سردية البيانات والإحصاءات؛ لغة جديدة لفهم الأربعين وتحليله
الأربعين ليس مجرد شعيرة دينية؛ بل حدث اجتماعي عظيم، وحركة جماعية عالمية، وأحد أكبر التجمعات الإنسانية المعاصرة. وقد تجاوز هذا الحدث في السنوات الأخيرة شعيرة الزيارة ضمن الحدود الجغرافية للعراق، وصار ظاهرة عابرة للحدود ومتعددة الطبقات والأبعاد؛ ظاهرة تجمع في ذاتها التدين الشعبي، والمشاركة التطوعية، ونموذجا فريدا من الاستضافة الشعبية (المواكب)، ونوعا من التضامن الحضاري. لكن من أجل إدراك أدق لعظمة هذه الظاهرة وأبعادها المتنوعة، لم يعد ممكنا الاكتفاء بالصور العاطفية أو السرديات الشخصية؛ فسردية البيانات والإحصاءات لغة جديدة لفهم الأربعين وتحليله. وتسعى هذه المذكرة، بمقاربة إحصائية قائمة على البيانات، إلى إلقاء نظرة جديدة على هذه الظاهرة وتحليل أبعادها الاجتماعية والسكانية في إطار مقارن واتجاهي.
المشاركة العالمية في الأربعين؛ تحليل اتجاه تسعة أعوام لعدد الزوار
تحولت مراسم الأربعين، خلال العقد الأخير، تدريجيا من شعيرة دينية داخل المنطقة إلى حدث كبير بمشاركة عالمية. وتظهر البيانات الرسمية الصادرة عن العتبة العباسية أن اتجاه نمو زوار الأربعين لم يتوقف فحسب، بل اكتسب بعد تجاوز أزمات مثل كورونا زخما أكبر. وتشير إحصاءات زوار الأربعين في السنوات الأخيرة إلى أن عدد المشاركين ارتفع من نحو 11.2 مليون شخص في عام 2016 إلى أكثر من 22 مليون شخص في عام 2023. هذا في حين انضم في السنوات الأخيرة، لا الزوار العراقيون والإيرانيون فحسب، بل ملايين الزوار من بلدان أخرى أيضا إلى مسيرة الأربعين. ويرى كثير من المحللين هذا الحضور العابر للحدود علامة على تدويل الأربعين؛ وهي عملية تتعزز بفضل وسائل الإعلام والشبكات الشعبية واتساع خطاب الوحدة.

ومن المثير أن التضامن العالمي للأربعين لم ينقطع حتى في سنوات القيود الناجمة عن جائحة كورونا (2020 و2021)؛ بل استمر في صور أكثر محدودية مع مراعاة القيود. وقد أدى هذا الاستمرار إلى قفزة إحصائية في السنوات التالية؛ بحيث شارك في هذه المراسم في عام 2022 وحده أكثر من 21 مليون شخص، وسجل في 2023 رقما قياسيا غير مسبوق بلغ 22 مليون شخص. وفي تحليل أسباب هذا الاتجاه الصاعد ينبغي الإشارة إلى دور اتساع البنى التحتية الخدمية، وزيادة المعرفة العالمية بالأربعين، والحضور النشط لوسائل الإعلام الإقليمية والدولية. ويمكن البحث عن أسباب نمو الزوار الأجانب للأربعين في زيادة أمن المسارات، وتعزيز العلاقات الثقافية بين الأمم، وكذلك اتساع الدعاية وجها لوجه في بلدان إسلامية مختلفة. وهذه الإحصاءات ليست دالة على نمو كمي فحسب، بل انعكاس لتحول عميق في موقع الأربعين بوصفه أحد رموز وحدة الأمة الإسلامية؛ شعيرة تتجاوز يوما بعد يوم الحدود الوطنية وتصير تجليا للتضامن العالمي.
إيران في متن الأربعين؛ سردية إحصائية عن حضور الزوار الإيرانيين في الأربعين
أحد المكونات الرئيسة في التحليل الكمي لمراسم الأربعين فحص حصة الزوار الإيرانيين وحضورهم في هذا التجمع العظيم. وتظهر نظرة إلى إحصاءات الزوار الإيرانيين للأربعين في الفترة من 1389 إلى 1403 هـ.ش (2010–2025) أن اتجاه مشاركة الإيرانيين في هذه الشعيرة الدينية-الاجتماعية كان صاعدا باستمرار في السنوات الأخيرة وتجاوز في بعض المحطات عتبة ثلاثة ملايين شخص. وبلغ ذروة هذا الاتجاه في عام 1402 هـ.ش (2023/24)؛ وهو العام الذي تجاوز فيه عدد الزوار الإيرانيين لأول مرة 4 ملايين شخص.

واستنادا إلى البيانات الرسمية الصادرة عن العتبة العباسية المقدسة والمقر المركزي لأربعين الإمام الحسين (ع)، شارك في مسيرة الأربعين في عام 1389 هـ.ش (2010/11) نحو 40 ألف إيراني. وازداد هذا الرقم خلال بضع سنوات بميل معتدل وبلغ في عام 1394 هـ.ش (2015/16) مليونا و700 ألف شخص. ووقعت نقطة التحول في عام 1398 هـ.ش (2019/20)؛ حيث حضر الأربعين لأول مرة أكثر من 3 ملايين زائر إيراني (3,074,000 شخص). ورغم أن عام 1399 هـ.ش (2020/21) شهد تسجيل إحصاء صفر بسبب تفشي فيروس كورونا وإغلاق الحدود، فإن العودة التدريجية في الأعوام 1400 إلى 1402 هـ.ش (2021–2024) تدل على إحياء سريع لهذه المشاركة. وفي عام 1402 هـ.ش (2023/24) وقع أعلى رقم مسجل في الفترة كلها وبلغ عدد الزوار الإيرانيين 4,050,000 شخص. ورغم أن الإحصاء المعلن لعام 1403 هـ.ش (2024/25) (استنادا إلى بيانات المقر المركزي للأربعين) يشير إلى انخفاض نسبي وبلوغ نحو 3,600,000 شخص، فإن مشاركة الإيرانيين ما تزال عند مستوى بالغ الارتفاع وحاسم. ويدل هذا الاتجاه المتزايد على ضرب من التضامن الوطني في إطار التضامن العالمي للأربعين. ويمكن عد زيادة عدد الزوار الإيرانيين لا علامة على الحماس الديني فحسب، بل انعكاسا لترسخ المشاركة العالمية في مراسم الأربعين؛ تيار تعد فيه إيران أحد أكبر مراكز المشاركة وإرسال الزوار.
الأربعين في المرتبة الثانية لأكبر التجمعات السلمية في العالم
كل عام يجتمع ملايين البشر في أنحاء العالم في شعائر؛ من الاحتفالات الدينية إلى مراسم التشييع والتجمعات الثقافية. لكن أي هذه التجمعات يدخل في عداد أكبر التجمعات السلمية في التاريخ؟ وما موقع مراسم الأربعين بينها؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يظهر فحص البيانات الإحصائية من مصادر دولية أن بعض المراسم بلغت، بفضل القدم والنطاق الجغرافي والأبعاد الثقافية، أرقاما قل نظيرها من المشاركة. واستنادا إلى هذه البيانات نفسها، يقدم الترتيب التالي صورة دقيقة عن موقع الأربعين بين أكبر تجمعات العالم. وفي هذا الترتيب يحتل كومبه ميلا في الهند الصدارة بفارق كبير جدا؛ وهي مراسم بطاقة مشاركة مئات الملايين تقام مرة كل 12 عاما. أما مسيرة الأربعين في العراق، بأكثر من 22 مليون مشارك في عام 2023، فهي ثاني أكبر تجمع سلمي في التاريخ المعاصر، والأهم من ذلك أنها أكبر مراسم سنوية تقام بصورة مستمرة. ويبرز هذا الموقع أكثر حين نأخذ في الحسبان البنية الشعبية والتطوعية للأربعين.

بخلاف كثير من التجمعات الأخرى التي تتولى تنظيمها مؤسسات حكومية أو دينية مركزية، يعتمد الأربعين على شبكة تلقائية من الزوار وأصحاب المواكب والمحسنين وعامة الناس تحقق نظاما فريدا من دون تركز مركزي. ومن هذا الوجه، ليس تدويل الأربعين مجرد عملية دعائية، بل انعكاس لتحول هيكلي في المشاركة الدينية والثقافية في العالم الإسلامي. وقد حول حضور ملايين الزوار من بلدان مختلفة، منهم عدة ملايين من الإيرانيين، مراسم الأربعين إلى رمز للمشاركة العالمية والتضامن الديني والقوة الناعمة الشعبية. وإلى جانب الأرقام الكبيرة، ما يهم هو نوعية الروابط وعمق المعتقدات والطاقة الاجتماعية الجارية في هذه المراسم. فالأربعين ليس تجمعا فحسب؛ بل ميدان لبناء الهوية والتعاطف العابر للحدود وتمثيل العيش الإيماني على مقياس عالمي.
زيادة طاقة الخدمة الشعبية في الأربعين؛ سردية إحصائية عن عدد المواكب الإيرانية
بين الأبعاد المختلفة لمشاركة الإيرانيين في مراسم الأربعين، يحظى دور المواكب بموقع محوري. فالمواكب لا تعرف بوصفها مؤسسات شعبية مقدمة للخدمات فحسب، بل هي أيضا رمز للتضامن والاستضافة ورأس المال الاجتماعي المنظم في إطار ديني. وظاهرة إقامة المواكب ليست نشاطا خدميا فحسب؛ بل بنية ثقافية وأخلاقية بل معرفية تمثل في باطنها ضربا من تجسيد الإيمان المعيش والكرامة والاستضافة بغير من. وتشكل المواكب في مراسم الأربعين أحد أندر أمثلة التعايش الديني والعطاء بغير مقابل والمشاركة الاجتماعية غير الربحية في العالم المعاصر.
وفي سنة إقامة المواكب، ليست الخدمة واجبا نابعا من الإكراه، بل أمرا نابعا من الحب والإيمان. فخدام الموكب، من طبقات اجتماعية ومالية وتعليمية مختلفة، ومن دون تقاضي أي أجر، يخصمون من نومهم وراحتهم ليخدموا الزوار. وهنا تكتسب كرامة الخادم معناها بالتواضع في الخدمة، والزائر ليس زبونا بل ضيف الإمام الحسين (ع). وثقافة الموكب تحمل، بصورة مباشرة، نقل قيم مثل الإيثار والتعاطف والتعاون والعزة الشعبية. وكثير من خدام المواكب شباب ومراهقون يدخلون هذا الفضاء فيختبرون لا المهارات الخدمية فحسب، بل آداب العيش الأخلاقي والتربية الدينية أيضا. فإقامة المواكب في الواقع مدرسة خفية لتربية مواطنين مؤمنين ونشطين ومسؤولين. ويلقي الفحص الإحصائي للمواكب الإيرانية التي نجحت في الحصول على ترخيص رسمي للعمل في الأربعين ضوءا واضحا على اتجاه نمو هذه المؤسسة الميدانية وتذبذبها وتثبيتها.

واستنادا إلى البيانات الرسمية المنشورة، لم يكن في عام 1394 هـ.ش (2015/16) سوى 52 موكبا إيرانيا حاصلا على ترخيص رسمي للخدمة في الأربعين. لكن هذا الرقم شهد خلال أقل من عقد نموا مذهلا؛ بحيث بلغ عدد المواكب الحاصلة على ترخيص في عام 1401 هـ.ش (2022/23) 2,893، وتجاوز في عام 1402 هـ.ش (2023/24) عتبة 3,300. وتظهر التقديرات أيضا أنه في أربعين 1403 هـ.ش (2024/25) استقر أو سيستقر نحو 3500 موكب إيراني بترخيص رسمي في المسارات والحدود وأرض العراق. ومع ذلك، شهد هذا النمو المتصل في منتصف المسار سنتين من التوقف والانخفاض الملحوظ؛
وفي عام 1399 هـ.ش (2020/21)، بسبب جائحة كورونا وإغلاق حدود العراق، لم تتمكن مواكب كثيرة من الإرسال ونفذ برنامج بعنوان «الخطة البديلة في إيران». ونتيجة لذلك انخفض عدد المواكب الحاصلة على ترخيص إلى 1,141. وفي عام 1400 هـ.ش (2021/22) أيضا، رغم إعادة الفتح المحدودة، تم دخول الزوار الإيرانيين بصورة حصص ولم يرسل إلى العراق سوى 80 ألف زائر. وأثر هذا القيد مباشرة في مقدار إصدار تراخيص المواكب وانخفض إحصاء المواكب النشطة إلى 372.
وفضلا عن البعد الكمي، وضع تحول جودة خدمات المواكب أيضا على جدول الأعمال. وبحسب تقرير مقر تطوير وإعادة إعمار العتبات المقدسة، بدأت منذ عام 1401 هـ.ش (2022/23) عملية «صوغ معايير لخدمات المواكب». وفي هذا الإطار، تتخذ مؤشرات مثل الاستفادة من معدات التبريد، والصحة العامة، ونموذج طبخ الطعام المناسب وتوزيعه، والعمارة البسيطة والإيرانية، وآداب الضيافة، معايير كيفية للتقييم وإصدار الترخيص. وعلى هذا النحو، فإن اتجاه إصدار الترخيص للمواكب الإيرانية في الأربعين ليس انعكاسا للمشاركة الشعبية الواسعة فحسب، بل علامة أيضا على التنظيم التدريجي لمؤسسة تطوعية كبيرة؛ مؤسسة تشهد اليوم تحولا في البنية التحتية لا في الكم فحسب بل في الكيف أيضا، وتملك طاقة التحول إلى «نموذج للخدمات الثقافية-الدينية» على مستوى المنطقة.
كلمة أخيرة
الأربعين، بصرف النظر عما يجري على المستوى الظاهري، مرآة لطاقات الأمم المغفول عنها في التعايش والمشاركة وإضفاء المعنى الجماعي. وقد أظهرت البيانات الإحصائية لهذه المذكرة أن هذه الشعيرة، لا من حيث العدد فحسب بل من حيث البنية والتنظيم الشعبي والعمق الثقافي، أحد أكثر أحداث العالم المعاصر فرادة. فالنمو الملحوظ للمشاركة العالمية، والحضور الواسع للإيرانيين، والاتساع غير المسبوق للمواكب التطوعية، وتثبيت موقع الأربعين بين أكبر التجمعات البشرية، كلها تؤكد أن هذه الظاهرة تحتاج أكثر فأكثر إلى عناية المؤسسات العلمية والثقافية والاستراتيجية.
وفي عالم يتسع فيه الفردانية والاغتراب الاجتماعي يوما بعد يوم، الأربعين رمز لإحياء الروابط الإنسانية والدينية على مقياس شامل؛ نموذج يمكن أن يلهم منظومات تربوية ومدنية واتصالية جديدة. ولكي تعرف هذه الطاقة وتسجل وتعزز على نحو سليم، ينبغي عد الأربعين لا مجرد شعيرة دينية، بل ميدانا دراسيا بينيا وحدثا حضاريا.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية