الأثر المزدوج للذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى

عالميالموسيقى والصوتيات1403 (2024/25)

كان أواسط عام 1401 هـ.ش (2022/23) أو أواخر 2022 الميلادي حين أخذ وباء فيروس كورونا الكارثي الذي أصاب كثيرين بالمصيبة والحزن والمرض وأبطل عمل كثيرين غيرهم وأصاب فئة بالضجر والاكتئاب ينحسر تدريجيا حتى يعود الناس في كل هذه الكرة الأرضية بهدوء إلى عملهم وحياتهم العادية لكن حدثا مفاجئا وقع؛ فأحدث إصدار نسخة أولية من روبوت محادثة بالذكاء الاصطناعي باسم ChatGPT انفجارا في الفضاء الإلكتروني والرأي العام. وكان الجميع إما منشغلين بطرح أسئلة غريبة وأعمال صعبة على هذا الروبوت أو بعرض قدرات هذا الذكاء الاصطناعي الخارقة على أصدقائهم. وبعد جذب انتباه الناس العام إلى هذه الأداة النافعة، لمعت أيضا برامج أخرى تعمل باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتحول هذا الانفجار تدريجيا إلى ثورة الذكاء الاصطناعي. وعندما ينفجر بركان يهز كل الأراضي من حوله ويحرقها ويقلبها، ويقضي على بعض الكائنات لكنه يتيح مجال نشوء كائنات أخرى. والصناعات الإبداعية كأرض تهتز ويتغير شكلها بانفجار الذكاء الاصطناعي، وفي هذا السياق تحتل الموسيقى مكانة خاصة في هذه الثورة الناشئة.

ماهية الذكاء الاصطناعي وعلة انفجاره في الصناعات الإبداعية

الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) يعني قدرة الآلات على أداء مهام تحتاج عادة إلى الذكاء الإنساني؛ ومنها التعلم واتخاذ القرار وحل المشكلات والإبداع والإنتاج. وعلى أساس هذا النطاق يصنع الذكاء الاصطناعي بأشكال مختلفة ويستخدم طبعا لتطبيقات متنوعة. ومن بين الأنواع المختلفة للذكاء الاصطناعي، كان للذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) أكبر أثر في الصناعات الإبداعية. ويتيح هذا النوع من الذكاء الاصطناعي للآلات إنتاج محتويات إبداعية وجديدة. وبسبب الطبيعة الإبداعية والابتكارية للصناعات الإبداعية، فإنها تحتاج إلى إنتاج محتوى مبتكر وفني بصورة متتالية. ويلي الذكاء الاصطناعي التوليدي، بقدرته على فهم الأنماط وإنتاج محتوى جديد، هذا الاحتياج بالضبط. وفي الصناعات الإبداعية مثل الموسيقى والسينما والتصميم والإعلان، أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي للفنانين والمصممين تحويل أفكار جديدة ومتنوعة إلى واقع أسرع وأحيانا بتكلفة أقل من قبل.

تحول آفاق الصناعات الإبداعية ولا سيما صناعة الموسيقى بعد ثورة الذكاء الاصطناعي

أحدثت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولا بارزا في الصناعات الإبداعية وهيأت طاقة إحداث ثورة مبتكرة في هذا الميدان. ومن الإنتاج الآلي لقطع الموسيقى إلى تصميم الصور والرسوم المتحركة، استطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه أداة حديثة أن يغير من الأساس طرائق الإبداع وإنتاج المحتوى. فعلى سبيل المثال، يبين بحث لشركة دراسات ماكينزي أنه حتى عام 2030 قد يستفيد أكثر من 45 في المائة من المنتجات الإبداعية بنحو ما من الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويبين هذا الاتجاه بوضوح الدور المتزايد الذي ستؤديه هذه التكنولوجيا في مستقبل الصناعات الإبداعية وأنها تغير وجهها.

تحول صناعة الموسيقى بعد ثورة الذكاء الاصطناعي

لكن تحول هذه الصناعات لا يعني بالضرورة معنى إيجابيا لجميع العاملين فيها أو حتى لماهيتها. فإنتاج أي تكنولوجيا تؤدي إلى ثورة في حياة البشر يجلب تبعات كثيرة لحياته يعد بعضها إيجابيا وبعضها سلبيا، والذكاء الاصطناعي ليس مستثنى من هذه القضية. وفي الصناعات الإبداعية أيضا سيعمل الذكاء الاصطناعي مثل سيف ذي حدين وسيكشف فرصه وتهديداته. وفي صناعة الموسيقى حتى الآن كان الاستقبال للذكاء الاصطناعي جيدا بسبب محاسنه العالية في التعامل مع الموسيقى.

ومن الفرص التي أوجدها الذكاء الاصطناعي لصناعة الموسيقى نشير باختصار إلى هذه البنود: خلق الأعمال بسرعة، وتخصيص المحتوى للمستهلكين، وتحسين عملية الإنتاج. كذلك لا ينبغي إغفال الجوانب المظلمة والتهديدية لهذه التكنولوجيا لصناعة الموسيقى، بنود مثل: انخفاض فرص العمل الفنية، واحتمال ضياع الأصالة الفنية وفردية الفنان في الأعمال الفنية. وسنفحص في ما يلي هذه الفرص والتهديدات بدقة أكبر.

الفرص والآثار الإيجابية

استطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي بالنظر إلى قدراته الكثيرة أن يحول طرائق إنتاج الموسيقى وتوزيعها واستهلاكها تحولا بارزا. وقد أوجدت هذه التحولات فرصا جديدة للموسيقيين والعازفين والمغنين والمنتجين وفي النهاية لمستمعي الموسيقى على المستوى العالمي. ونفحص بعض هذه الفرص أكثر:

  1. خلق الموسيقى بواسطة الذكاء الاصطناعي

كانت قوة خلق الأعمال الفنية عملا لا يقدر عليه قبل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلا الإنسان أما الآن فبهذه التكنولوجيا يمكن حتى إنتاج الموسيقى. وخلق الموسيقى بواسطة الذكاء الاصطناعي من أشد تحولات هذه التكنولوجيا جاذبية. ويمكن للأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تخلق قطعا موسيقية جديدة بتحليل بيانات الموسيقى الماضية والتعلم من الأنماط. وتستطيع هذه الأدوات إنتاج موسيقى بأساليب مختلفة، من الكلاسيكية إلى الإلكترونية والبوب، وهذا يعني أن جمهور الموسيقى أنفسهم أيضا يمكنهم من دون التخصص في فن الموسيقى أن يخلقوا ألحانا مختلفة. ونعرف بعض أدوات الإنتاج هذه بالذكاء الاصطناعي:

آيوا (AIVA): ذكاء اصطناعي متقدم صمم للتأليف الموسيقي. وقد طورت هذه الخوارزمية في عام 2016 واستطاعت أن تسجل بوصفها أول مؤلف موسيقى بالذكاء الاصطناعي. ويستطيع آيوا استنادا إلى تحليل أعمال كبار الموسيقيين السابقين إنتاج موسيقى بأساليب مختلفة لكن تركيزه على الموسيقى الكلاسيكية والأوركسترالية. وباستخدام هذا الذكاء الاصطناعي صدر ألبومان موسيقيان في النوع الكلاسيكي باسم «جنيسيس» في عام 2016 و«بين النجوم» في عام 2018.

آمبر ميوزيك (Amper Music): منصة قائمة على الذكاء الاصطناعي تتيح لمستخدميها خلق قطع موسيقية من دون امتلاك معرفة موسيقية. وقد صممت هذه المنصة ولا سيما للأشخاص الذين لا تخصص لهم في التأليف أو العزف. وتتيح آمبر ميوزيك للمستخدمين الاختيار من بين أساليب موسيقية مختلفة وصنع ألحان تناسب حاجتهم (مثل موسيقى خلفية للفيديوهات أو البودكاست أو الإعلان) بنقرات قليلة فقط.

جوك بوكس شركة OpenAI (OpenAI Jukebox): نموذج ذكاء اصطناعي قادر على إنتاج موسيقى بأشعار وأساليب مختلفة. وهذا البرنامج هو برنامج شركة OpenAI الخاص بإنتاج الموسيقى والصوت وهي أيضا خالقة ChatGPT ولذلك يستفيد من تكنولوجياتها المتقدمة وإن اختلف هدف بيانات تعليمهما.

خلق الموسيقى بواسطة الذكاء الاصطناعي

وبعد الإقبال الواسع من المستخدمين على برامج إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي، سعت شركات التكنولوجيا الكبرى أيضا إلى إطلاق مثل هذه الأداة في برامجها. وكشفت غوغل عن أداة الذكاء الاصطناعي الموسيقي الخاصة بها باسم «Music AI Sandbox». وقد صنعت غوغل هذا الذكاء الاصطناعي بمساعدة قسم الذكاء الاصطناعي لديها أي ديب مايند (DeepMind) ويوتيوب. ووصف الذكاء الاصطناعي الجديد لغوغل بأنه صندوق أدوات يتيح للمغنين والعازفين صنع الموسيقى بأساليب جديدة. وقد صنعت غوغل خدمة الذكاء الاصطناعي هذه لتكون أداة متعددة الاستعمالات للعازفين المحترفين لا بديلا عنهم. وبهذا العمل سيظل إبداع الفنانين القوة المهيمنة في عملية إنتاج الموسيقى. وقد أعلنت غوغل طبعا أن هذه الأداة ليست سوى جزء صغير من مشاريع غوغل الكبيرة للموسيقى والذكاء الاصطناعي. كذلك دخلت ميتا (فيسبوك) هذا الميدان بإضافة أداة لها؛ و«Meta Music AI» اسم الأداة التي أضافتها هذه الشركة أخيرا إلى برامجها.

وبعد غوغل وميتا، دخل تيك توك أيضا ميدان إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي. وقد أضاف تيك توك بصورة تجريبية روبوت ذكاء اصطناعي باسم «AI Song» إلى برنامجه. ويستخدم AI Song نموذجا لغويا كبيرا (LLM) باسم BLOOM وينتج نص الأغنية. كذلك أصدر تيك توك في العام الماضي برنامج Ripple وهو برنامج مجاني لإنتاج الموسيقى. ولهذا البرنامج ميزتان رئيستان: الذكاء الاصطناعي لتحويل اللحن إلى أغنية (Melody to Song) واستوديو التسجيل الافتراضي.

لكن شركات التكنولوجيا الرقمية العملاقة لم تكن وحدها من فكر في الإفادة من الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى. وفي هذا السياق دخلت أيضا شركة صناعة المشروبات كوكاكولا هذا الميدان وعرضت آلة موسيقية جديدة! وكشفت هذه الشركة قبل مدة عن آلة موسيقية باسم «Coke SoundZ». وتحول هذه الآلة الموسيقية بمعونة الذكاء الاصطناعي أصوات كوكاكولا الرمزية مثل صوت فتح غطاء الزجاجة وصب المشروب و... إلى نغمات موسيقية وإيقاعات وألحان مختلفة. ويعتقد مسؤولو كوكاكولا أن Coke SoundZ سيصنع تجربة جديدة ومسلية لمعجبي كوكاكولا ويتيح لهم خلق موسيقاهم الخاصة. ويعد هذا الابتكار جزءا من جهود كوكاكولا الأخيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي للارتقاء بتجربة المستهلكين.

  1. المساعدة على إنتاج الموسيقى وتوزيعها

وإلى جانب خلق الموسيقى بواسطة الذكاء الاصطناعي، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد مساعدة كبيرة على إنتاج الموسيقى وتوزيعها في الأسواق العالمية. ونعني بالإنتاج في هذا القسم إنتاج الموسيقى بواسطة منتجين محترفين وتوزيعها بواسطة منتجين تنفيذيين محترفين. فمثلا يمكن لهذه التكنولوجيا بزيادة الدقة وخفض زمن الإنتاج أن تساعد مساعدة واسعة على مزج الصوت في عملية إنتاج قطعة. أو يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإيجاد ذائقة الجمهور وتوزيع الموسيقى في السوق بشكل أفضل.

زيادة الإنتاجية الكمية والنوعية لإنتاج الموسيقى:

خفض تكاليف الإنتاج: بحسب تقرير موقع واي فاي تالنتس (WiFiTalents)، أدى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى خفض بنسبة 30 في المائة في تكاليف إنتاج الموسيقى. ولهذا الخفض في التكلفة أهمية مضاعفة ولا سيما للفنانين المستقلين وشركات إنتاج الموسيقى الصغيرة. ولهذا السبب يستخدم 45 في المائة من العازفين المستقلين الذكاء الاصطناعي لتعزيز عملية إبداعهم.

زيادة سرعة الإنتاج: يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء العمليات المستغرقة للوقت مثل التأليف والتوزيع والمزج بصورة آلية. ويستخدم 72 في المائة من أبرز منتجي الموسيقى أدوات الذكاء الاصطناعي للتسريع في الإنتاج.

زيادة نوعية الإنتاج بالدقة في المزج والماسترينغ: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي أداء عمليات المزج والماسترينغ بدقة 90 في المائة، مما يؤدي إلى تحسين الجودة النهائية للموسيقى.

زيادة نوعية الإنتاج بالدقة في المزج والماسترينغ

الأثر في توزيع الموسيقى:

تحليل البيانات لتوزيع موسيقى ناجح: بتحليل بيانات السوق وتفضيلات الجمهور، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد الموسيقى التي احتمال نجاحها التجاري أكبر. ويجري التنبؤ بالنجاح التجاري لقطع الموسيقى بدقة 80 في المائة بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وبذلك يسعى موزعو الموسيقى إلى القطع التي احتمال نجاحها في السوق أكبر. كذلك تستطيع شركات الموسيقى باستخدام الذكاء الاصطناعي تحليل اتجاهات السوق وتحسين استراتيجيات توزيعها.

الإعلان المستهدف بواسطة الذكاء الاصطناعي: تستطيع هذه التكنولوجيا تحديد الجمهور المناسب لكل قطعة موسيقية وعرض الإعلانات المرتبطة بهم بصورة مستهدفة، مما أدى إلى زيادة بنسبة 50 في المائة في كفاءة الحملات الإعلانية.

توسيع سوق الموسيقى: تتيح منصات مثل آمبر ميوزيك للأشخاص من دون معرفة موسيقية إنتاج الموسيقى. وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة بنسبة 36.8 في المائة في عدد منتجي الموسيقى المستقلين واستطاع أن ينمي سوق الموسيقى. وفي السنوات الـ 5 الماضية ساعد الذكاء الاصطناعي على زيادة بنسبة 40 في المائة في الناتج الكلي للموسيقى الجديدة.

تحسين اكتشاف الفنانين الجدد: يستطيع الذكاء الاصطناعي بتحليل بيانات استماع المستخدمين تعريف الجمهور بفنانين ناشئين. وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة بنسبة 30 في المائة في اكتشاف المستخدمين لفنانين جدد.

مكافحة انتهاك الحقوق بتحديد انتهاك حق النشر (الكوبي رايت): تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي بدقة 98 في المائة تحديد الموسيقى المنسوخة أو بدون ترخيص، مما يساعد على حماية حقوق الفنانين.

  1. تخصيص المحتوى للمستهلكين وتحسينه

باستخدام الذكاء الاصطناعي، تستطيع خدمات بث الموسيقى مثل سبوتيفاي وآبل ميوزيك تحليل بيانات المستمعين واقتراح موسيقى تناسب ذائقة كل مستخدم. فعلى سبيل المثال، يقترح سبوتيفاي باستخدام خوارزمياته أكثر من 30 في المائة من الموسيقى التي يسمعها المستخدمون، مما يحسن تجربة المستخدم ويزيد تفاعله مع المنصة. ويستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل بنية الأغنية ونوعها بدقة 70 إلى 80 في المائة ولذلك يمكن باستخدامه تقديم قطع مقترحة لكل مستمع على حدة بدقة 95 في المائة. وبحسب بحث شهدت منصات الموسيقى القائمة على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمنصات التقليدية زيادة بنسبة 40 في المائة في تفاعل المستخدمين.

كذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد مساعدة واسعة على الأتمتة في إدارة منصات بث الموسيقى الافتراضية. وتستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي إنشاء قوائم تشغيل تناسب الحالات النفسية وأنشطة المستخدمين، مما أدى إلى زيادة بنسبة 60 في المائة في مقدار استخدام منصات البث. ويمكن باستخدام الذكاء الاصطناعي تقديم دعم أفضل وأدق للزبائن. وقد أدى استخدام روبوتات المحادثة والمساعدين الافتراضيين للرد على أسئلة المستخدمين إلى انخفاض بنسبة 70 في المائة في زمن الانتظار وتحسين تجربة الاستخدام.

الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى

التهديدات والآثار السلبية

كلما ظفر البشر بتكنولوجيا جديدة انبهر في البداية ولم ير إلا فرصها ومزاياها لكنه يدرك تدريجيا أن كل فرصة ستحمل معها تهديدات أيضا. وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية ليست بمنأى عن هذه القاعدة. وفحص الآثار السلبية المحتملة الحضارية والفلسفية للذكاء الاصطناعي على البشر ليس في عهدة هذا المقال وينبغي أن يناقش بصورة مفصلة. لكن في نقاشنا نفحص بضعة بنود من البنود المحتملة التهديدية للذكاء الاصطناعي لصناعة الموسيقى.

  1. الأتمتة وانخفاض الوظائف الفنية

انخفاض فرص العمل من أهم الآثار السلبية للذكاء الاصطناعي على صناعة الموسيقى. وترتبط هذه الظاهرة بمفهوم التدمير الخلاق (Creative Destruction) في الاقتصاد. ويشير التدمير الخلاق إلى عملية تجعل فيها التكنولوجيات الجديدة الطرائق والوظائف القديمة بالية، لكنها قد توجد في الوقت نفسه وظائف جديدة وفرصا مبتكرة. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الموسيقى، يقلق 45 في المائة من العاملين في مجال الموسيقى من حلوله محل الإبداع الإنساني وانخفاض فرص العمل. ومع تقدم خوارزميات إنتاج الموسيقى، يحتمل أن كثيرا من الأعمال الإبداعية التي كان يؤديها البشر سابقا تؤديها الآن الآلات.

وسيأخذ إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي حتى عشر سنوات مقبلة قسما كبيرا من سوق الموسيقى العالمية وسيكون هذا الأمر للأسف لمنتجي الموسيقى بالشكل التقليدي منافسة خاسرة. وتظهر التوقعات أنه حتى عام 2028 ستأخذ الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي 3.1 مليار دولار من السوق العالمية في حين أنها في عام 2023 لا تملك سوى 300 مليون دولار من حصة السوق العالمية. وفي الرسم أدناه تلاحظون أن حصة الموسيقى في عام 2023 من إجمالي السوق العالمية للمنتجات الإبداعية بالذكاء الاصطناعي ليست سوى ثمانية في المائة وأن هذا المقدار بحسب التوقعات حتى عام 2028 سيبلغ أكثر من عشرة أضعاف وسنشهد معدل نمو مركبا سنويا بنسبة 60 في المائة.

ويدعي تقرير جديد لمعهد APRA AMCOS مستمد من مقابلات مع كتاب الأغاني والعازفين والناشرين أنه حتى عام 2028 يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيل 23 في المائة من دخل هذه الفئة. فمثلا في سوق موسيقى أستراليا ونيوزيلندا سيكون هذا الدخل المفقود 153 مليونا.

  1. مسائل متعلقة بحقوق الملكية الفكرية (الكوبي رايت)

ومن التحديات المهمة الأخرى بحث حق النسخ والملكية الفكرية. فالموسيقى المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تطرح أسئلة عن من يملكها. فمثلا، هل تعد الأغنية المنتجة بواسطة خوارزمية «عملا إبداعيا» وإذا نعم فمن يملك حقوقها. هل ينتمي هذا العمل إلى خالق الخوارزمية، أم من أدخل البيانات، أم الشركة المنتجة لأداة الذكاء الاصطناعي؟ وبحسب التقارير، تستطيع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي نفسها بدقة 98 في المائة تشخيص حالات انتهاك الكوبي رايت، لكن التحديات القانونية لتحديد ملكية الأعمال المنتجة ما زالت دون حل وتحتاج إلى إيجاد لوائح جديدة.

وإلى جانب المسائل المتعلقة بملكية الأعمال المنتجة، مسألة أخرى تتعلق بالأعمال المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي التي لها شبه كبير بالأعمال الأصلية. ويحدث هذا التحدي ولا سيما عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي بيانات الموسيقى السابقة لإنتاج قطع جديدة، مما يؤدي أحيانا إلى إنتاج أغان تنسخ الأعمال الأصلية أو تقلدها من دون قصد. ولا يخلق هذا الوضع مسائل قانونية معقدة فحسب، بل يصعب أيضا تحديد الحد بين الاستلهام والنسخ.

  1. ضياع الأصالة والفردية في الأعمال الفنية

ويرى بعض النقاد أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في خلق الموسيقى يمكن أن يؤدي إلى ضياع الأصالة والفردية الفنية. وتعمل الخوارزميات عادة استنادا إلى البيانات الماضية وتحليل الأنماط وقد يخفت هذا الإبداع الإنساني والمشاعر الكامنة في الأعمال الفنية. ويطرح النقاد الأشد صرامة أن الذكاء الاصطناعي بسبب عدم خلقه من قلب الإنسان يفتقر إلى القدرة اللازمة لإيجاد روح فنية في قطعة موسيقية، تلك الروح الفنية التي لا يستطيع أن ينفخها في جسد عمل إلا إنسان.

وبحسب مسح أجراه موقع bedroomproducersblog على 1500 منتج موسيقى فإن قلق أكثر من 29 في المائة منهم عند دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا القطاع هو أن «أدوات إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى إبداع وأصالة أقل» وبعد ذلك كان 24 في المائة قلقين من «المسائل الأخلاقية والقانونية للموسيقى المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مثل المخاوف المتعلقة بحق الطبع والملكية». إذن بين المنتجين أنفسهم تعد مسألة ضياع الإبداع الفني الإنساني أهم هجس. وفي الرسم أدناه تلاحظون المعلومات التكميلية.

طالب قبل مدة اتحاد حقوق الفنانين وأكثر من 200 مغن في رسالة بوقف استخدام الذكاء الاصطناعي. وهم يرون أن الاستخدام غير الأخلاقي للذكاء الاصطناعي يزيل قيمة الموسيقى. وفي هذه الحملة الاحتجاجية التي دعمها فنانون منهم بيلي إيليش ونيكي ميناج وكيتي بيري، يطلب من صناع الموسيقى الرقمية أن «يوقفوا استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب انتهاك حقوق الفنانين الإنسانيين وإفقادها قيمتها». وطبعا لا يطالب الفنانون المعترضون تماما بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي. بل أشاروا في هذه الرسالة إلى الطاقة العالية للذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى. والمسألة الرئيسة لهؤلاء الفنانين هي «استخدام الذكاء الاصطناعي لتدمير الإبداع وإضعاف الفنانين وكتاب الأغاني والموسيقيين وأصحاب الحقوق».

كلام ختامي

أحدثت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تحولا هائلا في إنتاج الموسيقى وتوزيعها واستهلاكها وهو آخذ في الاتساع كل يوم. ومزاياها الكثيرة مثل الإنتاج الأسرع وخفض التكاليف وتخصيص المحتوى للجمهور لا ينبغي أن تجعلنا ننسى تهديداتها مثل انخفاض فرص العمل وضياع الأصالة الفنية والمسائل المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية. ورغم أن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يساعدنا مساعدة كبيرة في قسم تهديداته فإن هذا المجال يحتاج إلى دعم حكومي وخاص وصنع سياسات ذكية وتشريعات مبتكرة ودقيقة.

ومثل الذكاء الاصطناعي مثل ذلك البركان نفسه، فقد كان كثيرون من قبل بالنظر إلى أدخنة كانت تعلو منه بين حين وآخر يتنبأون بانفجار وثوران هائل، لكن زمنه وسرعة الثوران لم يكن ممكنا التنبؤ بهما. وقد ثار هذا البركان أخيرا منذ سنتين ومن ذلك الحين حتى الآن وهو يغير العالم كله. وحمم الذكاء الاصطناعي ستدمر على الأرجح سطح الأرض القديم؛ لكنها هي نفسها توجد سطحا جديدا للأرض. وقد يكون الذكاء الاصطناعي بسخونة صهارة البركان وحممه لكنه لن يكون أبدا بقسوتها.

المصادر:

market.us

masteringthemix

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا