعة عالمية عظيمة شاملة؛ صناعة لم تعد للملوك أو الأشراف أو النساء فحسب، بل صار الجميع، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، فقراء وأغنياء، مستهلكين لها. واليوم صارت منتجات الجمال جزءا ضروريا من سلة الاستهلاك اليومية وتولد إيرادات بمليارات الدولارات. فكيف هو هذا السوق العالمي وما وضعه في بلادنا؟ في التقرير الآتي نفحص، بالاستناد إلى إحصاءات وبيانات متنوعة، صناعة منتجات الجمال في العالم ومكانة إيران في هذه الصناعة بدقة.
ولاستخدام منتجات الجمال سابقة تمتد آلاف السنين. ففي مصر القديمة كان النساء والرجال يستعينون بالكحل والألوان المعدنية والزيوت العطرة لمكياج العين والبشرة والشعر. وأولى اليونانيون والرومان القدماء أيضا المظهر أهمية باستخدام تركيبات مثل الألوان النباتية بل مواد سامة مثل الرصاص الأبيض. وفي ذلك العصر لم يكن الجمال أمارة على الأناقة فحسب، بل كان كاشفا عن المكانة الاجتماعية للأفراد. وفي العصور الوسطى وعصر النهضة كان الجمال يعرف في قوالب دينية وطبقية. وكانت البشرة الفاتحة والوجنتان الحمراوان والحاجبان النحيلان رمزا للأرستقراطية، وكان يبلغ إليها أحيانا بتركيبات خطرة. ومع ذلك بدأ التحول الحقيقي لهذه الصناعة من القرن التاسع عشر ولا سيما القرن العشرين. وهيأت الثورة الصناعية وظهور العلامات العالمية والإعلان الواسع ووسائل الإعلام الحديثة الأرضية للإنتاج بالجملة والاستهلاك العام لأدوات الجمال. واليوم تعد صناعة الجمال أحد أكثر مجالات الاقتصاد العالمي رواجا وابتكارا؛ صناعة ارتبطت أبعد من المظهر بأسلوب الحياة والصحة والتكنولوجيا والهوية الفردية، ولها حصة واسعة في ثقافة الاستهلاك المعاصرة، وإن تكن مع مرور الوقت قد واجهت انتقادات أيضا في مجال الثقافة وأسلوب الحياة.
الوضع العالمي لصناعة الجمال: حجم السوق والنمو المستدام
ولتحليل أي صناعة، الخطوة الأولى فحص حجم السوق واتجاه نموه على المستوى العالمي. ويمنح هذان المؤشران صورة أولية عن دينامية تلك الصناعة واستدامتها وطاقة الاستثمار فيها. واستنادا إلى تقرير عام 2024 لشركة تحليل السوق «The Business Research Company» قدرت قيمة السوق العالمية لمنتجات الجمال والعناية الشخصية في عام 2024 بنحو 519 مليار دولار. وسيبلغ هذا السوق في عام 2025 مقدار 550.89 مليار دولار، ويتوقع أن يصل بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) نحو 6.1 في المائة حتى عام 2029 إلى رقم يناهز 697.11 مليار دولار. ويبين هذا النمو المستمر المكانة المثبتة لصناعة الجمال في الاقتصاد العالمي. وتعد عوامل مثل ازدياد وعي المستهلكين بالعناية الفردية، واتساع الأسواق الناشئة، ونفوذ العلامات الرقمية، وتغير أسلوب الحياة لدى الأجيال الأصغر، من المحركات الرئيسة لنمو هذا السوق. وقد اتسع سوق منتجات الجمال الآن اتساعا ملحوظا لا في مجال المكياج فحسب، بل في العناية بالبشرة والشعر والنظافة الشخصية بل وتقنيات الجمال الرقمية.

منتجات العناية بالبشرة، الملكة بلا منازع في سوق الجمال
وعندما نوسع نطاق منتجات الجمال قليلا، سيصير حجم السوق أكبر قليلا أيضا، واستنادا إلى أحدث الإحصاءات التي اتخذت هذا المنظور، يتوقع أن تبلغ قيمة السوق العالمية لمنتجات الجمال في عام 2025 نحو 677 مليار دولار. وفي هذا السوق الكبير استأثرت منتجات العناية بالبشرة، بحيازتها 42 في المائة من إجمالي السوق (ما يعادل 284 مليار دولار)، بالمرتبة الأولى. ولا تعد هذه الفئة من المنتجات الأكبر فحسب، بل إنها تشهد أيضا أحد أسرع معدلات النمو في صناعة الجمال؛ بحيث يتوقع أن تتجاوز قيمة هذا السوق حتى عام 2030 عتبة 310 مليارات دولار أيضا. وترون في الرسم أدناه أيضا حصة منتجات أخرى مثل منتجات العناية بالشعر والمكياج والعطر التي تملك حصة أقل من السوق.

ولهذا النمو الملحوظ في منتجات العناية بالبشرة أسباب متعددة أهمها ازدياد وعي المستهلكين بأهمية العناية اليومية بالبشرة. واليوم لم يعد استخدام هذه المنتجات مقصورا على فئات خاصة أو مناسبات معينة، بل صار جزءا ضروريا من أسلوب حياة كثير من الأفراد. وقد زادت التغيرات المناخية وتلوث الهواء وضغوط الحياة الحضرية أيضا المخاوف على صحة البشرة، ومن ثم يبحث الناس أكثر من ذي قبل عن حلول لحماية بشرتهم. وإلى جانب هذا لا يمكن إنكار أثر وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين. فيواجه مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي كل يوم محتويات متنوعة عن أهمية صحة البشرة، وقد جعلت هذه المسألة استخدام منتجات العناية بالبشرة سلوكا عاديا وذا شعبية. وفي هذا الاتجاه تبين التقارير الإحصائية أن الطلب على منتجات العناية بالبشرة ذات التركيبات الطبيعية والنباتية قد ازداد بشدة في السنوات الأخيرة. والمنتجات التي تستخدم مواد كيميائية أقل وتملك خصائص مثل عدم الاختبار على الحيوانات والتعبئة المستدامة نالت شعبية متزايدة. ولهذا تستثمر العلامات الكبيرة بل والأعمال الأصغر الناشطة في مجال منتجات الجمال أكثر من ذي قبل في منتجات العناية بالبشرة، ولا سيما أنواعها الطبيعية والعضوية. والالتفات إلى هذه الاتجاهات ذو أهمية كبيرة لناشطي صناعة الجمال، وقد يعني تجاهلها تفويت فرص سوق مهمة في المستقبل.
الرجال ومنتجات الجمال؟ الاتجاه المربح لهذه الصناعة
وفي السنوات الأخيرة تحول سوق منتجات الجمال الرجالية إلى أحد أكثر أقسام صناعة الجمال جاذبية وعائدا. ووفقا لإحصاءات التقرير المنشور من المؤسسة البحثية «Facts & Factors» بلغت قيمة السوق العالمية لمنتجات العناية والجمال الرجالية في عام 2022 نحو 56 مليار دولار، ويتوقع أن يبلغ هذا الرقم بمعدل نمو سنوي نحو 4.3 في المائة حتى عام 2030 أكثر من 81 مليار دولار.

ويبين هذا التقرير أيضا أن استهلاك منتجات مثل منتجات العناية بالبشرة والعناية بالشعر والعطر ومزيل الرائحة بين الرجال في ازدياد شديد. ومن بين هذه الفئات، تشهد منتجات العناية بالبشرة والشعر بوجه خاص أكبر نمو، ويقبل الرجال الشباب والأجيال الجديدة إقبالا متزايدا على استخدام هذه المنتجات. وفي عام 2022 استأثرت فئة منتجات العناية الشخصية الرجالية وحدها بأكثر من 40 في المائة من إجمالي مبيعات هذا السوق. كذلك من الناحية الجغرافية، ملك سوق آسيا والمحيط الهادئ، بحيازته أكثر من 3 في المائة من إجمالي حصة سوق منتجات الجمال الرجالية في عام 2022، أكبر حصة إقليمية، ويتوقع أن يستمر هذا التفوق في الأعوام المقبلة أيضا. وتظهر هذه المسألة بوجه خاص في بلدان مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، حيث صار الاستخدام اليومي لمنتجات العناية بالبشرة والجمال للرجال جزءا طبيعيا ومقبولا من الحياة اليومية.
وقد جعلت أسباب مختلفة الرجال يتحولون إلى مستهلكين جادين لمنتجات الجمال والعناية. وتغير المواقف الاجتماعية والثقافية أحد العوامل الرئيسة في هذا النمو. فيولي جيل الرجال الجديد مظهره أهمية أكبر، ولم تعد العناية بالبشرة والشعر تعد سلوكا خاصا بالنساء فحسب، بل صارت جزءا من العناية الذاتية اليومية وأسلوب حياة الرجال. فضلا عن ذلك، أجج اتساع شبكات التواصل الاجتماعي وأثر المؤثرين هذا الاتجاه. وينتج المؤثرون الرجال في شبكات مثل إنستغرام وتيك توك باستمرار محتوى عن أهمية عناية الرجال بالبشرة والجمال، وبذلك أزالوا تابو استهلاك منتجات الجمال لدى الرجال. كذلك عكفت علامات عالمية معتبرة مثل Nivea وChanel وL'Oréal على تصميم منتجات خاصة بالرجال وإنتاجها، الأمر الذي زاد وصول الرجال إلى هذه المنتجات وثقتهم بها.
علاوة على ذلك، في بعض البلدان الآسيوية ولا سيما كوريا الجنوبية واليابان، صارت عناية الرجال بالبشرة ثقافة مقبولة. ووفقا للإحصاءات المتوافرة، يستخدم أكثر من 75 في المائة من الرجال الكوريين منتجات العناية بالبشرة بانتظام. وقد كان لهذا القبول الثقافي أثر بارز في اتساع هذا الاتجاه عالميا، وجعل العلامات وشركات إنتاج منتجات العناية والجمال تنفذ استثمارات أكبر في هذا المجال. وبالنظر إلى هذه العوامل، من الواضح أن دخول الرجال عالم الجمال ليس اتجاها عابرا فحسب، بل يعد تغيرا مستداما واستراتيجيا في صناعة الجمال ويوجد فرصا قيمة للمنتجين والمسوقين والعلامات الدولية.
العناية بالبشرة أم المكياج؟ اتجاه السكينيماليزم وشعبيته
وفي السنوات الأخيرة تحول مفهوم «السكينيماليزم» (skinimalism) المتكون من تركيب الكلمتين «skin» بمعنى البشرة و«minimalism» بمعنى التبسيط، إلى أحد الاتجاهات المهمة في صناعة الجمال. ويعني هذا المصطلح تبسيط روتين العناية بالبشرة وتقليل استخدام المنتجات غير الضرورية إلى الحد الأدنى. وخلافا للتصور الأولي، لا يعني السكينيماليزم بالضرورة خفض الاستهلاك الكلي للمنتجات، بل يشير إلى استهلاك هادف واختيار واع لمنتجات أكثر فاعلية. وبتعبير أوضح، يفضل المستهلكون، بدلا من استخدام عدة منتجات مكياج وعناية بالبشرة ذات طابع تزييني في الغالب، أن يستخدموا فقط بضعة منتجات قاعدية وضرورية مثل مرطب جيد وواقي شمس يومي وسيروم علاجي فعال. وقد جعل هذا النهج الجديد العلامات أيضا تقبل على إنتاج منتجات أبسط ومتعددة الوظائف وخالية من التركيبات الإضافية أو الضارة، وأن تغير مسارها نحو منتجات ألطف وأكثر طبيعية وعلمية.
ووفقا لتقرير مؤسسة McKinsey، شهد قسم العناية بالبشرة منذ عام 2018 نموا ملحوظا، واستأثر في عام 2023 بأكثر من 44 في المائة من سوق الجمال العالمي، ويتوقع أن يبقى حتى عام 2030 أكبر فرع فرعي في هذه الصناعة وأسرعه. وفي الولايات المتحدة أيضا يقدر أن تبلغ قيمة سوق منتجات العناية بالبشرة من 30 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 40 مليار دولار في عام 2030. وتبين بحوث المستهلك أيضا أن الأجيال الأصغر، ولا سيما الجيل Z، تولي صحة البشرة اهتماما أكبر مقارنة بالأجيال السابقة وتفضل استخدام روتينات قصيرة وفعالة على المكياج الثقيل. وقد شهدت علامات مثل «CeraVe وThe Ordinary وPaula’s Choice» نموا متزايدا، لأنها استجابت بشعارات مثل «البساطة الفعالة» لحاجات هذا الأسلوب الجديد بدقة.

والسكينيماليزم في الواقع استجابة لإعياء المستهلكين من الوعود الإعلانية غير الواقعية والصيغ المعقدة. وفي عصر المعلومات يفضل المستخدمون أن يفهموا تركيبات المنتجات وأن يقيسوا آثارها، وأن يعززوا البشرة بدلا من تغطيتها. ومن ثم فإن هذا الاتجاه ليس نزعة جمالية فحسب، بل هو ضرب من الحركة الثقافية والسلوكية يظهر في المبيعات العالية ولغة الإعلان والتعبئة البسيطة بل وحضور العلامات ذات المحور العلمي في الأسواق العالمية.
الجيل Z الحماسي! ميولهم وتفضيلاتهم المختلفة وتغيير السوق
والجيل Z، أي مواليد نحو الأعوام 1996 إلى 2012، أحد أكثر مجموعات المستهلكين تأثيرا في سوق الجمال العالمي الآن. وهم يشكلون مستقبل هذه الصناعة لا بسبب كثرتهم وتزايد عددهم فحسب، بل بسبب أسلوب حياتهم وأنماط استهلاكهم وقيمهم المختلفة. وقد نشأ هذا الجيل في الفضاء الرقمي، وألف التكنولوجيا، ويستخدم بطبيعته المنصات الإلكترونية لاتخاذ القرار وفحص المنتجات والشراء. غير أن ما يميز الجيل Z حقا ليس الرقمنة فحسب، بل الوعي العميق بالمسائل الاجتماعية والبيئية والقيمية.
وتبين دراسات جديدة أن أكثر من نصف مستهلكي الجيل Z يبحثون على نطاق واسع قبل شراء منتجات الجمال ويفحصون الملصقات والتركيبات ومصدر الإنتاج والمزايا الوظيفية للمنتجات. وهم لا يكتفون بالإعلان، ووفاؤهم للعلامات مرتبط بأصالة العلامة وشفافيتها وانسجامها مع قيمهم الفردية. وخلافا للأجيال الأقدم التي كانت ترى العلامة أمارة على المكانة الاجتماعية، لا يقبل الجيل Z العلامة إلا إذا كانت متوائمة مع المبادئ الأخلاقية والبيئية والتنوع العرقي وصحة البشرة.
فعلى سبيل المثال، في دراسة عالمية قال 54 في المائة من أعضاء الجيل Z إنهم يشترون منتجات «تملك إلى جانب الجودة سعرا مناسبا أيضا». و46 في المائة مستعدون لدفع مال أكثر لعلامات صديقة للطبيعة، ويؤكد 45 في المائة أنهم إذا كانت علامة ما غير مكترثة بـ«التنوع العرقي والقبول الاجتماعي» فسيتخلون عن شرائها. وتبين هذه النسب أن الجيل Z شديد الانتقاء والحساسية ومحور القيمة. وخلافا للفرض الشائع، ليس هذا الجيل باحثا عن التخفيض فحسب؛ فقد قال 28 في المائة فقط إنهم يشترون منتجات الجمال في وقت التخفيض فقط.

وقد أدى تفضيل الجيل Z استخدام المنتجات الطبيعية والعلمية والبسيطة إلى تقوية اتجاهات مثل «skinimalism» أو «التبسيط في العناية بالبشرة». وهم لا يبحثون عن صحة البشرة الحقيقية بدلا من المكياج المبهرج فحسب، بل يرحبون بمنتجات متعددة الوظائف ولطيفة وخالية من التركيبات الضارة وذات تعبئة مستدامة وقابلة لإعادة التدوير. وملصقات مثل «vegan وcruelty-free وclean وfragrance-free» ليست جذابة عندهم فحسب بل ضرورية. وملاحظة مهمة أخرى هي سلوك الشراء المختلط لهذا الجيل. فالجيل Z إلى جانب الشراء الإلكتروني ما يزال يميل إلى الشراء الحضوري أيضا؛ ولا سيما حين يقترن بتجربة مخصصة أو خدمات استشارية أو إمكان اختبار المنتجات. وقد كانت علامات مثل Sephora أو Ulta في أمريكا، التي استطاعت أن تقدم مزيجا من التجربة الحضورية والولاء الرقمي واستشارة الجمال والمحتوى التشاركي، أنجح النماذج في جذب الجيل Z. وعلى العلامات التي تريد أن تبقى في هذا السوق الدينامي أن تتحرك أبعد من الإنتاج الصرف وأن تفكر في إعادة تعريف علاقتها بمستهلك الجيل Z. ويرى هذا الجيل الجمال في ارتباطه بالصحة والتنوع والصدق والأثر. وهم يبحثون عن علامات تبين لماذا أنتج هذا المنتج، ولمن يناسب، وما أثره، وأي قيمة ينقلها. ومن ثم فإن العلامات الفاقدة للهوية والمساءلة والمسؤولية الاجتماعية ستحذف بسرعة من سلة استهلاك الجيل Z.
تحليل صناعة منتجات الجمال في إيران
ومعرفة مكانة صناعة منتجات الجمال في إيران تستلزم تحليل الاتجاهات السلوكية والاستهلاكية للأسر عبر الزمن. وخلافا للنظرات الكلية التي تعد منتجات الجمال جانبا فاخرا من أسلوب الحياة فحسب، فإن الواقع أن هذه الصناعة قد تجذرت لا في الطبقات الاقتصادية فحسب، بل في الأبعاد الثقافية والاجتماعية بل والهوياتية للمجتمع الإيراني. ومن هذا المنظور يعد فحص حصة إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته بين سائر النفقات الثقافية للأسرة أحد أدق المؤشرات وأكثرها دلالة لفهم الأولويات والتغيرات السلوكية والفرص الاقتصادية في هذا المجال. ويمكن لفحص الاتجاه السباعي السنوات لتخصيص الموارد الثقافية للأسر الإيرانية لقسم الجمال، وفقا لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، أن يمنح صورة واقعية عن مكانة هذه الصناعة ومقدار استدامة الطلب وطاقات السوق الداخلية. وعلى هذا الأساس تبدأ في ما يلي الخطوة الأولى من التحليل الإحصائي لسوق إيران، بالتركيز على حصة إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته من النفقات الثقافية.
أي مكانة لمنتجات الجمال وخدماته في سلة الأسرة الإيرانية؟
واستنادا إلى بيانات مركز الإحصاء الإيراني، خلال الأعوام 1396 إلى 1402 هـ.ش (2017–2024)، ظلت خدمات الجمال ومنتجاته دائما في المرتبة الثانية من السلة الثقافية للأسرة. وتعبر هذه المكانة المستقرة، مباشرة بعد الموضة والملبوسات، عن أهمية مؤسسة لاستهلاك منتجات الجمال وخدماته في السلوك الاقتصادي للأسر الإيرانية.

وفي عام 1402 هـ.ش (2023/24) بلغت حصة هذا القسم 1. في المائة من إجمالي النفقات الثقافية للأسرة. ورغم أن هذه الحصة شهدت انخفاضا طفيفا مقارنة بعام 1401 هـ.ش (2022/23) (1.36 في المائة)، فإنها ما تزال تحفظ المرتبة الثانية. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنه حتى في أعوام مثل 1399 هـ.ش (2020/21)، التي شهدت فيها أقسام كثيرة هبوطا محسوسا في الاستهلاك، لم تهبط حصة منتجات الجمال هبوطا بارزا، وفي هذا دلالة على مقاومة الطلب العالية.
وبمقارنة هذا القسم بسائر الأقسام الثقافية نصل إلى نتائج طريفة: فقد فاقت منتجات الجمال أكثر من ضعفي التصميم الداخلي للمنزل (0.58 في المائة في 1402 هـ.ش (2023/24))؛ وأكثر من ثلاثة أضعاف السياحة (0.36 في المائة)، وكذلك أكثر من عشرة أضعاف أقسام مثل الحرف اليدوية أو الخدمات الثقافية.

ويبين فحص اتجاه حصة الإنفاق السنوي للأسرة على خدمات الجمال ومنتجاته أن هذا القسم، خلافا للتصور الشائع، لم يشهد هبوطا هيكليا فحسب، بل استطاع بعد صدمة عام 1399 هـ.ش (2020/21) الاقتصادية، بإحياء حصته في عامي 1400 و1401 هـ.ش (2021–2023)، أن يثبت ضربا من الاستدامة السلوكية لدى المستهلك الإيراني. وتعبر قابلية هذا الاتجاه للارتداد عن أن منتجات الجمال تعد في ذهن المستهلك الإيراني جزءا من الحاجات الثقافية الدائمة وأسلوب الحياة؛ لا نفقة اختيارية مرتبطة بالرفاه الآني. وبتعبير آخر، حتى مع التقلبات الاقتصادية وانخفاض القوة الشرائية، لم تتراجع الأسرة الإيرانية نسبيا عن الإنفاق في قسم الجمال. وقد جعلت استدامة الاستهلاك هذه هذا القسم من الناحية الاقتصادية سوقا آمنا نسبيا.
هل تنفق الأسر الإيرانية على الجمال أيضا مع التضخم المرتفع؟ أثر التضخم في إنفاق الجمال
ويقدم الرسم أدناه صورة جلية عن تغيرات متوسط إنفاق الأسر الإيرانية في مجال خدمات الجمال ومنتجاته، مع أخذ أثر التضخم في الحسبان. ووفقا للبيانات، كان عام 1396 هـ.ش (2017/18) ذروة هذا الإنفاق وقد صرفت الأسر في المتوسط 28 مليون ريال في هذا القسم. لكن بعد ذلك، خلال ثلاثة أعوام متتالية وفي ظروف واجهت فيها البلاد قفزات تضخمية وانخفاضا حقيقيا في الدخل، انخفض هذا الرقم بصورة متصلة وبلغ في عامي 1398 و1399 هـ.ش (2019–2021) أدنى مستوياته أي 21 مليون ريال. ولا يبين هذا الهبوط أثر الصدمات الاقتصادية وانخفاض القوة الشرائية فحسب، بل يؤكد أن الجمال، وإن كانت له مكانة مستقرة في السلة الثقافية، فإن أجزاء من إنفاقه قابلة للتعديل في ظروف الركود.

ومع ذلك، من عام 1400 هـ.ش (2021/22) فصاعدا عاد مؤشر متوسط الإنفاق إلى اتخاذ مسار صاعد وبلغ 24 مليون ريال في عامي 1401 و1402 هـ.ش (2022–2024). وتدل هذه الاستدامة النسبية في العامين الأخيرين، بعد الإحياء النسبي في عام 1400 هـ.ش (2021/22)، على أن الأسر، بعد تجاوز الصدمات الاقتصادية، سعت إلى إعادة بناء مستوى إنفاقها في هذا المجال. والعودة إلى الاتجاه الصاعد والاستدامة مجددا عند مستوى 24 مليون ريال أمارة على تثبيت السلوك الاستهلاكي مجددا في هذا القسم. ولا سيما إذا علمنا أن مجموع إنفاق هذا القسم على مستوى البلاد في عام 1402 هـ.ش (2023/24) بلغ الرقم البارز 66.78 همت، يمكن القول إن منتجات الجمال نالت حصة ذات دلالة لا من المنظور الفردي فحسب بل من الجانب الاقتصادي الكلي أيضا، وإن تحليل السلوك الاستهلاكي في هذا المجال يمكن أن يوفر رؤية استراتيجية لصنع السياسات الثقافية والاقتصادية.

ويدل الاتجاه الصاعد لمجموع إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته على مستوى البلاد خلال الأعوام 1396 إلى 1402 هـ.ش (2017–2024)، كما يلاحظ في الرسم أعلاه، على زيادة ذات دلالة في الطلب الوطني في هذا المجال. ففي حين كان هذا الرقم في عام 1396 هـ.ش (2017/18) نحو 10.38 همت، بلغ خلال ستة أعوام أكثر من 66.78 همت؛ أي نموا بأكثر من ستة أضعاف. ولا يخبر هذا النمو عن ارتفاع الأسعار أو السكان فحسب، بل يبين على نحو محدد اتساع نطاق استهلاك منتجات الجمال في طبقات أكثر تنوعا من المجتمع. ويمكن أن يدل مثل هذا الاتجاه على أن الجمال لم يعد سلعة تخص طبقات معينة، بل صار عنصرا من أسلوب حياة عامة الناس في إيران، ومن هذا الوجه له طاقة عالية للاستثمار وريادة الأعمال وصنع السياسات الثقافية.
هل ينفق الأثرياء وحدهم على الجمال؟
ويعرض الرسم أدناه توزيع حصة إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته من إجمالي النفقات الثقافية للأسرة في العشيرات الدخلية المختلفة خلال الأعوام 1396 إلى 1402 هـ.ش (2017–2024). وخلافا للتصور الشائع، يبين هذا الرسم أن نمط استهلاك الجمال ليس مقصورا على العشيرات العليا فحسب، وأن تقلبات الاستهلاك في العشيرات الوسطى والدنيا جديرة بالانتباه أيضا.

وفي عام 1402 هـ.ش (2023/24) استأثر العشير الخامس بأعلى حصة، وهي ملاحظة تخالف توقع تركز الاستهلاك في العشير العاشر. ويمكن أن يدل هذا الأمر على نمو استهلاك هذه المجموعة بوصفها طبقة «في حال انتقال» تميل من حيث أسلوب الحياة إلى الطبقات الأعلى. وفي المقابل، خصص العشير العاشر الذي يملك عادة أعلى حصة 1.10 في المائة فقط من إجمالي نفقته الثقافية للجمال، وهو انخفاض بارز مقارنة بالأعوام السابقة. ومن جهة أخرى شهدت العشيرات الأول إلى الثالث أيضا اتجاها ثابتا تقريبا أو تنازليا. وتبين هذه البيانات أنه مع الاستقرار النسبي لمكانة منتجات الجمال في السلة الثقافية، فإن شدة الاستهلاك في العشيرات المختلفة دالة على عوامل أبعد من الدخل الصرف؛ منها الميول الثقافية أو الوصول إلى الخدمات أو حتى المكانة الرمزية للجمال في بناء الهوية الاجتماعية.
العشير الخامس (لا العاشر!) المتصدر لحصة إنفاق منتجات الجمال
ويعرض الرسم أدناه حصة إنفاق الأسر الإيرانية على خدمات الجمال ومنتجاته بين العشيرات الدخلية المختلفة في عام 1402 هـ.ش (2023/24). وخلافا للتوقع الأولي الذي يفترض أنه مع ازدياد الدخل تزداد حصة الإنفاق على الجمال أيضا، تبين البيانات أن العشير العاشر (أثرى عشير) يملك أدنى حصة بـ1.10 في المائة؛ في حين سجلت العشيرات الوسطى مثل الخامس والرابع بـ1.46 و1.39 في المائة على التوالي أعلى حصة.

ويبين تحليل هذه الظاهرة أن العشيرات العليا، بسبب اتساع نمط استهلاكها الثقافي، قد وسعت نفقاتها الثقافية في مجالات أبعد من الجمال مثل السفر والفن والسياحة والتعليم والرياضة بل والأنشطة الاجتماعية. ويجعل هذا الأمر نسبة الإنفاق على منتجات الجمال إلى إجمالي نفقاتها الثقافية تنخفض، وإن يكن المبلغ الريالي قد يبقى مرتفعا كما تلاحظون في الرسم أدناه.

وفي المقابل، قد تختار العشيرات الوسطى، ذات القدرة المحدودة على المنافسة في المجالات الثقافية الأغلى، الجمال على نحو رمزي أو هوياتي بوصفه خيارا أيسر للإعراب عن الطبقة وأسلوب الحياة. ويؤدي هذا الأمر إلى أن تظهر حصة إنفاقها في هذا القسم من إجمالي استهلاكها الثقافي أعلى. ومن ثم ينبغي في تحليل مثل هذا الرسم الالتفات إلى النسب إلى جانب الإنفاق المطلق، وفحص الأنماط السلوكية للعشيرات أيضا على نحو مركب ومتعدد العوامل جنبا إلى جنب.
فجوة طبقية بسبعة أضعاف في استهلاك منتجات الجمال وخدماته في إيران
ويعرض الجدول أدناه اتجاه متوسط إنفاق الأسر الإيرانية في مجال خدمات الجمال ومنتجاته، مع أخذ التضخم في الحسبان، بين العشير الأول حتى العاشر في الأعوام 1396 إلى 1402 هـ.ش (2017–2024). وكما تبين البيانات، أنفقت أسر العشير العاشر في عام 1402 هـ.ش (2023/24) في المتوسط 49 مليون ريال على خدمات الجمال، في حين كان هذا الرقم للعشير الأول 7 ملايين ريال فقط. ويعني هذا الفرق أن العشير العاشر أنفق نحو 7 أضعاف ما أنفقه العشير الأول.

وبالمقارنة مع عام 1396 هـ.ش (2017/18) الذي كانت فيه هذه النسبة 66 إلى 9، أي نحو 7.3 أضعاف، يلاحظ أن نسبة اللامساواة في مستوى استهلاك الجمال بقيت عبر الزمن ثابتة تقريبا ولم تشهد الفجوة الإنفاقية بين طرفي الطيف الدخلي انخفاضا ذا دلالة. وتعبر استدامة مسافة الإنفاق هذه، من جهة، عن ارتباط الطبقات المرفهة الأكبر باستهلاك الجمال المتناسب مع أسلوب حياتها وذوقها، ومن جهة أخرى عن أن العشيرات الدنيا ما تزال، لأسباب اقتصادية، لم تجد القدرة على زيادة إنفاقها في هذا المجال. وبتعبير آخر، وإن تكن الحصة النسبية للنفقة قد تتقلب في بعض الأعوام، فإن مسافة الاستهلاك الريالي المطلقة بين العشير الأول والعاشر بقيت قائمة على نحو هيكلي.
الجنوب الجميل؛ في أي محافظات إيران يبلغ إنفاق الجمال أقصاه؟
ويرسم الرسم أدناه توزع حصة إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته من إجمالي النفقات الثقافية للأسرة على مستوى محافظات البلاد في عام 1402 هـ.ش (2023/24). واستنادا إلى هذه البيانات، تخص أعلى حصة استهلاك في هذا المجال محافظات جنوب البلاد؛ ولا سيما هرمزكان بـ3.11 في المائة وبوشهر بـ2.43 في المائة اللتين تقعان على نحو ملحوظ فوق المتوسط على مستوى البلاد.

وقد يكون هذا التركز الجغرافي في جنوب البلاد انعكاسا لعدة عوامل: ميل أعلى إلى الأناقة الظاهرية في المناطق المدارية، وأسلوب لباس أكثر انفتاحا وعمومية، وبنية ثقافية موجهة إلى العرض الاجتماعي، وكذلك حضور أبرز لأعمال خدمات الجمال في هذه المناطق. كذلك يمكن احتمال أن صناعة الجمال في هذه المحافظات لا تعد استهلاكية فحسب، بل تعد جزءا من الاقتصاد المحلي أيضا. وفي المقابل استأثرت محافظات مثل سيستان وبلوشستان (0.97 في المائة) وطهران (1.00 في المائة) بأدنى حصة في استهلاك الجمال. ويمكن أن تعود الحصة المنخفضة لمحافظة طهران إلى اتساع سائر النفقات الثقافية للأسرة في مجالات أكثر تنوعا مثل التعليم والفن والرياضة والسفر، مما خفض الحصة النسبية للجمال في سلة الاستهلاك الثقافي للأسرة الطهرانية. وبوجه عام يبين هذا التوزع الجغرافي أن نمط استهلاك الجمال في إيران لا يتبع منطق الدخل أو السكان البسيط، بل يتأثر بعوامل ثقافية ومناخية وبأسلوب الحياة الإقليمي.
ويمنح الرسمان أدناه صورة أدق عن السلوك الجغرافي لاستهلاك خدمات الجمال ومنتجاته في إيران في عام 1402 هـ.ش (2023/24): الرسم 15 متوسط إنفاق الأسرة في كل محافظة (بمليون ريال) والرسم 16 مجموع إنفاق أسر المحافظات في الإجمالي (بحسب همت).


واستنادا إلى الرسم 15، استأثرت محافظتا بوشهر (52 مليون ريال) وهرمزكان (46 مليون ريال) بأعلى متوسط إنفاق للأسرة. وتبين هذه البيانات أنه لا حصة الإنفاق في هاتين المحافظتين مرتفعة فحسب (كما رؤي في الرسم 14)، بل إن مقدار الإنفاق الحقيقي لكل أسرة أيضا عند مستوى أعلى. وفي المقابل سجلت سيستان وبلوشستان بـ11 مليون ريال فقط أدنى متوسط، وهو أمر مرتبط بمستوى الدخل المنخفض ومحدودية الوصول إلى خدمات الجمال وثقافة الاستهلاك الثقافي في هذه المحافظة.
أما في الرسم 16 الذي يبين مجموع الإنفاق على مستوى المحافظات، فتحتل محافظة طهران بـ4.28 همت الصدارة، في حين لم يكن متوسط إنفاق الأسرة الطهرانية في الرسم السابق مرتفعا كثيرا. وهذا التناقض الظاهري قابل للتبرير تماما بالنظر إلى العدد الكبير للأسر في محافظة طهران. وفي الواقع يتشكل حجم الاستهلاك في طهران من ناحية اتساع السكان، لا من شدة الاستهلاك على مستوى الأسرة.
وفي الجانب الآخر، محافظات مثل كهكيلويه وبوير أحمد أو إيلام، رغم الاستهلاك المرتفع نسبيا على مستوى الأسرة، لا تملك بسبب انخفاض السكان مكانة تذكر في مجموع الإنفاق. وتبين هذه المقارنة أنه لفهم جغرافيا استهلاك الجمال في إيران فهما كاملا ينبغي الالتفات إلى مؤشر المتوسط وإلى مجموع الإنفاق كليهما. وبتعبير آخر، تتقدم محافظات مثل بوشهر وهرمزكان في شدة استهلاك الأسرة، في حين تؤدي محافظات مثل طهران وخراسان الرضوية وفارس، بسبب الحجم العالي للسكان، أكبر وزن اقتصادي في هذا السوق. ويمكن أن يوفر هذا التحليل للعلامات المعنية بمنتجات الجمال ولصناع السياسات الثقافية بل ولناشطي التجارة الإقليمية استراتيجيات مختلفة لدخول سوق المحافظات.
الجمال في الريف أبرز منه في المدينة؟ ماذا تقول لنا الإحصاءات؟
ويبين فحص الرسوم أدناه أن حصة إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته من إجمالي النفقات الثقافية في الأسر الريفية في عام 1402 هـ.ش (2023/24) بلغت 1.52 في المائة؛ في حين أفيد أن هذا الرقم للأسر الحضرية 1.24 في المائة. وقد يبدو هذا الأمر للوهلة الأولى متناقضا، إذ يتوقع أن تملك الأسر الحضرية، ذات الدخل والوصول الأكبر، حصة أعلى في هذا المجال. غير أن تحليلا أدق لمتوسط الإنفاق الريالي (الرسم) يبين أن الأسر الحضرية صرفت في عام 1402 هـ.ش (2023/24) في المتوسط 26 مليون ريال والأسر الريفية 17 مليون ريال على منتجات الجمال، أي نحو 1.5 ضعف أكثر.


ويبين هذا الاختلاف على مستوى المتوسط أن مقدار الإنفاق الحقيقي في المدينة أكبر، غير أن نسبته إلى إجمالي النفقات الثقافية أدنى. ويعود السبب الرئيس لهذا التناقض إلى بنية الاستهلاك المختلفة في المدينة والريف. ففي الأسر الحضرية توجد نفقات أثقل مثل إيجار السكن والنقل والغذاء وسائر بنود الاستهلاك والخدمات مما يزيد مجموع مصروفاتها بشدة. ومن ثم تبدو حصة خدمات الجمال بين جمهور النفقات الأخرى أقل نسبيا. وبتعبير آخر، رغم أن الحضريين ينفقون أكثر، فإنهم يخصصون نسبة أصغر من إجمالي نفقتهم للجمال.
وفي المقابل، في الأسر الريفية بسبب انخفاض نفقات الحياة الجارية، حتى نفقة أقل على الجمال يمكن أن تستأثر بحصة أعلى من إجمالي المصروفات الثقافية. فضلا عن ذلك، في كثير من المناطق الريفية تعد خدمات الجمال جزءا من التفاعلات الاجتماعية أو الاقتصاد غير الرسمي مما قد ينفذ بتكلفة أقل لكن بأهمية ثقافية عالية. وبإيجاز، لا ينشأ الفرق في حصة إنفاق الجمال بين الأسر الحضرية والريفية من فرق في الميل أو السلوك الاستهلاكي، بل من فرق في بنية سلة النفقات الكلية. وينبغي أن يؤخذ هذا الأمر في التحليل السياسي والتسويقي للمؤسسات الاقتصادية في الحسبان على نحو صحيح.
العمال أكبر حصة من منتجات الجمال أما المديرون فأكبر مقدار إنفاق!
ويبين فحص الرسمين 18 و19 أنه في عام 1402 هـ.ش (2023/24) يوجد فرق ملحوظ في حصة إنفاق منتجات الجمال ومقداره بين المجموعات المهنية المختلفة. ولا يبين هذا الفرق التفضيلات الاستهلاكية فحسب، بل هو انعكاس للقوة الشرائية وأسلوب الحياة بل ومتطلبات هذه المجموعات المهنية أيضا.


وفي الرسم 18 استأثرت مجموعة العمال البسطاء بأكبر حصة من إنفاق خدمات الجمال ومنتجاته؛ بحيث صرفت الأسر التي رب الأسرة فيها في هذه المجموعة المهنية 1.52 في المائة من إجمالي نفقاتها على هذا المجال. وبعدها تقع مهن مثل مشغلي الآلات والمحاسبة والبائعين والخدمات وسائقي المركبات بحصة أعلى من 1.4 في المائة في المراتب التالية. وفي المقابل تخص أدنى حصة مجموعة «سائر» والمهن غير المهنية مثل «العاطل» و«غير المشتغل»، إذ تبلغ حصتها نحو 1.02 إلى 1.04 في المائة.
أما الرسم 19 فيضيف بعدا جديدا إلى الفحوص. ففي هذا الرسم يفحص مقدار الإنفاق الحقيقي بمليون ريال ويتبين أن مقدار إنفاق المجموعات ذات المرتبة العالية في الحصة ليس بالضرورة أكبر. فعلى سبيل المثال، يخص أكبر متوسط إنفاق مجموعة المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين الذين أنفقوا في المتوسط 49. 8 مليون ريال. وبعدهم يقع موظفو الشؤون الإدارية والمكتبية بـ45.99 مليون ريال. ورغم أن هذه المجموعات خصصت حصة أقل من إجمالي النفقات للجمال، فإن مقدار إنفاقها الحقيقي كبير جدا بسبب القوة الشرائية الأعلى. ويظهر هذا الأمر الفجوة الطبقية في هذه المسألة بجلاء. وفي المقابل يقع العمال المهرة في قطاع الزراعة والغابات وصيد الأسماك وغير المشتغلين في نهاية الرسم ويبلغ متوسط إنفاقهم 18.74 و18.58 مليون ريال على التوالي. وتبين هذه الأرقام أنه حتى إذا صرفت بعض المجموعات نسبة أكبر من نفقاتها على خدمات الجمال، فقد تكون في الواقع قد أنفقت أقل من مجموعات أخرى.
وفي الخلاصة يمكن القول:
- المجموعات ذات الدخل المرتفع يكون إنفاقها الريالي عادة أعلى، غير أنها تخصص حصة أقل من إجمالي نفقاتها للجمال.
- المجموعات منخفضة الدخل مثل العمال البسطاء، وإن أنفقت ريالا أقل في المجموع، فإن حصة أكبر من سلتها الثقافية تخص الجمال.
ولهذه البيانات أهمية عالية لتحليل السوق المستهدف لمنتجات الجمال؛ لأنها تبين بجلاء أن التسويق على أساس الدخل أو المهنة فحسب غير كاف، بل ينبغي أن تراعى نسبة الإنفاق والتفضيلات الاستهلاكية أيضا إلى جانب ذلك.
الوضع الكلي لاستهلاك منتجات الجمال وخدماته في إيران
ويبين فحص الإحصاءات والتحليلات أن منتجات الجمال وخدماته نالت في السنوات الأخيرة مكانة مستقرة ومثبتة في سلة الاستهلاك الثقافي للأسرة الإيرانية. وعلى نحو محدد من عام 1396 إلى 1402 هـ.ش (2017–2024)، ظل هذا المجال دائما بعد الموضة والملبوسات في المرتبة الثانية من النفقات الثقافية للأسرة، بحيث إن حصته حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة وتقلبات التضخم لم تتغير تغيرا يذكر.
ومن المنظور الطبقي، خرج استهلاك خدمات الجمال في إيران من احتكار الطبقات العليا وأظهرت المجموعات الوسطى أيضا ميلا ملحوظا إليه؛ عشيرات وإن تكن من الناحية المالية ذات وضع متوسط، فإنها تستخدم منتجات الجمال على الأرجح بهدف الإعراب عن أسلوب الحياة والهوية الاجتماعية.
ومن الناحية الجغرافية أيضا نلاحظ أن المحافظات الجنوبية مثل بوشهر وهرمزكان تملك أكبر ميل وإنفاق في مجال خدمات الجمال؛ هذا في حين أن محافظات كبيرة مثل طهران، بسبب توزع النفقات الأوسع، ورغم الإنفاق الريالي الأعلى في الإجمالي، خصصت حصة أقل من ميزانيتها الثقافية للجمال.
وتبين التحليلات أيضا الدور المؤثر للوضع المهني ومستوى التحصيل بل والوضع الزواجي لرب الأسرة في مقدار إنفاق الجمال. فالأسر ذات رب الأسرة المشتغل وربة المنزل تملك أكبر إنفاق، وكلما ارتفع مستوى التحصيل وعدد الأعضاء المتعلمين في الأسرة ازداد استهلاك الجمال أيضا أكثر.
فضلا عن ذلك، أثر الوضع الزواجي جدير بالانتباه أيضا؛ بحيث إن الأسر ذات رب الأسرة المتزوج بل والأسر التي طلق رب أسرتها، مقارنة بسائر المجموعات، تملك إنفاقا أكبر على الجمال.
ومع ذلك ينبغي الالتفات إلى أن اتساع استهلاك منتجات الجمال، إلى جانب آثاره الاقتصادية الإيجابية وإيجاده فرص العمل، يحمل من المنظور الثقافي والاجتماعي تهديدات أيضا. فالتأكيد المفرط على المظهر والجمال، ولا سيما حين يؤدي إلى استهلاكية مفرطة وترويج أنماط ثقافية غير مناسبة، يمكن أن تكون له آثار طويلة الأمد على المجتمع.
وتظهر الأبعاد الثقافية الخطرة لهذه الصناعة حين تصير مفاهيم مثل القيمة الذاتية للإنسان والنجاح الاجتماعي بل والقبول الاجتماعي مرتبطة بمعايير مثل المظهر والعلامات الاستهلاكية ومقدار استخدام خدمات الجمال. ويمكن لمثل هذه الظروف، فضلا عن إيجاد ضغط نفسي واقتصادي على الشرائح المتوسطة والدنيا من المجتمع، أن تؤدي إلى انفصالات اجتماعية وثقافية عميقة.
مقترحات عملية في مجال صناعة خدمات الجمال ومنتجاته في إيران
ولإدارة أنسب لسوق خدمات الجمال ومنتجاته في إيران وتفادي الأضرار الثقافية المحتملة، يلزم اتخاذ إجراءات متوازنة ومخططة في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. وفي الخطوة الأولى من الضروري، عبر وسائل الإعلام والفضاءات التعليمية والعامة، زيادة وعي الناس بالاستخدام الصحيح والمنطقي لهذه المنتجات، والتأكيد على أن الجمال ليس مقصورا على المظهر فحسب وأن له مفهوما أوسع يشمل الصحة والطمأنينة النفسية وقبول الذات أيضا. وفي الوقت نفسه ينبغي تصميم صنع السياسات بحيث تعزز الإنتاجات الداخلية والعلامات المحلية حتى تنتج وتقدم، فضلا عن ضبط خروج النقد الأجنبي ومواجهة التهريب، منتجات متناسبة مع قيم الناس وحاجاتهم الثقافية والاقتصادية.
كذلك يلزم أن تقدم الشركات والأعمال الناشطة في هذا السوق، بفهم أدق لحاجات المجموعات الدخلية المختلفة، منتجات اقتصادية لكن عالية الجودة ومتناسبة مع الثقافة الإيرانية. ويمكن لمثل هذا النهج، مع تلبية حاجة المستهلك، أن يخفض الضغط الاقتصادي على الأسر أيضا. وفي هذا الاتجاه يحظى ضبط الإعلان وكيفية تقديم المنتجات في الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام العامة بالأهمية أيضا. وينبغي الحيلولة دون رواج الإعلان غير الصحيح والمفرط الذي يروج أنماط استهلاك غير منطقية وضارة.
وإلى جانب هذه الأمور، فإن دور المؤسسات التعليمية والثقافية بالغ الحسم. فبترويج نظرة نقدية وتوعوية في المدارس والجامعات وفي التعليم الرسمي وغير الرسمي، ينبغي تشجيع الأفراد على تفكير أعمق في معايير الجمال والهوية الفردية، وتعزيز الاعتقاد بأن قيمة الإنسان تتشكل على أساس المعرفة والمهارة والشخصية، لا على أساس المظهر أو استهلاك سلع معينة. ومجموع هذه الإجراءات يمكنه، مع إيجاد فرص اقتصادية وتشغيل مستدام، أن يحول دون تحول صناعة التجميل إلى معضلة ثقافية، وأن يجعلها مجالا صحيا وحيويا ومتسقا مع القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع الإيراني.
كلمة أخيرة
وفي الخلاصة النهائية ينبغي القول إن صناعة خدمات التجميل ومنتجاته تحتل على المستوى العالمي مكانة مهمة ومتنامية، بحيث تشير التوقعات إلى زيادة متواصلة في الطلب في السنوات المقبلة، وتعد هذه الصناعة أحد المجالات الاقتصادية المهمة والمولدة للتشغيل في بلدان كثيرة. وفي هذا السياق، لم تكن إيران بمنأى عن هذا الاتجاه العالمي، وقد وجدت منتجات التجميل مكانة راسخة في سلة استهلاك الأسر الإيرانية، بحيث إنها حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة لم تخرج من أولويات الاستهلاك الثقافي. ومع ذلك، من الضروري إلى جانب استثمار الطاقات الاقتصادية لهذه الصناعة أن يولى اهتمام خاص لأبعادها الثقافية والاجتماعية أيضا، حتى يمكن مع إيجاد تنمية اقتصادية وتشغيل مستدام الحفاظ على الصحة الثقافية والاجتماعية للمجتمع أيضا، واتخاذ مسار متوازن ومتوافق مع القيم الإيرانية الإسلامية الأصيلة.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية