تخيلوا عالما افتراضيا يعيش فيه مليارات الأشخاص معا في عالم آخر ويعملون ويتسوقون ويتعلمون ويتواصلون، في حين يتكئون في الواقع على أرائك الراحة في بيوتهم. وفي هذا العالم تحولت شاشات الحاسوب التي نستخدمها اليوم للاتصال بشبكة المعلومات العالمية إلى بوابة نحو عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد يمكن لمس كل شيء فيه؛ كحياة حقيقية. واسم هذا العالم «الميتافيرس» الذي لا وجود خارجيا له بعد. وقد ازداد فضول الجميع حول هذا المصطلح في السنوات الأخيرة إلى حد أن البحث عنه في فضاء جوجل ازداد في عام 2021 بنسبة 7200 في المائة؛ وهو العام الذي غير فيه فيسبوك هويته المؤسسية إلى ميتا وأعلن أنه ينوي استثمار 10 مليارات دولار على الأقل في هذه التكنولوجيا. وتظهر بحوث ماكينزي أيضا أنه فضلا عن ميتا ستوصل عمالقة آخرون في ميدان التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وجوجل وإنفيديا وكوالكوم قيمة الميتافيرس حتى عام 2030 إلى 5 تريليونات دولار. لكن هل يمكن، رغم كل الجاذبيات والأرباح الوفيرة، أن يكون لهذا العالم الافتراضي وجه مظلم أيضا؟
ما عالم الميتافيرس؟
الميتافيرس فضاء رقمي ثلاثي الأبعاد يمزج، باستخدام تكنولوجيات مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، حياة الإنسان عبر الإنترنت بحياته الحقيقية والمحاكاة. وقد استخدم نيل ستيفنسون مصطلح الميتافيرس لأول مرة في عام 1992 في روايته العلمية الخيالية Snow Crash ليصف عالما افتراضيا يعيش فيه الأفراد وفق المهارات التقنية لأفاتاراتهم.
وفي عام 2022 طرح لورين لوبيتسكي، المدير الأول في Bain & Company، في اجتماع استراتيجية المنصات في MIT ثلاثة سيناريوهات محتملة للميتافيرس. ووفقا للسيناريو الأول يتحول الميتافيرس إلى فضاء للعب والترفيه للمستهلكين؛ فضاء بعيد نسبيا عن الفضاء الإلكتروني. وفي السيناريو الثاني يسيطر على الميتافيرس منظومات بيئية متنافسة -مثل عالم ميتا لأندرويد وآبل- بقابلية تعاون محدودة. وفي السيناريو الأخير يشكل الميتافيرس، تماما مثل الإنترنت، فضاء تفاعليا مفتوحا وحيويا لكن بصورة ثلاثية الأبعاد.
وتقول مارن ليفين (Marne Levine) رئيسة إدارة القسم التجاري في Meta: «في الميتافيرس ستتمكنون لا من الانتقال الآني إلى أي مكان فحسب، بل من السفر في الزمن أيضا. افترضوا أنكم ذهبتم إلى روما القديمة. تخيلوا أنكم واقفون في الشوارع، تسمعون الأصوات، تنظرون إلى الأسواق وتحسون عن قرب بإحساس حياة قبل 2000 سنة». وتقدم لعبتا أساسنز كريد أوريجينز وأساسنز كريد أوديسي كلتاهما تجربة قريبة من الحياة قبل 2000 سنة في أقسام مختلفة منهما. وتسمح اللعبتان كلتاهما للاعبين بأن يتجولوا بحرية في العالم الواسع المصمم لمصر واليونان، بما يشمل الوقوف في المتاجر ومشاهدة القصور والمنشآت الشهيرة بل تعلم دروس تاريخية منها. والآن تخيلوا أنكم، بتركيب سماعة واقع معزز أو واقع افتراضي، تحسون عالم هاتين اللعبتين عن قرب وتتمكنون من التفاعل عن قرب مع شخصياتهما وبيئتهما.

وعلى هذا الأساس وفي إثر الجاذبية البالغة لعالم الميتافيرس، صور كثيرون أفكار هذا العالم في كتبهم وأفلامهم المختلفة؛ كأنهم يريدون أن يبشروا جمهورهم بعالم مثالي ناشئ. فعلى سبيل المثال يصور ستيفن سبيلبرغ في عام 2018، باقتباس من رواية إرنست كلاين Ready Player One، مستقبلا يفر فيه الأفراد من مشكلاتهم بالدخول إلى العالم الافتراضي Oasis. ومن جهة أخرى قرب ازدياد انتشار الهواتف المحمولة الذكية وشعبية ألعاب مثل Pokémon Go الميتافيرس أكثر فأكثر من العالم الحقيقي.
الواقع الافتراضي لميتا؛ تحول كبير في فيسبوك
في 28 أكتوبر من عام 2021 أعلن مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك ومديرها التنفيذي في مؤتمر حي وافتراضي لمستخدميه خبر تغيير اسم هذه الشركة إلى ميتا Meta. ومن رأيه أن هذا التغيير يعكس تحولات كبيرة للتجاوز عن وسائل التواصل الاجتماعي والدخول إلى عالم الويب 3 والتشفير (البلوك تشين) والرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) والميتافيرس. وكان زوكربيرغ يأمل أن يخلق الميتافيرس، بجذب أكثر من مليار شخص، تجارة قيمتها مئات المليارات من الدولارات وأن يوظف ملايين الأفراد في هذا العقد.
ومنذ ذلك الحين استثمرت ميتا أكثر من 63 مليار دولار في الواقع الافتراضي (Virtual Reality)؛ منها سماعات الواقع الافتراضي المحدثة كويست التي تجول فيها أفاتارات مخصصة (خلقت أولا بلا أقدام) في الفضاءات الرقمية؛ كذلك التعاون مع علامة Ray-Ban لإنتاج نظارات الواقع المعزز (AR). بحيث بلغ دخل الواقع الافتراضي من هذين القسمين بنمو 28 في المائة في الربع الثاني من عام 2024 مقدار 353 مليار دولار.
ومع ذلك غير ظهور ChatGPT وانفجاره في نوفمبر 2022 كل شيء؛ وإن كانت ميتا مستعدة لذلك: فقد كان قسم بحوث الذكاء الاصطناعي في هذه الشركة بقيادة يان ليكون يعمل منذ مدة طويلة. بحيث اعترفت ميتا في يوليو 2024، بالكشف عن Llama 3.1؛ أكبر نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر، بتأخر نسبي لسائر نماذج الذكاء الاصطناعي المغلقة المصدر ومنها ChatGPT وكلود. ووفقا للشواهد تنوي ميتا أن توصل الاستثمار في هذا القسم إلى 38 حتى 40 مليار دولار مما يمكن أن يبلغ حتى عام 2025 حتى 50 مليار دولار. وقد قال زوكربيرغ «سيؤثر الذكاء الاصطناعي تقريبا في كل نوع من المنتجات التي لدينا». ومع كل هذا لم يتخل عن أحلامه الكبيرة للميتافيرس. بحيث إنه بعد ضياع ثلثي قيمة هذه الشركة في عام 2022 تضاعف سعر سهم ميتا تقريبا ثلاث مرات بعد سنة، وبلغ في عام 2024 بزيادة 60 في المائة مقدار 595.94 دولار لكل سهم.
خسارة بمليارات الدولارات: الوجه الآخر للواقع الافتراضي لميتا
كان للحركة الطموحة لميتا كي تكون الأولى في عالم الميتافيرس والواقع الافتراضي وجه آخر هو مليارات الدولارات من التكلفة على هذه الشركة؛ بحيث تحمل قسم الميتافيرس والواقع الافتراضي في ميتا (Meta’s Reality Labs) 4.5 مليار دولار من الخسارة في الربع الثاني من عام 2024، وهذا يعني خسارة تفوق 50 مليار دولار لهذه الشركة منذ إطلاق الواقع الافتراضي.

وتظهر التقارير أنه في حين توقع المحللون أن يبلغ دخل الواقع الافتراضي لميتا في هذه الأشهر الثلاثة رقما يعادل 310.4 مليون دولار، لم يبلغ هذا الدخل في الواقع سوى 270 مليون دولار. وقد فقد إنستغرام وفيسبوك حصة أكبر من سوقهما وازدادت شعبية تيك توك وسناب شات بين المراهقين. وترى ميتا أن السبب الرئيس لهذه التغيرات هو الجهود المتواصلة للشركة لتطوير المنتج والاستثمار لتوسيع تكنولوجيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز لميتا أكثر.
وقد لفتت هذه النقطة وعدم تحقق كثير من الأفكار انتباه زوكربيرغ نفسه أيضا. وكتب مارك زوكربيرغ في بريد إلكتروني إلى موظفيه أنه كان يعد العمل عن بعد والمكالمة المصورة والتجارة الإلكترونية، وهي عوائد عصر كورونا، أمرا دائما سيستمر حتى بعد انتهاء الجائحة. «لذلك قررت أن أزيد استثماراتنا زيادة ملحوظة. ولسوء الحظ لم يجر ذلك كما كنت أتوقع؛ فبعد الجائحة تبين أن الناس ما زالوا يفضلون اللقاء وجها لوجه أو المكالمة بالفيديو على ارتداء سماعة واقع افتراضي ثقيلة المظهر وجر أفاتار بلا قدمين إلى غرفة اجتماع افتراضية».
وتحاول ميتا بسبل مختلفة منها تسريح العمالة (فصل أكثر من 13 في المائة من القوة العاملة بما يعادل قرابة 11 ألف شخص) خفض تكاليفها؛ وإن كانت ما تزال ترى الاستثمارات الحالية وتكاليفها سبيلا صحيحا. وفي هذا الاتجاه قال Ash Jhaveri -نائب مشاركات مختبرات الواقع الافتراضي- في مقابلة مع CNBC: «وإن كنا نحتاج إلى تركيز ورقابة أكبر؛ فإن هذا لا يغير اتجاه جهودنا المقبلة، بل يساعد فقط على مزيد من تركيز سوقها». غير أن كثيرا من موظفي ميتا أفادوا في مقابلة بعدم صواب هذه الإجراءات. وفي استطلاع مجهول قال 58 في المائة من الأشخاص عن موجة فصل الموظفين الواسعة: «الميتافيرس موتنا البطيء التدريجي؛ سيدمر زوكربيرغ الشركة وحده بالميتافيرس».
وقد عد المحللون أيضا في هذا الاتجاه حضور منافسين أقوياء آخرين مثل آبل وعرض سماعات الوقائع المختلطة من جانبها خطرا كبيرا آخر أمام ميتا. وعلى هذا الأساس يرى Jhaveri أن أحد الأهداف ينبغي أن يكون خفض تكاليف سماعات الواقع الافتراضي Meta Quest Pro. ويقول بالطبع إن هذا العمل قد لا يحدث بهذه السرعة؛ لأن هذا الاختراع ارتقاء هائل في تاريخ التكنولوجيا: «إذا نظرتم إلى أجزاء هذه السماعة ذرة ذرة تدركون أن أكثر التكنولوجيا تقدما قد اجتمعت فيها. تقريبا أشبه بحاسوب».
ويمضي في التوضيح الأفضل للمستقبل فيضرب مثال تلفزيونات الشاشة المسطحة:
«أتذكرون عام 1999 أو 2000 حين دخلت تلفزيونات الشاشة المسطحة السوق. كان سعر التلفزيون 40 إنشا منها قريبا من 10 آلاف دولار؛ في حين لم يكن ذا دقة عالية أيضا؛ لكن معظم الأشخاص كانوا يريدون هذا المنتج والآن بلغ سعر هذا التلفزيون 70 إنشا 1800 دولار. ونحن أيضا نضع هذا المسار نصب أعيننا؛ مزيد من التقدم نحو النماذج الاستهلاكية. لذلك نعتقد أن منحنيات التكلفة ستنخفض في المستقبل».

المستقبل المحتمل: ظهور مدينة فاضلة أم مدينة فاسدة؟!
وقد توقعوا أنه حتى عام 2050 سينال الميتافيرس قبولا عاليا في جميع شرائح المجتمع. لكن هذا التحول السريع يمكن أن يمهد أرضية مدينة فاسدة لا مجتمعا مثاليا مرغوبا.
تخيلوا عالما محا فيه الميتافيرس الحدود بين الفضاء الحضوري والافتراضي. فتحل الشوارع بلا حضور أي فرد محل المدن الافتراضية. وتصير المناظر الطبيعية مجرد خلفية لتجارب رقمية؛ لأن الميتافيرس يدعونا إلى اللذة الفورية من كل شيء. وفي هذه المدينة الفاسدة لا يزيد بيئة العمل عن مكاتب مادية يقيم فيها الأفراد وفق أدائهم الرقمي. وتختزل العلاقات الاجتماعية أيضا إلى مجموعة من الأفاتارات وروبوتات الدردشة. وتعرف الخوارزميات الصداقة والحب. ويقل التعاطف والشفقة ويحل محلهما الرضا الفوري والغيرة والرتابة. ولن يعود للخصوصية وجود؛ لأن تنقيب بيانات هذا العالم سيتغلغل في كل زاوية من الحياة.
وفي ظل هذه المدينة الفاسدة الميتافيرسية تتحول حتى أكثر المؤسسات الاجتماعية أساسية. فيختزل التعليم إلى تجارب معاد بناؤها. وتصير الثقافة والفن أكثر فأكثر أمرا سلعيا؛ لأن العالم الرقمي يترك أقل فضاء للإبداع الفردي والفني.
كلام أخير
في العالم الحاضر مع تسارع التحولات التكنولوجية تحول الميتافيرس إلى أحد أكثر المصطلحات شعبية، عالم تجسد فيه الإنترنت أكثر وامتزج فيه الفضاء الحقيقي والافتراضي أكثر فأكثر. وفي الاتجاه نفسه أحدث فيسبوك، بتغيير اسمه المؤسسي إلى ميتا، ضجة أكبر في عالم الميتافيرس. وقد استثمرت ميتا أكثر من 100 مليار دولار للبحث والتطوير في عالم الميتافيرس؛ لكنها في الوقت نفسه ألحقت تكاليف وخسارة كبيرة بجسم الشركة: خسارة تقارب 4.5 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2024. وقد جعل هذا الأمر كثيرا يعدون التسارع نحو عالم الميتافيرس أكثر مصاحبة لظهور مدينة فاسدة لا مجتمعا مثاليا. ومن رأيهم أن دوس العواطف والمشاعر الإنسانية ليس سوى أحد الآثار السلبية لاتساع هذا العالم. وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنتج أن الذهاب نحو عالم الميتافيرس ينبغي أن يصحبه أيضا معرفة كاملة بتحدياته وآثاره؛ وإلا فلن يكون منه نفع سوى مدينة فاسدة وتباعد الناس بعضهم عن بعض وفرض تكاليف كبيرة.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية