المعجبون الخارقون: منقذو صناعة الموسيقى في عصر الذكاء الاصطناعي

عالميالموسيقى والصوتيات1402 (2023/24)

تخيلوا أن يصنع الذكاء الاصطناعي بأمر بسيط مقطوعة موسيقية ممتعة لكم وأن يرفعها على موقع إلكتروني صممه هو نفسه وأن يشاركها على شبكات التواصل الاجتماعي وأن يوصلها إلى أسماع آلاف المستمعين. بل أبعد من ذلك، أن يصنع الفيديو الموسيقي أو كليب الأغنية أيضا ويبثه. وعلى هذا النحو تكونون، من دون أدنى معرفة بالموسيقى أو العزف، قد تجاوزتم باستخدام الذكاء الاصطناعي في الموسيقى هذه الصناعة كلها والعاملين فيها من الملحن وكاتب الأغنية إلى العازف ومهندس الصوت وصولا أخيرا إلى شركة إنتاج موسيقى. والآن تخيلوا أن يتمكن جميع أفراد المجتمع بهذه الحيلة من الذكاء الاصطناعي من امتلاك مقطوعتهم أو ألبومهم الموسيقي؛ سيكون الوضع حرجا!

وقد لجأت شركات الموسيقى الكبرى للخلاص من هذه الأحوال المضطربة التي تترصدها إلى المعجبين الخارقين أو المعجبين المتحمسين للموسيقى. وفي هذا المقال نفحص دور هؤلاء المعجبين المتحمسين في نجاح فناني الموسيقى. ثم نتناول قدرتهم على تنمية اقتصاد صناعة الموسيقى في إيران. ويمكن أن يكون توسيع خدمات بث الموسيقى عبر الإنترنت وإيجاد آليات لزيادة العروض الحية من الإجراءات التي تؤدي، بالاعتماد على المعجبين المتحمسين، إلى تعزيز صناعة الموسيقى في إيران.

حماة صناعة الثقافة في العصر الحديث

في العصر ما قبل الحديث، كان النبلاء والأثرياء يؤدون الدور الرئيس في رعاية الفنانين والشعراء. وكانت الأعمال الفنية بنسخ محدودة في متناول طبقة النبلاء والأثرياء في المجتمع فحسب. وكان لا بد أن يحالف الحظ عامة الناس ليستمتعوا بمشاهدة روائع الفنون البصرية في الأعمال المعمارية العامة الباذخة مثل الأماكن الدينية. وفي العصر الحديث، أتاحت صناعة الثقافة التوزيع الواسع للمنتجات الثقافية عبر وسائل الإعلام الحديثة مثل المطبوعات والصورة والراديو والسينما والتلفزيون وغيرها، وصارت الأعمال الثقافية والفنية في متناول الجمهور.

وأوجد تصنيع الثقافة اقتصاد الثقافة الذي صار جمهوره عامة المستهلكين بدل الطبقة الثرية. وصار رعاته، بدل النبلاء، مستثمرين يتطلعون إلى الربح إلى جانب عائد رأس المال. وقد أثرت هذه التحولات أكثر ما أثرت في عالم الموسيقى، وحولت الموسيقى من فن رفيع إلى صناعة ثقافية شعبية.

وفي هذه الأيام أخذ المستثمرون، أي شركات إنتاج الموسيقى، لتقليل المخاطر في فترة هيمنة الذكاء الاصطناعي على جزء من صناعة الثقافة والصناعات الإبداعية، يفكرون في الاستثمار في فنانين لهم معجبون وإن قل عددهم إلا أنهم متحمسون. وهؤلاء المعجبون المتحمسون، أو ما يعرف باللفظ الأجنبي بالسوبرفانز ( Superfans )، يؤدون نوعا ما دور أولئك الرعاة ( الإسبونسرز ) في العصر ما قبل الحديث لكن بأهداف وأسباب مختلفة.

من هم المعجبون المتحمسون؟

يعرف قاموس كامبريدج « السوبرفان » على هذا النحو: شخص يعجب بشخص أو مغن أو رياضي أو فريق و... ويدعمه بحماسة شديدة. ولهؤلاء المعجبين المتحمسين حصة خاصة في اقتصاد الرياضة والصناعات الثقافية. والمثال البارز على هؤلاء الرعاة المتحمسين في الصناعات الثقافية هو معجبو القصص المصورة. فبعضهم ينغمس في هذه القصص المصورة مثل تان تان وسوبرمان وباتمان إلى حد كأنهم يعيشون في هذه القصص. أولئك الذين يقفون ساعات في الصف للحصول على ما يعرض في السوق بموضوع أبطال هذه القصص، من الفيلم والمسلسل إلى ألعاب الأطفال والملابس.

وليس قليلون من هذا النوع من المعجبين المتحمسين في مجال الموسيقى. كان لدينا زميل له سجل طويل ومشرق في مجال وسائل الإعلام وكان صاحب رأي في مجال السينما. وقد تقدم به العمر وكان موضع احترام الجميع. ومع ذلك كانت له سمة غريبة جعلته حديث الخاص والعام وكانت في نظرنا تتنافى مع مكانته الثقافية: كان معجبا متحمسا لأحد فناني الموسيقى المقيمين في الخارج. وكان مشهورا بالبخل لكنه كان ينفق دخله كله للحضور في حفلة ذلك الفنان. وفهمت من حديثه أن أمثاله ليسوا قليلين، وأن الفنانين المقيمين في الخارج يعولون كثيرا على حضورهم في حفلاتهم في البلدان المجاورة.

دور المعجبين المتحمسين في اقتصاد الموسيقى

والآن تولي أكبر شركات الموسيقى في العالم مثل سوني أيضا مكانة خاصة للمعجبين المتحمسين في صناعة الموسيقى. حتى إن بعض الخبراء يذكرونهم بوصفهم منقذي صناعة الموسيقى في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي. وقد ازدادت أهميتهم مع نمو استهلاك الموسيقى عبر الإنترنت أكثر من ذي قبل. فعلى سبيل المثال، تدعي مجموعة يونيفرسال الموسيقية ( Universal Music Group ) أن 30 في المائة من مشتركي بث الموسيقى الاستريمي هم من المعجبين المتحمسين لفنان أو أكثر من فناني هذه الشركة. وقد أظهرت شركة غولدمان ساكس كرما أقل وتقدر أن 20 في المائة من مشتركي استريم الموسيقى مؤيدون متحمسون.

وعلى أي حال تصنف معظم الدراسات 18 إلى 20 في المائة من معجبي فنان بوصفهم معجبين متحمسين. وبحسب تقرير غولدمان ساكس، يعد المعجبون المتحمسون الذين ينفقون إجمالا على الموسيقى في الشهر بنسبة 80 في المائة أكثر من المستمعين العاديين، الآن «سوقا بقيمة 4.2 مليار دولار» لصناعة الموسيقى. وهم ينفقون على الموسيقى في المتوسط في الشهر بنسبة 68 في المائة أكثر من معظم معجبي الموسيقى، وينفقون بنسبة 126 في المائة أكثر من سائر الجمهور على السلع والأعمال المرتبطة بفنانهم المفضل، ويدفعون بنسبة 76 في المائة أكثر من غيرهم ثمنا للموسيقى المادية.

المعجبون المتحمسون للموسيقى في إيران

بحسب تقدير شركة غولدمان ساكس، سيبلغ إجمالي إيراد صناعة الموسيقى في العالم حتى عام 2030 ميلادية 153 مليار دولار. وكانت هذه الشركة قد توقعت إيرادا إجماليا قدره 94.9 مليار دولار لهذه الصناعة في عام 2023. وحصة إيران من إيراد الموسيقى العالمي البالغ 95 مليارا ضئيلة جدا. ولهذا الأمر عوامل متعددة ليست موضوع بحث هذا المقال. ومع ذلك، فإن أحد عوامل تأخر اقتصاد صناعة الموسيقى في إيران هو تجاهل حقوق المؤلف أو ما يعرف بالـ copyright الذي جعل إيراد صناعة الموسيقى في إيران مرهونا بإقامة الحفلات والعروض الحية.

في عام 2023 كانت الموسيقى المسجلة بـ31.2 مليار دولار القسم الأعلى إيرادا في صناعة الموسيقى، في حين بلغ إيراد الموسيقى الحية في العام نفسه 28.86 مليار دولار. لكن على خلاف الاتجاه العالمي، يقع العبء الرئيس لصناعة الموسيقى في إيران على العرض الحي. والنمو المتسارع بمقدار 19 ضعفا لعروض الموسيقى من عام 1385 إلى 1397 هـ.ش (2006–2019) وكذلك إصدار تراخيص الحفلات في إيران والعروض الحية من 1878 ترخيصا في عام 1394 هـ.ش (2015/16) إلى 5621 ترخيصا في عام 1398 هـ.ش (2019/20) يدلان على هذا الأمر (الرسم البياني 1).

ولعل أفضل تجربة في هذا المجال لمحسن رجب بور مدير شركة ترانه شرقي، الذي عرف فرقة آريان بأوائل عقد 80 للجمهور الإيراني. وقد عرف في عامي 95 و96 حامد همايون بوصفه نجم شركته لسوق الموسيقى في إيران وتمكن من إيجاد معجبين متحمسين لهذا الفنان. وبقوله: «في بلد يظن العالم أنه لا تقام فيه حفلة موسيقى، أقام المغني المتعاقد معنا خلال خمسة أشهر فقط نحو 239 عرضا». وأجرى الكاتب في عام 95 حوارا طويلا معه ومع حامد همايون ليستكشف سر نجاح منتج الموسيقى الإيراني هذا وفنانه. وفي الواقع، سره تخصصه في جذب المعجب المتحمس واصطحابه إلى قاعة الحفلة.

ومع كل هذه التفاسير، فلما كانت لا توجد إحصاءات رسمية وشفافة عن سوق الموسيقى في إيران والتداول المالي لصناعة الموسيقى في إيران، لا يمكن تقديم رقم محدد عن المعجبين المتحمسين للموسيقى. ومع ذلك فإن عددهم ليس قليلا ويمكن فهم ذلك من الجمهور الذي تحمل حتى عناء السفر إلى تركيا لحضور العرض الحي لمغن مثل أمير تتلو وتكبد تكلفة مالية باهظة لتأمين تذكرة حفلة أمير تتلو.

لماذا ينبغي أخذ معجبي الموسيقى المتحمسين على محمل الجد؟

ينبغي النظر إلى المعجبين المتحمسين للموسيقى من منظورين وأخذهم على محمل الجد. أولا، من المنظور الاقتصادي ودور المعجب في حياة صناعة الموسيقى، وثانيا من المنظور الاجتماعي، لأنهم يتأثرون في حياتهم بالفنانين أكثر.

وإلى جانب تجربة حامد همايون، الذي قدم إلى سوق الموسيقى في إيران عبر شركة إنتاج موسيقى معروفة في إيران، لا يخلو من الفائدة ذكر تجربة فنان متمكن وواعد لم يتمكن من إحراز نجاح في سوق الموسيقى وأحجم عن ذكر اسمه وكذلك فرقة بمراني التي تمكنت بالجهد والمثابرة والتركيز على معجبي بمراني المتحمسين خلال 10 سنوات من أن تصبح من أفضل فرق الموسيقى في إيران.

ذلك الفنان الشاب الموهوب أصدر ألبوما موسيقيا مقبولا بشكل مستقل إلى السوق. وأقام أيضا حفلة صغيرة لكن ناجحة في قاعة مجمع آزادي. وفي عرضه الحي الثاني الذي أقيم في قاعة كبيرة بقي نصف المقاعد فارغا. واعترف أنه لتغطية تكاليف العرض الحي طرح سعر تذكرة الحفلة بخصم يزيد على 50 في المائة. وكان يشكو أن نصف الجمهور بلا معرفة به انجذبوا إلى العرض لمجرد الخصم العالي الذي وضعه لبيع تذكرة الحفلة. وهذا الأمر سبب يأسه هو الذي سعى برأس مال شخصي إلى دخول صناعة الموسيقى. وفي الواقع، بدل التركيز على المعجبين المتحمسين، سارع إلى محاولة جذب جمهور واسع فلم ينجح.

وفي المقابل، بدأت فرقة بمراني العزف في القاعات الصغيرة والمقاهي وتمكنت تدريجيا خلال ثلاث أو أربع سنوات من إيجاد معجبين لها. وبعد أن فتح باب هذه الفرقة إلى برنامج خندوانه قبلت مخاطرة إقامة حفلة بمراني في القاعات الكبيرة. والآن فرقة بمراني إحدى أنجح فرق الموسيقى في إيران.

ومن المنظور الاجتماعي أيضا ينبغي أخذ معجبي الموسيقى المتحمسين على محمل الجد. فقد أدى اتخاذ هؤلاء الأفراد الموسيقى قدوة وتكوين الهوية منها إلى تشكل ثقافات فرعية تبرز في موسيقى البوب والروك والراب أكثر من غيرها. وترك المعجب المتحمس للموسيقى لا يسبب خسارة اقتصادية فحسب بل قد يترتب عليه أيضا أضرار اجتماعية. وحالة أمير تتلو ومعجبيه الذين كانوا يسمون أنفسهم تتليتي من الحالات التي ينبغي أن تظل دائما نصب أعين صناع السياسات الثقافية في البلاد.

مقترحات لصناع سياسات الموسيقى في إيران

يدعي بعض خبراء الموسيقى الدوليين أن نجاح فنان في صناعة الموسيقى ليس مشروطا بامتلاك ملايين من الجمهور، بل إن ألف معجب حقيقي يمهدون طريق فنان نحو النجاح؛ معجبون يكون كل منهم مستعدا لإنفاق 100 دولار لشراء تذكرة حفلة المغني المفضل والألبوم والمقطوعات الموسيقية عبر الإنترنت لذلك الفنان.

ويمكن أن تكون سياسة الاستثمار في المعجبين المتحمسين إحدى طرق زيادة إيراد صناعة الموسيقى في إيران إلى جانب ترويج ثقافة احترام حقوق المؤلف. وفي هذه الأيام يمتلئ الفضاء الإلكتروني بمواقع وقنوات تضع أحدث ألبومات الموسيقى أو الأغنية المنفردة الجديدة للفنانين للتنزيل المجاني في موقع الموسيقى أو قناتها.

وقد واجهت صناعة السينما والعرض المنزلي في إيران أيضا هذه المعضلة، وبتعاون الجهات ذات الصلة أجبر عدد ملحوظ من مواقع وقنوات التنزيل المجاني للأفلام والمسلسلات على مراعاة حقوق المؤلف. ويمكن تنفيذ هذه السياسة في صناعة الموسيقى أيضا ويمكن لمنصات بث الموسيقى عبر الإنترنت أيضا أن تهب لمساعدة هذه الصناعة.

واليوم يأتي قسم ملحوظ من إيراد الموسيقى من استريم الموسيقى نفسه أو خدمات بث الموسيقى عبر الإنترنت. وقد عول ناشطو هذا المجال أيضا كثيرا على المعجبين المتحمسين. وتقول Spotify في تقرير تناول أسلوب استهلاك الموسيقى لدى جمهورها إن 18 في المائة منهم مستمعون متحمسون وينبغي للفنانين أن يولوا هؤلاء المستمعين اهتماما خاصا. وعلى هذا الأساس، يعد الاستثمار في المنصات اللازمة لاستهلاك الموسيقى عبر الإنترنت من ضرورات صناعة الموسيقى اليوم في إيران. وقطعا يمكن أن يؤدي تشجيع جمهور الموسيقى على استخدام خدمات الاستريم وخدمات بث الموسيقى عبر الإنترنت إلى ترويج الاستهلاك القانوني للأعمال ومراعاة حقوق المؤلف أيضا.

حياة صناعة الموسيقى في إيران مرهونة بالعروض الحية لكن للأسف يذهب جزء من الموارد المالية المحتملة التي يمكن أن تدخل دورة هذه الصناعة، بواسطة حضور المعجبين المتحمسين للفنانين المقيمين في الخارج في عروضهم، إلى جيوب بلدان أخرى. وإيجاد آلية لحضور بعض هؤلاء الفنانين ممن لا يعادون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران وتشجيعهم على إقامة حفلات داخل البلاد يمكن أن يكون له فائدتان: إحداهما أنه يمنع سفر معجبي أولئك الفنانين إلى البلدان المجاورة ويحول دون خروج العملة الأجنبية من البلاد. والأخرى أنه يفتح باب المهتمين الإيرانيين المقيمين في البلدان المجاورة بل والناطقين بالفارسية في المنطقة للحضور في حفلة أولئك الفنانين إلى إيران. وقد زادت البلدان المجاورة لإيران بإقامة الحفلات الأجنبية رواج صناعة السياحة لديها. فعلى سبيل المثال، تجتذب المملكة العربية السعودية كل سنة بدعوة فناني الموسيقى البارزين جمهورهم من البلدان المجاورة. ويمكن لإيران أيضا بتيسير إقامة حفلات فناني المنطقة والعالم البارزين، فضلا عن الجمهور الإيراني، أن تجتذب معجبيهم المتحمسين الإقليميين أيضا وأن تنعش صناعة السياحة.

 

المصادر:

نمافر، حصة عناصر إقامة الحفلة من إيراد الحفلة في إيران-1400 هـ.ش (2021/22)، نمافر، 30 أرديبهشت (أبريل–مايو) 1402 هـ.ش (2023/24)

نمافر، تقرير صناعة الموسيقى في عام 2023، 17 بهمن (يناير–فبراير) 1402 هـ.ش (2023/24)،

نمافر، عدد التراخيص الممنوحة للحفلات في إيران من 94 إلى 99، 27 إسفند (فبراير–مارس) 1401 هـ.ش (2022/23)

نمافر، عدد عروض الموسيقى من عام 1385 هـ.ش (2006/07) إلى عام 1397 هـ.ش (2018/19)، 30 مهر (سبتمبر–أكتوبر) 1399 هـ.ش (2020/21)

Music Ally, Report: 20% of US music listeners see themselves as superfans

Music Business Worldwide, Superfans and Supine Fans: The Music Industry Is Getting Its Priorities the Wrong Way Around, 17 Oct 2023,

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا