«دعوني أقل، كل ثري اتصل بي بشأن تيك توك!»
أخيرا حجب تيك توك في آخر يوم من رئاسة بايدن على مستوى البلاد في أمريكا؛ لكن لمدة 16 ساعة فقط. وأعلن ترامب في أول يوم عمل له رئيسا جديدا: «تيك توك عاد» ثم منحه مهلة 75 يوما كي تنفذ ByteDance قانون الكونغرس الأمريكي وتتنازل عن تيك توك لشركات أمريكية. والجملة الأولى في النص قالها ترامب أيضا، مخاطبا الصحفيين. كذلك طرح احتمال تشكيل شراكة لإدارة هذه المنصة وقال إنه يسعى إلى شراكة 50-50 بين الولايات المتحدة والشركة الصينية المالكة لها لكنه لم يقدم تفاصيل أكثر. كذلك أعلن ترامب أنه قد يفرض تعريفات تجارية جديدة على الصين إذا لم تتم صفقة لهذه المنصة. وأضاف: إذا رفضت بكين الصفقة، «فسيعد هذا الإجراء عدائيا».
ماذا يقول الصينيون؟
كان المسؤولون الصينيون قد رفضوا سابقا طلبات البيع ووصفوا حجج الولايات المتحدة في مارس الماضي بأنها «منطق لصوص محض». ومع ذلك أظهر المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في الواقعة الأخيرة موقفا أكثر ليونة نسبيا وقال: «في خصوص إجراءات مثل عمليات الأعمال وعمليات الاستحواذ، نعتقد أن هذه القرارات ينبغي أن تتخذها الشركات بصورة مستقلة وإذا كانت شركات صينية طرفا فيها فينبغي مراعاة قوانين الصين ولوائحها».
عندما يفتح تيك توك أمريكا
منذ سنوات يوجد تحد بين سيادة الولايات المتحدة ومنصة تيك توك الصينية. فمن جهة واجهت هذه المنصة اتهامات بالتجسس لصالح الحكومة الصينية ومخاوف الأمن القومي، ومن جهة أخرى أثارت نقدا كثيرا بسبب أثرها الثقافي العميق في الجيل الشاب. وإن كانت أهمية الحالة الأولى قطعا أكبر من الثانية.
ولتيك توك موقع خاص بين الشبكات الاجتماعية. وقد نجحت هذه المنصة التي تديرها شركة ByteDance القابضة الصينية في التحول إلى إحدى أهم الشبكات الاجتماعية في أنحاء العالم. وبحسب البيانات المقدمة يحتل تيك توك بـ1.582 مليار مستخدم نشط شهريا المرتبة الخامسة عالميا. ولم تستطع سوى فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام وواتساب أن تتقدم على هذه المنصة من حيث عدد المستخدمين النشطين. وبطبيعة الحال مع احتساب مستخدمي هذه المنصة في الصين نفسها يصل هذا الرقم إلى 2.417 مليار مستخدم ويحتل تيك توك المرتبة الثالثة.

وتعد خوارزمية تيك توك الذكية، التي تقدم المحتويات المقترحة بدقة عالية جدا بحسب اهتمامات المستخدمين، أحد الأسباب الرئيسة لنجاح هذه المنصة. غير أن هذه الخوارزمية نفسها حملت مخاوف أيضا، لأن كثيرا من النقاد يرون أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى جمع بيانات المستخدمين الحساسة لصالح الحكومة الصينية.
وتظهر الإحصاءات أن تيك توك نما نموا لافتا لا من حيث عدد المستخدمين النشطين فحسب، بل من حيث تحقيق الإيرادات أيضا. وبحسب التوقعات ارتفع إيراد هذه المنصة من 2 مليار دولار في عام 2020 إلى 18 مليار دولار في عام 2023 ويتوقع أن يصل هذا الرقم حتى عام 2027 إلى نحو 54 مليار دولار. ويؤمن الشطر الأعظم من هذه الإيرادات من الإعلان الرقمي، لأن كثيرا من العلامات التجارية الكبرى نقلت إعلاناتها إلى هذه المنصة بسبب الوصول إلى مجتمع شاب وحيوي. كذلك تؤدي المشتريات داخل التطبيق والتعاون مع العلامات التجارية دورا مهما في تأمين الموارد المالية لتيك توك.
وقد حولت شعبية تيك توك الفريدة في الولايات المتحدة إلى موضوع حساس في السياسة الداخلية والخارجية لهذا البلد. وتعد الولايات المتحدة، بأكثر من 120 مليون مستخدم نشط على الأقل، ثاني أكبر سوق لتيك توك في العالم. وإن كانت هذه المنصة تعرف في الصين نفسها باسم Douyin وفي هذا البلد أكثر من 835 مليون مستخدم. أي مع احتساب الصين تحتل أمريكا المرتبة الثالثة في مقدار مستخدمي تيك توك.

غير أن هذه الشعبية نفسها حملت تحديات كثيرة لهذه المنصة. فقد أعلنت حكومة أمريكا مرارا أن تيك توك قد يشارك بيانات مستخدميه مع الحكومة الصينية. وبلغت هذه المخاوف ذروتها ولا سيما في فترة رئاسة دونالد ترامب، وتحول اقتراح حظر تيك توك بالكامل في هذا البلد إلى أحد الموضوعات الجدلية في سياسة أمريكا.

لماذا لا يعترض أحد؟
والسؤال هنا لماذا لم يواجه حظر تيك توك احتجاجات شعبية واسعة؟ ورغم أن بعض المصادر قدرت المستخدمين الأمريكيين لهذه المنصة بنحو 170 مليون شخص، لا تلاحظ حملات حقيقية أو افتراضية جدية في اتجاه معارضة حجب تيك توك. فكيف يمكن لشعب مجتمع ديمقراطي أن يتماشى بهذه السهولة مع حجب منصة محبوبة؟
تحرر إجباري من الإدمان على تيك توك
يرى بعض الصحفيين والكتاب الأمريكيين مثل كاتب في صحيفة نيويورك تايمز أن كثيرا من مستخدمي تيك توك عدوا هذا الحظر، بدل إبداء الغضب والاعتراض، نوعا من «التوفيق الإجباري». لأنهم يتحررون بذلك من قيد منصة يدمنونها، ومن دون هذا الحظر لا يستطيعون تحرير أنفسهم من الإدمان على تيك توك. وتيك توك بمثابة مادة مخدرة، فرغم أن الأفراد مرتبطون بها؛ فإنهم لا يحبونها ويعلمون أنهم يصابون بأضرار متنوعة مع استهلاكها المستمر.
الطابع غير الاجتماعي لتيك توك
ويعود سبب آخر لهذا الموضوع إلى تصميم تيك توك الخاص. فخلافا لفيسبوك أو إنستغرام اللذين يسمحان للمستخدمين بالتواصل مع أصدقائهم وعائلاتهم، يركز تيك توك أكثر على محتويات ينتجها أفراد مجهولون. وقد أوجدت هذه السمة تجربة مختلفة تماما ومنفعلة نسبيا للمستخدمين قد لا يشعر كثير منهم بتعلق كبير بالوصول إلى هذه المنصة. فالناس لا يتعلقون بفضاء افتراضي تماما ومنقطع عن الحياة الحقيقية وغير المتصلة، ويرحلون عنه بسهولة أكبر.
وجود منصات بديلة متعددة لتيك توك
ومن جهة أخرى دفع نجاح تيك توك كثيرا من الشبكات الاجتماعية الأخرى إلى تقديم سمات مشابهة. فقد سعت إنستغرام ويوتيوب وإكس بل وحتى سناب تشات في السنوات الأخيرة، بتقديم قدرات مشابهة لتيك توك، إلى الاحتفاظ بمستخدميها. ودفع هذا الأمر بعض المستخدمين إلى إيجاد بدائل لتجربة مشابهة لتيك توك. كذلك يرى بعض النقاد أن نجاح تيك توك في أمريكا يعود أكثر مما يعتمد على شعبية هذه المنصة إلى ضعف المنافسين في تقديم محتوى جذاب.
لمحة إحصائية عن حظر تيك توك في المجتمع الأمريكي
على أي حال يبدو في الوقت الحاضر أن من يؤيدون حظر تيك توك في أمريكا ما زالوا أكثر ممن يدعمون هذه المنصة. وبحسب استطلاع مركز بيو للأبحاث الذي أجري بين 15 يوليو و4 أغسطس 2024، بلغت حصة الأمريكيين الذين يدعمون حظر الحكومة لتيك توك الآن 32٪؛ وذلك في حين كان هذا الرقم في خريف 2023 يساوي 38٪ وفي مارس 2023 يساوي 50٪.
وفي الوقت نفسه يعارض 28٪ من الأمريكيين حظر تيك توك، وقد ارتفع هذا الرقم زيادة بنسبة 6 في المائة مقارنة بإحصاء 22٪ في شهر مارس 2023. كذلك ارتفعت حصة من ليسوا على يقين بشأن حظر تيك توك من 28٪ في مارس 2023 إلى 39٪.

وحتى مع انخفاض التأييد لحظر تيك توك، ما زالت الآراء في أمريكا تختلف بحسب الحزب السياسي. فالجمهوريون والمستقلون المائلون إلى الجمهوريين يؤيدون الحظر أكثر من الديمقراطيين والمستقلين المائلين إلى الديمقراطيين (42٪ مقابل 24٪). ومع ذلك انخفض التأييد في الحزبين؛ ففي مارس 2023 كان 60٪ من الجمهوريين و43٪ من الديمقراطيين يؤيدون الحظر.

كذلك تختلف الآراء اختلافا ملحوظا بحسب استخدام تيك توك أو عدم استخدامه. فمستخدمو تيك توك يعارضون الحظر أكثر (61٪) مما يؤيدونه (10٪)، في حين ينقسم غير المستخدمين تقريبا بالتساوي بين التأييد (42٪) وعدم اليقين (43٪)، ويعارضه 15٪. وقد انخفض التأييد للحظر في المجموعتين منذ مارس 2023؛ فمن بين غير المستخدمين انخفض التأييد من 60٪ إلى 42٪ ومن بين المستخدمين من 19٪ إلى 10٪.
وبوجه عام بحسب استطلاع مركز بيو للأبحاث يتراجع التأييد العام لحظر تيك توك في الولايات المتحدة ويساور كثيرا من الأمريكيين الشك في وقوع مثل هذا الحظر.
ولا تقتصر تحديات تيك توك في أمريكا على المسائل الأمنية. فقد انتقدت هذه المنصة أيضا بسبب آثارها الثقافية. فقد تحول تيك توك إلى أحد الأدوات الرئيسة لإنتاج المحتوى الثقافي والاجتماعي وترويجه، وكثير منه من وجهة نظر الجماعات المحافظة يتضارب مع القيم الأمريكية التقليدية. ودفع هذا الموضوع تيك توك إلى التحول إلى منصة للنزاعات الثقافية في الولايات المتحدة.
وحظر تيك توك في أمريكا ليس بلا تكلفة لهذا البلد ويمكن أن تكون له تبعات واسعة. فمن الناحية الاقتصادية يمكن أن يؤدي هذا الحظر إلى خسائر بمليارات الدولارات للشركات الأمريكية التي تستخدم هذه المنصة للإعلان والتسويق. كذلك قد يفقد آلاف منتجي المحتوى الذين يجنون دخلا من تيك توك عملهم. ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي حظر تيك توك إلى انخفاض التفاعلات الثقافية بين أمريكا والصين وأن يستخدم بوصفه أحد أدوات الحرب الناعمة في هذا النزاع الجيوسياسي.
لكن هل حظر تيك توك حقا الحل المناسب لرفع المخاوف الأمنية؟ يرى كثير من المحللين أنه بدل الحظر الكامل يمكن، بزيادة الشفافية في إدارة البيانات والتعاون الأوثق مع المشرعين، رفع المشكلات القائمة. وقد سعى تيك توك في الأشهر الأخيرة، بإحداث تغييرات في سياسات الخصوصية وتخزين البيانات، إلى كسب ثقة المستخدمين والمسؤولين الأمريكيين. لكن هذه الجهود لم تستطع حتى الآن رفع المخاوف الأساسية.
ولا يزال مستقبل تيك توك في أمريكا يكتنفه الغموض. ويبدو أن هذه المنصة التي تحولت إلى أحد أهم رموز نجاح التكنولوجيا الصينية لن تنسحب من ساحة المنافسة بهذه السرعة. غير أن الضغوط السياسية والاقتصادية وضعتها في موقع صعب. ويحتاج تيك توك لمواصلة نشاطه في السوق الأمريكية إلى اتخاذ استراتيجيات أذكى وأكثر شفافية. فهل ستتمكن هذه المنصة من عبور هذه الأزمة ومواصلة مسار نموها؟ الزمن وحده سيجيب عن هذا السؤال.
ترجمة آلية من الفارسية أعدها نمافر؛ النص الفارسي هو المرجع. اقرأ النص الأصلي بالفارسية