تقاسم الإيرادات؛ مفتاح نمو صناعة المحتوى المحلي في إيران

تقاسم إيرادات المحتوى؛ من طلب أصحاب المصلحة إلى ضرورة التنظيم 

في عصر انتشار الفضاء الإلكتروني، تحول المحتوى الجاري في هذا الفضاء إلى موضوع اقتصادي وصناعي. وفي الواقع واجه المجتمع البشري في هذا العصر الناشئ ظهور سوق عرض وطلب جديدة سلعتها الأساسية «المحتوى». ومسألة «تقاسم إيرادات صناعة المحتوى» من المسائل الاقتصادية لهذه الصناعة التي حظيت بمعالجات مختلفة في نقاط مختلفة من العالم. وهذه المسألة الخطيرة، من حيث إن لها أصحاب مصلحة اقتصاديين متنوعين، يمكن أن تقع أيضا موضع نزاع جدي. لذلك فإن التجاذب والخلاف بين الفاعلين الحكوميين والخاصين وحتى المستخدمين العامين والمواطنين الرقميين على هذا الموضوع أمر لا مفر منه. لكن المسألة المهمة هي سعي بعض الحكومات إلى أن ينتفع عموم منتجي المحتوى من دخل هذه الصناعة على نحو عادل. ويشمل قسم مهم من هؤلاء المنتجين وسائل الإعلام البشرية والوسائط الصغيرة التي قد تحظى باهتمام أقل إلى جانب المنتجين الكبار والكثيفين للمحتوى، ويتعرض نصيبها من دخل هذه الصناعة للظلم. وفي الواقع ينتظر من الحكومات أن تدعم مراعاة العدالة وحقوق هؤلاء المنتجين الصغار والكثيري العدد حتى تعزز بذلك، فضلا عن إقامة العدل، سوق إنتاج محتوى الوسائط الصغيرة ووسائل الإعلام البشرية.

تجربة إيران؛ مقرر تقاسم إيرادات المحتوى في المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني

في تير (يونيو–يوليو) 1403 هـ.ش (2024/25)، أقر المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني مقررا بعنوان «سياسات ومتطلبات وضع تعرفة حركة الشبكة وتقاسم إيرادات المحتوى». ويعود سياق تشكل هذا المقرر إلى السنوات الأولى من عقد 1390 هـ.ش (2011–2021)، حين طرحت مع نمو استهلاك المحتوى المتعدد الوسائط في البلاد واتساع منصات مثل آبارات (Aparat) مسألة تقاسم الإيرادات ووضع تعرفة الحركة الداخلية بوصفها فجوة سياساتية. ويتابع هذا المقرر أهدافا مثل تحقيق العدالة الاقتصادية في سلسلة قيمة المحتوى الرقمي، ودعم إنتاج المحتوى الداخلي، وتعزيز الاستثمار في البنى التحتية، وإيجاد منصات قابلة للمنافسة. وفي إطار هذه الوثيقة، يجب أن تخضع الحركة المتعلقة بالمحتوى الداخلي لتعرفة تفضيلية، وقد ألزم المشغلون بأن يخصصوا جزءا من الدخل الناشئ عن الحركة التي يستهلكها المستخدمون للمنصات ومنتجي المحتوى. كذلك من الناحية التنفيذية، يكلف هذا المقرر الأجهزة المسؤولة بأن تصمم آلية شفافة للقياس الدقيق للحركة وتسجيل البيانات ونشرها والرقابة على عملية التقاسم. كذلك جرى التأكيد على إنشاء منظومة وطنية لتسجيل معلومات الحركة والدخل ورصدها وتدقيقها.

لماذا تكتسي ردود الفعل الإعلامية على مقرر تقاسم إيرادات المحتوى أهمية؟ 

يمكن أن يؤدي الانعكاس الإعلامي لمثل هذه الوثائق دورا محوريا في تبيينها وتفسيرها، وكذلك في إصلاحها والارتقاء بها. ووسائل الإعلام جسر تواصل بين صانع السياسات والرأي العام، ويتيح تحليل محتواها معرفة الطبقات الخفية أو قليلة البيان من المخاوف والهواجس والإسنادات الفكرية. وفي هذا الأثناء فإن الخلافات القائمة بين الفاعلين الحكوميين والخاصين، والتنوع في الاتجاهات الإعلامية والتمثيلات المتناقضة أحيانا في وسائل الإعلام ذات الميول السياسية المختلفة، كلها دالة على فضاء مفتوح قابل للنقاش في عملية صنع السياسات. لذلك فإن التحليل الإحصائي والمضموني لهذه الردود لا يساعد على فهم أفضل للفضاء الإعلامي في البلاد فحسب، بل يعد أيضا أداة للمراجعة التشاركية في مسار تنفيذ الوثيقة. وفي الاتجاه نفسه تناول مركز نمافر لبحوث السياسات وتحليل البيانات، تناولا قائما على البيانات، الأخبار المنشورة عن وثيقة تقاسم إيرادات صناعة المحتوى من جانب وكالات الأنباء والمواقع الخبرية في البلاد.

اصطفاف أنصار تقاسم إيرادات المحتوى ومعارضيه وتقابلهما في مرآة الأخبار 

استنادا إلى تنقيب البيانات في مركز نمافر لبحوث السياسات وتحليل البيانات، نشر من 21 تير إلى 6 مرداد (يوليو–أغسطس) 1404 هـ.ش (2025/26) عدد 239 خبرا عن وثيقة تقاسم إيرادات المحتوى في وكالات الأنباء والمواقع الخبرية. ويظهر تحليل مقاربة الأخبار المنشورة ومشاعرها تجاه مقرر تقاسم إيرادات المحتوى أن 40 في المائة من الأخبار المنشورة كانت لها مقاربة وتعامل سلبي تجاهه. هذا في حين أن 28 في المائة من الأخبار الصادرة كانت لها مقاربة إيجابية وداعمة لوثيقة تقاسم إيرادات المحتوى. كذلك كان 32 في المائة من الأخبار محايدا ومن دون توجه خاص. ويبين هذا التوزيع الإحصائي نوعا من التقابل الخطابي مع غلبة ثقل المعارضين ورجحانه؛ وهو أمر يشاهد عادة في مواجهة السياسات الوطنية الحساسة، مثل وضع القواعد على الفضاء الإلكتروني. وأحد أهم أسباب كثرة المعارضين هو القلق من الريع والفساد والاحتكار في تنفيذ الوثيقة. بحيث إن 45 في المائة من المواد المكتوبة بين المعارضين ناشئ عن توليد الفساد والريع في حال تنفيذ الوثيقة.

والخلاف الرئيسي بين الوجهتين هو بين القطاع الحكومي (التشكيلات والمؤسسات التابعة للدولة ساترا (هيئة تنظيم الإعلام السمعي البصري) (الجهة الرقابية)، والمركز الوطني للفضاء الإلكتروني (صانع السياسات)، ومنظمة تنظيم المقررات والاتصالات الراديوية (الجهة التنظيمية) ووزارة الاتصالات (الجهة التنفيذية)، التي تعد الوثيقة خطوة في اتجاه التنمية والعدالة، والقطاع الخاص (الشركات الخاصة ومنصات المحتوى مثل آبارات (Aparat) وفيلم نت ونماوا (Namava) و.....) الذي وصفها بأنها مسببة للاحتكار والريع والقيود.

ويؤكد المؤيدون للخطة «ضرورة تطوير المحتوى واستدامة الشبكة وتقليل الاعتماد على الحركة الدولية والتوزيع العادل للدخل بين الفاعلين الرقميين الداخليين»، وقد برز دعم جمعيات النشر الرقمي والمؤسسات المرتبطة لهذه الوثيقة. ويؤكد المعارضون أيضا احتجاجات الشركات ومخاطر الريع والاحتكار وغياب القيود على الإنترنت الحر وزيادة سعر الإنترنت والأثر السلبي في القطاع الخاص واندثار المنصات المستقلة وانخفاض تنوع المحتوى وتوجيه الدولة إنتاج المحتوى بحسب الذوق. وتبين هذه الإحصاءات طاقة الوثيقة على قبول النقاش، ومن جهة أخرى تدل على غياب إجماع نهائي في الجسم التخصصي والإعلامي؛ لأن حتى وسائل الإعلام المختلفة بتحيزات حزبية محددة كانت تنشر أخبارا مختلفة ومتناقضة أحيانا عن هذه الوثيقة.

أي وكالات الأنباء نشرت أكبر عدد من الأخبار عن وثيقة تقاسم إيرادات المحتوى؟ 

يبين تحليل مضمون وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية الرائدة من حيث عدد الأخبار المنتجة والمنشورة أن «وكالة الأنباء الاقتصادية الإيرانية» بـ13 خبرا قد نشرت أكبر عدد من الأخبار عن وثيقة تقاسم إيراد صناعة المحتوى. وتحتل وكالة تسنيم، التي أكدت بوجه عام وجود الوثيقة وإلزامها رغم تغطيتها مخاوف القطاع الخاص، المرتبة الثانية بـ9 أخبار. كذلك تناولت مواقع إخبارية مثل «إيستنا» و«إيتنا» و...، وهي وسائل إعلام متخصصة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، هذه الوثيقة بمقاربة تحليلية وتقنية وموقف محايد. ويبين الجدول أدناه وضع أهم وكالات الأنباء في نشر الأخبار المرتبطة بالوثيقة وتوجهاتها.

اهتمام خاص من وكالات الأنباء الأصولية بوثيقة تقاسم إيراد المحتوى

غطت وسائل الإعلام الأصولية معظم الأخبار المرتبطة بوثيقة تقاسم إيراد المحتوى. بحيث إن 64 في المائة من الأخبار تخص وسائل إعلام هذا التيار، وغطت وسائل الإعلام الإصلاحية الـ36 في المائة المتبقية. ويبين هذا الأمر أن وسائل الإعلام الأصولية تولي الوثيقة اهتماما أكبر.

احتجاج منصات شبكة العرض المنزلي في بؤرة اهتمام وكالات الأنباء

ومن جهة أخرى فإن أكثر الأخبار المنتجة عن الوثيقة أيضا يتعلق بـ28 تير (يونيو–يوليو) و2 و4 مرداد (يوليو–أغسطس). و28 تير هو موعد نشر الرسالة الاحتجاجية لـ30 منصة وناشط في شبكة العرض المنزلي مثل نماوا (Namava) وفيلم نت وتماشاخونه و... وقد شمل قسم مهم من الأخبار توجها سلبيا عن هذه الرسالة وإعادة نشرها. وفي الثاني من مرداد انجذب تركيز وسائل الإعلام مجددا إلى النقاش عن وثيقة المحتوى وأبديت آراء مختلفة في هذا الشأن.

اهتمام خاص من وكالات الأنباء المتخصصة في مجال المعلومات والتكنولوجيا بوثيقة تقاسم إيراد المحتوى

ووفقا للنتائج، لا ترتبط شدة تغطية وكالات الأنباء المختلفة لوثيقة تقاسم إيراد المحتوى وضعفها ارتباطا خاصا بتصنيفها التياري. كذلك فإن أحد أهم وجوه عدد الأخبار التي تنتجها المواقع الإخبارية هو الحضور البارز لوكالات الأنباء المتخصصة في مجال المعلومات والتكنولوجيا.

واستنادا إلى تحليل مضمون الأخبار، تركز أهم العناوين المنشورة في وكالات الأنباء وأكثرها تكرارا على موضوعات شرح وثيقة سياسات تسعير المحتوى ومتطلباته، وسعي الحكومة لزيادة حصة إنتاج المحتوى المحلي، ودور المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، واحتجاج بعض شركات التكنولوجيا والقطاع الخاص على تنفيذ الوثيقة، والتأكيد على ضرورة الإنترنت الحر لتحقيق الإنترنت الوطني، ودعم بعض المؤسسات الحكومية للسياسة الجديدة. وفي تحليل الشكل اللساني للأخبار أيضا كتبت أغلب العناوين بأسلوب إخباري ومحايد، غير أن بعضها يحتوي ألفاظا مثل «احتجاج» أو «من دون إنترنت حر» أو «موضع تساؤل» ذات نبرة قلقة أو نقدية. كذلك فإن بنية أغلب العناوين رسمية وتقريرية، وفي بعض الحالات يستخدم الحوار مع المديرين للاستشهاد بالأخبار وإكسابها المصداقية.

التضاد الإدراكي والخطابي تجاه وثيقة تقاسم إيراد المحتوى

يدل تحليل خطاب الأخبار الموافقة والمعارضة لوثيقة تقاسم إيراد المحتوى على تضادات إدراكية وخطابية حول مفاهيمها الرئيسة.

كلمة أخيرة

ووثيقة تقاسم إيراد المحتوى، وإن كانت تشرع مسارا مهما في الحوكمة الرقمية، فإنها من دون إصلاح هيكلي تنطوي أيضا على إمكان التحول إلى مصدر جديد للمحسوبية وانعدام الثقة. ولتفادي هذا الخطر، ينبغي لصانع السياسات، بدلا من التنفيذ المتسرع، أن يسلك طريق الإقناع الاجتماعي والحوار مع القطاع الخاص وصوغ لوائح شفافة ملزمة. وإلا فإن الوثيقة لن تبلغ هدفها في دعم صناع المحتوى فحسب، بل ستصير هي نفسها عاملا لتشديد الفجوة بين الدولة والمجتمع الرقمي. ومن ثم يقترح أن يجعل صانع السياسات، بالتركيز على بناء الثقة المؤسسية وتشكيل جهة رقابة مستقلة وتصميم نماذج إيراد متدرجة والاقتداء بالنماذج العالمية الناجحة، تنفيذ الوثيقة منصة لإعادة تعريف العدالة في اقتصاد المنصات. ونجاح هذه الوثيقة اختبار استراتيجي لقدرة نظام الحوكمة في البلاد على تنظيم شفاف وتشاركي ومستشرف للمستقبل في مجال المحتوى الرقمي، وأبعد من ذلك، في ميدان الفضاء الإلكتروني.

ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية

اتصل بنا