تعرف على صعود صناعة السياحة وهبوطها في أرض الأهرام

عالميالسياحة1402 (2023/24)

حين زحف نابليون قاصدا قطع محور مواصلات بريطانيا إلى الهند على مصر وفتحها لم يكن يظن أن هذا الهجوم نفسه بعد قرنين سيحول هذه الأرض إلى أحد أقطاب السياحة الأثرية في آسيا. وموطن الفراعنة وأرض الأهرامات الثلاثة كانت دائما بألغازها جذابة لأبناء الأمم المختلفة شرقا وغربا.  لكن مدن مصر الجميلة لم تسلك دائما طريقا ممهدا لجذب السائح إليها وصناعة السياحة في مصر كانت مصحوبة بتحديات.

بداية السياحة والسفر إلى مصر

أشرنا سابقا إلى زحف نابليون على مصر بقصد المنافسة مع بريطانيا. ولنابليون لم يكن فتح مصر أو الدولة العثمانية إلا أداة لمواجهة بريطانيا. لكن هذا الزحف الواسع أدى عن غير قصد إلى التعرف على مصر وجذب انتباه علماء الآثار الأوروبيين إليها. وكان نابليون قد اصطحب في هذه الرحلة هيئة من العلماء وعلماء الآثار لتكون مظهرا لذروة مجد الحضارة الغربية. وأدت أنشطة هذه الهيئة الغربية في مصر إلى اكتشاف حجر رشيد ثم تأسيس علم المصريات.

وبالتدريج في القرن التاسع عشر مال مزيد من علماء الآثار من أوروبا إلى علم المصريات. وبعرض عجائب مصر القديمة في متاحف البلدان الأوروبية أظهر الناس أيضا اهتماما خاصا بهذه الأرض. وفي النهاية تحولت مصر إلى إحدى أكثر جاذبيات السياحة شعبية لدى الأوروبيين في القرن العشرين.

كان اتجاه زيادة عدد السياح السنوي لمصر حتى أواخر عقد التسعينيات الميلادي يسير بنمو ضعيف حتى اتخذ هذا الاتجاه من منتصف عقد 2000 الميلادي نموا تصاعديا يستمر حتى اليوم رغم كل التحديات.

عدد السياح السنوي لمصر من 1982 إلى 2018

أهمية السياحة في مصر

للتجول والسفر إلى مصر بين البلدان العربية والأفريقية بالطبع تاريخ طويل. ولهذا السبب تحولت صناعة السياحة في مصر إلى أحد الأركان الاقتصادية المهمة لهذا البلد.

كما ترون في الرسم البياني أدناه في عام 2005 -المتزامن مع بدء النمو التصاعدي لصناعة السياحة في مصر- كان دخل مصر من السياحة والسفر أكثر من 15 في المائة من إجمالي الناتج المحلي (GDP) لهذا البلد. ومع أن تحديات مثل الربيع العربي والتغيرات والاضطرابات السياسية وانتشار فيروس كورونا أوصلت هذه الحصة إلى أدنى مقدار لها فإن هذا الاتجاه عاد تزايديا من عام 2021.

حصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر

والرسم البياني التالي يبين أيضا إجمالي حصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر ويقدم كذلك توقعا لها في أفق 2028.

إجمالي حصة السياحة والسفر من الناتج المحلي الإجمالي لمصر بمليار جنيه مصري

ولصناعة السياحة دائما أثر مباشر وغير مباشر في إيجاد فرص العمل ومصر ليست مستثناة من هذه القاعدة. وبعد خفوت الاضطرابات السياسية في مصر في عام 2017 يتخذ أخيرا من عام 2019 نمو التشغيل المباشر المنتج بواسطة السياحة اتجاها تزايديا ومن أهم علله زيادة عدد سياح مصر في هذه الأعوام. وهذا الاتجاه حتى في أعوام انتشار فيروس كورونا لم يشهد انخفاضا ملحوظا وبعد ذلك عاد إلى التزايد مجددا.

الحصة المباشرة للسياحة والسفر من التشغيل في مصر

وفي النهاية ينبغي الإشارة إلى الدخل الحاصل من السياحة في مصر وفحص الاتجاهات فيه. فمن عقد التسعينيات حتى منتصف 2000 لا نشهد تغيرا يذكر في الدخول لكن من عام 2004 يتخذ هذا الاتجاه نموا تصاعديا حتى يبلغ ذروته في عام 2010. وكان عام 2011 لمصر عاما مصيريا في الربيع والثورات العربية لكن هذه الثورة صحبتها اضطرابات أدت إلى انخفاض عدد سياح مصر وبالتالي انخفاض دخل صناعة السياحة في مصر.

وتستمر الاضطرابات السياسية في مصر حتى عام 2017 وهذا الأمر يظهر نفسه مجددا في هذين المؤشرين نفسيهما. ومن عام 2017 يسود مصر استقرار أكبر وحتى عام 2019 تفيد أرض الأهرامات الثلاثة من زيادة تصاعدية في دخل السياحة في مصر. ويجعل انتشار فيروس كورونا في عام 2020 مجددا عاما مرا لصناعة السياحة في مصر ينتهي بالطبع بنهاية سعيدة في حقبة ما بعد كورونا.

الدخل الحاصل من سياحة مصر

أثر الربيع العربي والاضطرابات الداخلية في سياحة مصر

كان عام 2011 لكثير من البلدان العربية المسلمة عاما مصيريا ومهما. كانت احتجاجات الناس الطويلة من أجل إصلاحات سياسية واجتماعية في بلدانهم تشتد لكن تغيرا يذكر لم يكن يحصل. حتى تحولت شعارات الناس من «اصلاح النظام» إلى «اسقاط النظام» وهذا يعني التحرك نحو الثورة. وفي هذه الظروف كانت شرارة واحدة تكفي لانفجار مستودع البارود هذا وأشعلت هذه الشرارة. وكان بلدا مصر وليبيا على رأس الاحتجاجات وكانت نتيجتها إسقاط الحاكمين المستبدين لهذين البلدين أي حسني مبارك ومعمر القذافي.

وألقت حالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في منطقة منا (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) بظل سلبي على كثير من المؤشرات الاقتصادية ومنها من أهمها السياحة الخارجية. فالسياح لا يرغبون في ترك بلدهم قاصدين بلدا ليس فيه أمن.

كما يرى في الرسم البياني أدناه شهدت مصر ولبنان وتونس والمغرب أكبر هبوط في عدد السياح والدخل الحاصل من السياحة في عام 2011 مقارنة بما قبل الثورة. كذلك كلما هبط عدد السياح الأجانب في منطقة منا ازداد بشدة في دول الخليج الفارسي مثل السعودية وقطر والإمارات عدد السياح ودخل السياحة.

إحصاءات السياحة في بلدان الشرق الأوسط قبل الربيع العربي وفي أثنائه

وفي الرسم البياني أدناه أجريت مقارنة بين جنسيات السياح الأجانب لمصر في العام السابق للربيع العربي وبعده. وكانت أكبر حصة في السياح للأوروبيين ثم العرب لكن هذه الإحصاءات واجهت هبوطا شديدا وكان أكبر سقوط بالطبع متعلقا بعدد السياح الأمريكيين في مصر.

مقارنة سياح مصر بحسب الجنسية قبل الربيع العربي وبعده

يمكن قياس أثر انخفاض السياحة في مصر في عام الثورة في ثلاثة مؤشرات اقتصادية:

  1. إنفاق السياح (إنفاق السياح في الشؤون الترفيهية والتجارية باستثناء الشؤون التعليمية)
  2. حصة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي
  3. وحصة السياحة في خلق فرص العمل

وقد نما إنفاق السياح الأجانب في مصر (visitor exports) في عام 2010 بنسبة 6.9 في المائة مقارنة بالعام السابق، لكنه في سنة الثورة شهد هبوطا بنسبة 27 في المائة، وإن كان هذا المؤشر مع ازدياد استقرار الأوضاع قد اتخذ اتجاها ذا نمو معتدل. وهذا الاتجاه زيادة-انخفاض حاد-زيادة معتدلة يمكن ملاحظته في المؤشرين الآخرين أيضا.

الأثر السلبي للربيع العربي على المؤشرات الاقتصادية المتعلقة بسياحة مصر

بعد الربيع العربي استمرت الاضطرابات في مصر وشهد هذا البلد مجددا تغيرا في النظام والحكم السياسي. واستمرت هذه التقلبات عدة سنوات في أرض الفراعنة إلى أن شهدنا منذ عام 2017 شيئا فشيئا استقرارا وثباتا سياسيا في هذا البلد، وتبعا لذلك ارتفعت أرقام السياح في مصر والمؤشر الاقتصادي المتعلق بزيارة معالم مصر السياحية.

أثر تفشي فيروس كورونا على صناعة السياحة في مصر

في بداية عام 2020 انشغل العالم بتفشي فيروس كورونا وبدأ الحجر المنزلي في معظم البلدان. وبطبيعة الحال كانت السياحة من الصناعات التي لحقت بها أكبر الأضرار بسبب قيود التنقل الدولية. وفي هذا السياق لم تنج معالم مصر السياحية من هذه الآفة.

كان عام 2019 لأرض الفراعنة عاما مثمرا في مجال زيارة الأماكن السياحية في مصر. وسجل في هذا العام مع 13 مليون سائح ونحو 13 مليار دولار من الدخل المتأتي من السياحة رقم قياسي جديد لهذا البلد في مجال السياحة.

أما في السنة الأولى لتفشي فيروس كورونا فقد واجهت هذه الأرقام انخفاضا بنسبة سبعين في المائة، ولم يسافر إلى هذا البلد سوى 3.5 مليون سائح وهبط دخله أيضا إلى 4 مليارات دولار. وقد عوض تخفيف القيود المرتبطة بكورونا إلى جانب سياسات مصر لجذب السياح هذا الهبوط في غضون ثلاث سنوات، بحيث زار في النصف الأول من عام 2023 أكثر من سبعة ملايين سائح الأماكن السياحية في مصر. ويتوقع أن يبلغ هذا الرقم الرقم القياسي 15 مليونا في نهاية العام.

مستقبل صناعة السياحة في مصر

بالنظر إلى القفزة الكبيرة لصناعة السياحة في السنتين التاليتين لكورونا، بلغت مصر في مجال جذب السياح لا أفضل وقت قبل كورونا فحسب، بل حسنت أرقامها القياسية، ويمكن لهذا التعويض عن الخسائر أن يعيد مصر مجددا إلى سكة تنمية السياحة.

ويعتزم هذا البلد أن يزيد هذا الاتجاه التصاعدي لجذب السياح باستراتيجياته الجديدة بنسبة 25 إلى 30 في المائة كل سنة وأن يصل حتى أفق 2028 إلى رقم 30 مليون سائح. ولتحقيق هذا الهدف اتبعت سلطة مصر سياسات جذب متنوعة: جذب 20 مليار دولار من الاستثمار للسياحة، وزيادة طاقة الفنادق من 215 ألفا إلى 500 ألف غرفة، وتعديل عملية منح التأشيرات وتحريرها لكثير من البلدان، وتحسين منشآت المتاحف التاريخية وخدماتها، وإعادة افتتاح أكبر متحف في هذا البلد بعد عشر سنوات، وتطوير نظام إصدار تذاكر معالم مصر السياحية إلكترونيا، وتوسيع أسطول هذا البلد الجوي من أجل نقل أسرع وأفضل للسياح و... .

وفي الجدول أدناه أوردت إحصاءات عن عدد ليالي إقامة السياح في مصر في السنوات الأخيرة وكذلك توقعات لأفق 2025 وإلى جانبها الزيادة المحتملة. ووفقا لهذا التوقع الاقتصادي حتى عام 2025، سيكون خمسة وثلاثون مليار دولار حصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. كذلك يتوقع حتى أفق 2028 وهو سنة الهدف المخطط لمصر، أن ينشأ بمنحنى تصاعدي معتدل 2.2 مليون وظيفة عن طريق السياحة، وأن تصل حصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر بمنحنى أكثر تصاعدا حتى العام نفسه إلى الرقم غير المسبوق 45.6 مليار دولار.

اتجاه نمو السياحة في مصر بحسب المؤشرات الاقتصادية

 

توقع خلق فرص العمل في صناعة السياحة في مصر

 

توقع حصة سياحة مصر من الناتج المحلي الإجمالي لهذا البلد

التحديات التي لا تنتهي لصناعة السياحة في مصر

صناعة السياحة كأي صناعة أخرى لها تحديات وصعود وهبوط خاص بها، لكن الفن ليس في تجاهل هذه المشكلات أو الشكوى منها بل في رؤيتها بعقلانية وخلق فرصة من قلب التهديدات. وصعود السياحة وهبوطها في أرض مصر القديمة من أفضل الملفات لفحص هذا الموضوع. فالسياحة في مصر يهددها مرة الثورات العربية، ومرة أخرى الاضطرابات الداخلية، ويأتي دور كورونا أيضا، وفي النهاية التحدي الإقليمي لمعركة إسرائيل وفلسطين. وكما فحص فإن هذه التحديات لا نهاية لها وتكاد تترك دائما أثرها السلبي، لكن صانع السياسات الذكي هو من يجب أن يصطاد من قلب هذا البحر الهائج سمكة مقصوده مستفيدا من التجارب المختبرة.

المصادر

https://www.statista.com/statistics/971622/egypt-tourism-expenditure/

https://www.statista.com/statistics/1010339/direct-contribution-travel-tourism-employment-egypt/

https://www.statista.com/statistics/1317338/contribution-of-travel-and-tourism-to-gdp-in-egypt/

https://www.ceicdata.com/en/indicator/egypt/visitor-arrivals

https://www.worlddata.info/africa/egypt/tourism.php

https://www.statista.com/statistics/1010324/egypt-real-contribution-travel-tourism-gdp-egypt/

https://en.wikipedia.org/wiki/French_campaign_in_Egypt_and_Syria

https://www.africanews.com/2023/08/16/egypt-tourist-arrivals-surge-as-industry-shakes-off-pandemic-fall//

https://english.ahram.org.eg/News/502006.aspx

https://www.thenationalnews.com/business/economy/2023/01/17/egypt-seeking-to-attract-30-million-tourists-by-2028/

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا